[ أهلاً بالضيف الكريم ] 
للتسجيل
أنت الزائر رقم

إحصائيات الموقع

الدول المشاركة
عدد الكتَّاب
عدد النصوص
عدد الكتب
عدد التعليقات
عدد القراءات
عدد التوقيعات
عدد المشتركين
كتَّاب في الانتظار
نصوص في الانتظار
 
ساق وحيدة 
التاريخ:  القراءات:(5180) قراءة  التعليقات:(29) تعليقاً  إهداء لصديق طباعة التعليقات أضف للمفضلة

  قصة ، من : سمير الفيل  

 

ساق وحيدة

 

دقات قدمه الخشبية كانت تخبط كالشاكوش فى رأسى ، كلما مر من أمام المحل ، بعكازه ذى المسند القطيفة ، وكان من طبيعته أن يرفع يده بالسلام دون أن يتفوه بكلمة واحدة، ومن غير أن ينظر للجالسين فى محالهم  .

أعرف بيته الذى يتوسط شارع البدرى ببلاطاته المتراصة بترتيب جميل ،وأكاد أحفظ كل  الحفر التى تتجمع فيها مياه الأمطارفى فصل الشتاء ، لكن أكثر ما يميز بيته  كلب أسود كبير يتبعه فى الذهاب والأياب ، يصحبه كظله ، ويصرفه بإشارة خفية من يده اليمنى التى يحمل بنصرها خاتما من الحديد عليه لفظ الجلالة .

هذا هو العم مسعود قشطة ، وبيته له باب ضخم  ، و ضلفتان عاليتان ، كما  يوجد مقعد فى أول بسطة على السلم الخشبى ذى الدرابزين المشغول بزهور لوتس مدقوقة بصورة عجيبة .

يقال فى الحى أن العم مسعود مخاو لجنية من العالم السفلى ،  وقد أقسم الولد نصحى العبد الذى تعمل أمه شغالة فى سرايا العلايلى أنه رأى الجنية جالسة أمامه فى إحدى ليالى ديسمبر تحاسبه حساب الملكين عن سبب تغيبه عنها لأشهر متتالية . يقول الولد نصحى أنه كمن وراء جوال فحم كان قد  أخرجه العم مسعود ليشمسه على الرصيف المجاور للبيت  ، وفى غفلة منه نساه ، ولذلك لبد فى المكان وسمعها تبكى وتنهنه لأنه نسى أولاده منها ، وقد لمح أحدهم برأس إنسان وأظلاف عنزة ، وذيل قرد. وقد راح يعبث بذقن الأب التى وخطها الشيب .

يقسم الولد نصحى بتربة أبيه أنه رأى عينيها تطقان شرارا ،  وعندها اندفع يجرى ، فلمحته  الماكرة ، ومدت ظلها ليعرقله ،  وقد كان ، فالشج الذى يعلو حاجبه الأيسر من أثر الوقوع على البلاطات البازلتية  . أغلب الأولاد كانوا يصدقونه، ويستزيدونه ليكمل الحكى ،  وكنت أعرف أنه يكذب ؛  فلو كان قد رأى الجنية حقا،  فلماذا لم يطلب منها طلبا واحدا هى الأقدر على تحقيقه، خاصة أن حذاءه لم يتغير منذ عامين ، وزى المدرسة مثله ؟

لكن عم مسعود الذى يعمل بتجارة الفحم كان قليل الكلام ، وكل أهل الحى يعاملونه باحترام لأنه ـ فى الغالب ـ زوج جنية ، وعنده مال كثير جمعه من صفقات أبرمها فى الليل الغطيس .

 كان العم مسعود له يدان شديدتا السواد بسبب تقليبه للفحم ، ووزنه بالأقة ، وبيعه  ، ولكن أمى كانت تقول أن له أياد بيضاء على الشارع كله .

دخل العم عندنا ، وأشار بيده أن أحضر حذاءا ،سند عكازه على  البنك ، وكرر طلبه، وجمت للحظة ؛ فكيف لى أن أعرف : هل يريد فردة واحدة أم الزوج كاملا ؟

 كنت أعرف أن ساقه قد بترت فى حرب بورسعيد لما فوق الركبة ، وأن الأطباء قد سارعوا ببترها  خوفا من انتشار " الغرغرينا " فى الجسم كله . وأنه كان شابا وسيما دخل الحرس الوطنى بإرادته ، وركب فى الخفاء  زورقا من سواحل بحيرة المنزلة مهربا خمس قطع من السلاح وصندوقين للذخيرة ، وقد نجح فى دخول المدينة المحتلة، وفى إحدى الكمائن تم إطلاق النار عليه ، حيث زحف بساقه المصاب حتى آواه بعض الصيادين ، وأسرعوا به لمستشفى الطوارىء التى أجريت فيها العملية الجراحية .

  كنت أسأل نفسى عن السبب الذى يدفع مسعد كى يعشق جنية مهما بلغت من جمال ، لكنه أمامى الآن وقد كشف عن ساقه السليمة ، وكانت اليسرى ليضع فيها فردة الحذاء ، وقد اختارها سوداء ومن جلد اللميع الذى لايطلبه غير الموسرين وأصحاب المزاج العالى  .

تحرك متجها نحو المرآة ، وهو ينظر بإعجاب نحو الحذاء الجديد . أشار لى أن أحضر الفردة الأخرى ،فجئت باليمنى  . تراجع قليلا حتى استقر على المقعد ، ورأيته يكشف عن الساق المصنوعة من قطعة خشب تشكلت على هيئة ساق حقيقية ، مال بجسده ، تناول الفردة ، فك الرباط ، وأدخلها فى هدوء ، تشاغلت بالنظر فى المرآة ، وملاغاة زبون أمام الفترينه ،  عندها أشار لى أن ألف الزوج ،  وسألنى : " أيه رأيك يا فلفل ؟" .

طرت من الفرح ، فلم أكن أدرك  أنه يعرفنى ، قلت له ، مثلما كان المعلم يقول  للمشترين  : " مبروك على الأرض " .

 سلمنى المبلغ كاملا ، ولم يساوم ، وزاد على ذلك أن أعطانى شلنا كاملا من المعدن ، وكان من الفضة الخالصة بصورة الملك فاروق الأول ملك مصر والسودان .

مال على عكازه ، التقطه بخفة ، تهيأ للمضى فى طريقه ، وقبل أن ينصرف ، دخل الحاج خليل ، رحب بالعم مسعود : " أهلا وسهلا . خطوة عزيزة يا رجل " .

لم يعره عم مسعود انتباها ، ولا مد له يدا ، فقط ، وضع عكازه تحت إبطه ، واستعد للانصراف ، ويده تعبث فى شعرى : " ولد ، فوق لنفسك " . صفر بفمه صفارة واهنة  لا تكاد تسمع ،  فرأيت الكلب الأسود يندفع نحو صاحبه ،  يتمسح فى جلبابه الصوف البنى ، ويتبعه نحو شارع البدرى .

كنت أتصنت ، وكأننى أسمع صوت القدم الخشبية تضرب بقوة وعزم درجات السلم ، ولم أستغرب بعد زيارته تلك أن تكون له زوجة من الجنيات ، لكننى استبعدت أن تقدم على تنفيذ وعيدها بإيذائه ؛ فقد كان ألطف من كثيرين  يدبون على الأرض  بقدمين !!

 

 .................................

 

* من مجموعة تحت الطبع بعنوان" صندل احمر" .

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

w w w .    A    r    a    b    i    c    S    t    o    r    y    . n e t

جميع الحقوق محفوظة لشبكة القصة العربية 2001-2007