[ أهلاً بالضيف الكريم ] 
للتسجيل
أنت الزائر رقم

إحصائيات الموقع

الدول المشاركة
عدد الكتَّاب
عدد النصوص
عدد الكتب
عدد التعليقات
عدد القراءات
عدد التوقيعات
عدد المشتركين
كتَّاب في الانتظار
نصوص في الانتظار
 
اللكلوك 
التاريخ:الثلاثاء 11 سبتمبر 2007  القراءات:(5373) قراءة  التعليقات:(34) تعليقاً  إهداء لصديق طباعة التعليقات أضف للمفضلة

  قصة ، من : سمير الفيل  

 

 

                                    اللكلوك

 

فى ظهيرة يوم قائظ دخل الرجل إلى المحل فى غاية القرف ، ومن خلفه زوجته الشابة ، تخفى دموعها ، وتمسح نحيبها على عتبة المكان قبل الدخول ، وفوق ذراعها طفل جميل ،  شبه نائم .

جلس الرجل معطيا ظهره للفترينة  ، بحيث صار مواجها للباب الجانبى المعلقة عليه الشباشب حمراء اللون ،  زفر زفرتينن ، وحاول أن يبدو كاظما لغيظ ليس بوسع أمثاله من الرجال ذى الدم الحار أن يكظموه .

أما هى المرأة ،  بنت الناس ،  فحسبها أنها تمضغ حزنها ، وتبكى فى صمت ، لايعلو صوتها بمقدار همسة ، ولا تبدى امتعاضا لهذا الرجل الذى يجر شكلها ، ويشعرها فى كل وقت أنه أفضل منها مئات المرات .

دخلت وراءه ،  أسندت الطفل على ركبتيها ،  جالت بناظريها فى المحل ، تأكدت من عدم وجود رجال ، أخرجت ثديها ، ألقمته الطفل ، ومالبث صوتها أن تناهى إلىّ فى الركن الذى انكمشت فيه ريثما أكتشف غرضهم فى الدخول ، وهو زجرنى بنظرة وضع فيها كل قرفه ، وسألنى أن أحرك علبة التروس للمظلة خارج المحل  ، كى أحجب زوجته عن المارة ، وقد نفذت طلبه على غير إرادة الحاج خليل الذى شدد علىّ أكثر من مرة بضرورة رفع المظلة فور تحرك الشمس للفترينة الأمامية .

فى عتمة ركنى الصغير بالمحل تناهى إلى سمعى صوت الآذان من المسجد القريب ،  وجدتها المرأة فرصة : " ربنا أعلم بحالى ، يحاسب  المفترى والظالم " .

دارت عيناه فى محجريهما ، و أشار بيده ، أن تكتم نفسها وتصمت ،  لكنها أخرجت حلمة ثديها من فم الطفل ، ودفعت الصغير نحوه : " خد . مش ده ابنك برضه " .

بكى الطفل ، وفوجىء الرجل  به بين ذراعيه ، فحمله وراح يهدهده ، والصغير يواصل البكاء فى حرقة .

سألتنى المرأة ، وهى لاتخفى دموعها المنحدرة على وجنتيها : " كباية ميه ،وحياة والدك " .

رمقت المرأة الشابة بتفهم ، وأردت أن أخفف عنها : " أجيب لك سكر وليمون أحسن؟ " .

هزت رأسها مستحسنة: "بسرعة وحياتك " .

كان الولد جلال صبى القهوجى  يمر مصادفة بالصوانى من أمام باب المحل طلبت منه الليمون ، وضحكت فى وجهها : " ثانية واحدة " .

بدا الرجل فى مأزق حقيقى لأن الطفل يبكى ، والمرأة تعدل طوق فستانها ، وتقفل الأزرار ، وهى غير مستعدة لاستلام الطفل ثانية ، وكنت أعرف أن الحاج لو دخل ورأى المنظر سيتسلمنى بالسخرية ، والتعنيف ، فملت على المرأة الأقرب إلىّ : " طلباتك يا ست ؟ " .

تطلعت إلى زوجها ، وتحسس جيبه ، كان يحاول استيعاب المشكلة ، حاول الابتسام بصعوبة طلع صوته : " ثانية واحدة ، إحنا مش هنطير " .

بهدوء وضع الطفل على ركبتيها ، فلم تتحرك ، وبادرها بكلام مختلف : " حقك على ، وممكن كمان أبوس راسك " .

زامت كالنمرة ، وصرخت فيه :" اصل اللى بتعمله ده مايرضيش حد . واحدة للغسيل والتنضيف والطبخ ،  والتانية للملاعبة والمناهدة " .

تأملته محرجا ، ورجانى بنظرة معاتبة أن أترك المحل للحظة ، أو تصورت ذلك : " وحياة ابننا ده مالى علاقة بواحدة تانية " .

هاجمته بعنف ، وكنتُ قد أخرجت مقعدا ، وجلست بجوار الفترينة : " والبنت أم شعر أصفر ؟" .

وصل صوته مستعطفا : " دى زبونة بتصلح عربيتها عندى ".

استفسرت فى حدة : " وجاية لوحدها ليه .. ماترد ؟ " .

ترقبت الموقف ، وأردت أن أعرف كيف سيخرج من الحفرة : " أصلها مطلقة !" .

قلت فى عقلى : " يخرب بيتك . جيت تكحلها عميتها ".

هبشته بأظافرها : " أنت لاتعرف سوى الأرامل والمطلقات. مش كده ؟"

ثم هبدته فى صدره ، والولد تدحرج على الأرض ، فسارعتُ بحمله ، وكان يصرخ من شدة الألم ،  درت به على الرصيف ،رد بخشونة : " يعنى أعمل  كشف هيئة على كل زبون أو زبونة ؟"

دخلت بالصغير، وأنا أرقب الموقف من جديد .  كان  الرجل فى موقف لا  يحسد عليه ،  أضاف  : " ولو كانت أم شعر اصفر زعلتك بلاش منها " .

لانت المرأة قليلا ، وزحفت الشمس على المساحة العارية من المحل :" بيتك أهم من اللف والدوران يا أسطى  محمود !" .

أخيرا نطقت باسمه، وهو أراد أن يستوعب الموقف مرة واحدة ،  فمسح بيده على شعرها ، وكان على هيئة ذيل حصان معقوص ، ربت على كتفيها : " سامحينى ، أنا غلطت " .

دخل جلال بالصينية ، ووضعها على المكتب ، بجوار جريدة " الأهرام " المطوية على صفحة الحوادث  ، عادت إلى طبيعتها ،إذ  قالت بصوت رقيق :" خذ إشرب الليمون ، وسيب لى شوية " .

مد يده بالكوب ،  مسح دموعها التى تركت خيطا من الكحل أسفل جفنيها : " إنت الى طلبتيه ، إشربى و روقى دمك " .

لو دخل الحاج خليل  فى هذه اللحظة سيوبخنى بعد خروجهما :" سيادتك عاملها شئون اجتماعية ؟!".

كأننى أنهى الموقف ، وضعت الطفل بين ذراعى أمه ،  وهى قبلته فى خده ، وهدهدته . قال الأسطى لطفله : " إنجغه "، فضحك الطفل.   وجدتها فرصة لاتتكرر كى أحسم الموقف : " شرفتم المحل ،  أهلا بيكم " .

 لكن المرأة الشابة تطلعت إلى ّ بدون نحيب أو دموع هذه المرة،وبلهجة آمرة وحانية :"  هات للولد حاجة تدفى رجله ؟" .

قلت لها ضاحكا :  " مفيش إلا اللكلوك " .

وفعلا ، جئت بعدة " لكاليك " مختلفة الألوان والأشكال ، مددت يدى للأم ، فنظرت نحو زوجها باستعطاف ودلال :  "أيه رأيك..  هو اللى يختار ؟ "

أشارت بكفها المنقوش بالحنة نحوى ، وكانت تقاوم فرحتها بعودة الصفاء مع زوجها الذى لقنته درسا لن ينساه بسهولة .

هز الميكانيكى محمود رأسه ، بحركة تؤكد  لها أنه مغلوب على أمره : " طبعا .. طبعا " .

 تأملت يديه وعليهما أثر الشحم،  بنبرة هادئة  " مفيش مانع على الإطلاق " .

 تأملت اللكاليك ، وكأننى أراها لأول مرة ، سألت نفسى : " لو أنت رضيع صغير ،ماذا كنت تختار ؟ " .

مددت يدى بلكلوك يجمع بين الأحمر والأصفر ، قدمته للأم ، لم تمهلنى لحظة  إذ وضعت الحذاء القماش فى القدم الصغيرة الرقيقة .

هز الطفل قدمه مستثقلا إياها ، ورفس الهواء بقوة ، فمال الرجل مكررا : " إنجغه " .

 دفع الثمن ، وحاسب على الليمون ثم طلب منى أن أزوره فى دكانه ليقدم لى حاجة حلوة ، وقبل أن أحصل منه على العنوان ،  مال على زوجته ،  وقبلها فوق خدها قبلة امتنان ،  وخرجا لايلويان على شىء .

استراحت نفسى فقد ذهبوا  قبل أن يطب الحاج ، ويصرخ فى وجهى ، لكن فى كل مرة لاتسلم الجرة ، لأنه وصل ، ورأى  كوب الليمون، وقد صنع دائرة على المكتب وقف عليها الذباب .

 

 

.........................................................

 

* من مجموعة قصصية تحت الطبع بعنوان " صندل أحمر " .

 

 

 

w w w .    A    r    a    b    i    c    S    t    o    r    y    . n e t

جميع الحقوق محفوظة لشبكة القصة العربية 2001-2007