[ أهلاً بالضيف الكريم ] 
للتسجيل
أنت الزائر رقم

إحصائيات الموقع

الدول المشاركة
عدد الكتَّاب
عدد النصوص
عدد الكتب
عدد التعليقات
عدد القراءات
عدد التوقيعات
عدد المشتركين
كتَّاب في الانتظار
نصوص في الانتظار
 
طبق الفول 
التاريخ:الأربعاء 29 اغسطس 2007  القراءات:(5246) قراءة  التعليقات:(18) تعليقاً  إهداء لصديق طباعة التعليقات أضف للمفضلة

  قصة ، من : سمير الفيل  

 

طبق الفول

 

ليس من شاف كمن سمع.  هذا ما تعلمته هنا فى السوق ، وأزيد عليه بأننى كنت قد سمعت عن الأستاذ كثيرا من المدح ، فالجميع يصفه بالسياسى المحنك ،  وآخرين أكدوا أنه من القيادات الشابة التى تلائم المنعطف الثورى الذى تمر به بلادنا .

 رأيت صورته كبيرة معلقة فى صدر المكتب ،  أيضا كانت يده ممدودة لبكباشى فى الجيش من زعماء يوليو ،  وهى الثورة التى غنى لها عبد الوهاب بطراوة ، وعبدالحليم حافظ بحماس .  أكثر ما كان يحيرنى فى الأستاذ صرامته التى كان يعامل بها الخلق ؛ فهو رجل دوغرى ، وأهدافه الثورية واضحة ، أعرف أن حياته الزوجية مستقرة ؛ إذ أن أصهاره من أ ثرياء البلد ،  لهم عشة برأس البر، مع  عمارتين فى القاهرة ، وسيارة مرسيدس أم مثلث فى دائرة ، كأنه حجاب يمنع الحسد، والعين التى لا تصلى على النبى  .

سألت نفسى مرة :" هل من المعقول أن أكبر وأصبح محاميا مثله ، ألبس الروب الأسود ،   وأترافع بقوة وبلاغة ، كما كنت  أرى فى الأفلام التى يوقع فيها محمود المليجى بالبطل الطيب ؟".

  كل هذا نسيته الآن عندما ناداك "الأستاذ" .  عليك أن تستأذن الحاج خليل  ، فابن عمه يناديك ، وهو أكبر المتعلمين فى عائلة البطاحى . " محامى بالنقض  والاستئناف العالى " ، هكذا قرأت على اللافتة الزجاجية التى تضىء ليلا ، فتنور الشارع كله . الأستاذ له صلعة بهية ، وغمازة واحدة فى خده الأيمن ،  يتشدق باللبان وهو يحدثك : ولد يافلفل . إطلع  فوق ،  شوف الهانم عايزة أيه ؟

والهانم التى فى الطابق الذى يعلو شقة المحامى النابغة، حلوة ، مطلقة  ، وحيدة ،مكسورة الجناح .  هى بيضاء ، مربربة ،  تضحك بلا سبب ، تتحرك بليونة  كأن مفاصلها سائبة ، حين تدخل كى تحضر لك الطبق . أردافها الثقيلة تتحرك صعودا وهبوطا ،  وهى دائما تنفحك خمسة قروش بعد كل مشوار ، وأحيانا قبلة على السريع،  لكنها قبلة طيارى لا خطر منها . فأنت عيل فى الأساس ،   معدوم ،  كحيان.  لكنك "  مسمسم ، وعفريت" .  هى تقول ذلك وأنت تعرف أنها تريد كسب ودك من أجل قضاء المشاوير البعيدة .

تطلب منك إحضار الإفطار ، تنظر لعقارب الساعة تتحرك داخل  الإطار الفضى  على الحائط فوق الستائرالزرقاء  المسدلة . تدق الساعة  فإذا هى التاسعة : "ماالذى جعل الأستاذ يفتح فى هذا الوقت المبكر ؟" .

تحمل الطبق ، وأنت تحشر البيانات فى عقلك : قرشان طعمية ، قرشان فول ، عشرة قروش خبز، مجلة حواء ، جريدة الأهرام ،ومعها  الملحق .

فى طريقك للنزول يا فلفل الكلب ، ستجد ورقة مجلة ممزقة  بها صورة ونصف خبر،  ستنحنى لتلتقطها ،   بدون إرادة سترمى الخمسين قرشا ، كورقة مهملة ،  وأنت مندمج فى قراءة الورقة ، وتتوقع الكلام الذى قطعته يد آثمة فجاء الخبر منقوصا..

أمام "حنيجل"  الفوال تكتشف المصيبة .  لا نقود معك . تهرع بسرعة  إلى شقة الأستاذ، تجدها مفتوحة  ولاأحد بالداخل  ، تدق بقبضتك الباب ، فلا يرد عليك أحد . تصعد إلى شقة المدام ، تنقرز بأصابعك الباب المفتوح ، فأنت لم تعثر على النصف جنيه بعد .

يقع نظرك على السيدة تركب الأستاذ ، وتدور به حجرة الصالون الفسيح . إنه  يلف حول الطقطوقة ،التى يعلوها جهار " البيك أب " ، صوت صباح يلعلع،  ويملأ الطابق كله ،  تحملق فى المنظر مبهوتا ، يروق لك أن تعلمهم بحضورك ، دون أن تسبب لهما حرجا . تكح وتسعل بلا فائدة،  وهو يواصل اللف ، أما هى فتستحثه : " حا ...شى ..هس "

هكذا شاء ، وهو حر أن تركبه امرأة بمثل هذا الجمال ،  الشىء الذى يدهشك : كيف يحتمل كل هذا الثقل  وهو كالعصفور يكاد يفطس تحتها ؟

تخرج نفسك من المشهد بأن تغمض عينيك،  تقول " ماء ...ماء " . ينتفض الأستاذ ، يصرخ فى وجهك : جيت يازفت من أمتى ؟

ترد كالمخطوف ، ويدك  تصنع شكلا دائريا :" من بداية اللف" .

تضحك المرأة ، تضمك  إلى صدرها الرجراج . سيبه ياخوخة . لكن خوخة ، يقرصك بغل فى خدك حتى يفط  الدم ، ويعرف منك أن النقود وقعت منك غصبا .

يخرج جنيها كاملا هذه المرة :" روح هات الفول،  وبقية اللوازم بنصف جنيه . أما نصف الجنيه التانى لك ؛  علشان أنت ولد أمين ، ما بتقولش للناس الوحشين على لعبة عم عنكب" .

تخطف الجنيه ، تهبط السلم، تصنع إيقاعا راقصا بطرق الطبق بيدك الصغيرة  ،وتضحك فى سرك: " عم عنكب ، شد واركب " ، تتصور خوخة ، وهو يواصل اللف حتى تلك اللحظة .

تقرر ألا تصبح محاميا لأن لعبة عم عنكب لا تروقك ، ولأن قرصة الأستاذ مازالت توجع خدك الذى احتفظ بحمرته حتى عدت إلى بيتك فى آخر الليل. 

 

 ...........................................

 

 * من مجموعة قصصية تحت الطبع بعنوان " صندل احمر " .

 

 

 

 

 

 

 

 

w w w .    A    r    a    b    i    c    S    t    o    r    y    . n e t

جميع الحقوق محفوظة لشبكة القصة العربية 2001-2007