[ أهلاً بالضيف الكريم ] 
للتسجيل
أنت الزائر رقم

إحصائيات الموقع

الدول المشاركة
عدد الكتَّاب
عدد النصوص
عدد الكتب
عدد التعليقات
عدد القراءات
عدد التوقيعات
عدد المشتركين
كتَّاب في الانتظار
نصوص في الانتظار
 
بقايا ذاكرة 
التاريخ:  القراءات:(7039) قراءة  التعليقات:(8) تعليقات  إهداء لصديق طباعة التعليقات أضف للمفضلة

  قصة ، من : فهد الخليوي  
من بعيد تغفو القرية في جزء ضئيل من الصحراء ، تلوح كنجمة تلاشى ومضها في متاهة الفضاء.

غمره شعور ممزوج بهاجس الوحدة وغموض المجهول وهويجوب الصحراء للوصول إلى تلك القرية.

يتكيف المرء مع وحدته ، ويتخلص في وهاد الصحراء من ضجيج المدن ، يتحد مع رموز لانهائية.

الاتساع ، والفراغ ، الرمال الناعمة الحارقة بصهدها ، والجبال البكماء البعيدة ، أزيز الرياح ، وشجيرات الشوك الداكنة التي تدمي شرايين الأقدام.

كل هذه العناصرالتي شكلت طبيعة الصحراء ، وصاغت لغزها الغامض ، شعر أنها تتحاور في تناغم مطلق ونبض أبدي.

الطريق الإسفلتي الضيق يخترق خاصرة الصحراء ، يتلوى كخيوط سحابة سوداء.

يحتشد السراب الأبيض في قلب المسافة وتنتشر اللوحات الإرشادية بزرقتها الباهتة على جانبي الطريق وهي تشير إلى قرى صغيرة بعضها تحول إلى حظائر مهجورة.

سأله صديق طفولته:

- قدومك من الرياض أم من جده.

- من جدة!

ذهب في ريعان شبابه من هذه القرية الوادعة ، إلى تلك المدينة الراقصة علي أوتار موجها ، وشجن ليلها الممتد إلى تراتيل الفجر.

لم يكن يعرف أحدا هناك ، كان صديقه الحميم هو البحر، ثم تزوج أنثى جميلة من أسرة هندية ، وحصل على وظيفة متواضعة

واستأجر منزلا صغيرا ، وأنجب العديد من الأطفال.

معظم الذين هاجروا إلى المدن هم كذلك ، غالبيتهم من صغار الموظفين الذين يعملون لدى الحكومة ، وقد اكتسبوا المرونة وميزة التسامح في سلوكهم كما تقضي طبيعة المدن.

قليلون من تشبثوا في طبيعتهم القروية ، وظلوا طوال حياتهم في قراهم حتي دفنوا في مقابرها.

في ذهنه تظل القرية صغيرة ، سلسلة من القيود المبررة اجتماعيا وكأنها علبة مغلقة ، يشعر أن المدينة سماء واسعة مزدحمة بكل الأجناس والألوان والأضواء ، تكتل بشري منسجما في وحدته الإنسانية.

ذهب إلى البحر صديقه القديم ، وملهمه لكتابة قصيدة ظلت زمنا تختلج في متاهة وجدانه ، كان الوقت يقترب من الغروب والشمس تلامس زرقة البحر ، وتكلل الأمواج الصاخبة بأصيلها الذهبي.

قوارب الصيادين ، تذهب وتجئ محملة بما يسد الرمق ، والسفن الضخمة تمخر عباب البحر في رحلة طويلة إلى مدن مشرقة.

كانت المدينة ، تمتد كشريط من اللؤلؤ بمحاذاة الشاطئ ، تفصلها قليلا عن البحر تربة (سبخية) رخوة ، وبعض البحيرات الصغيرة المبعثرة.

سكان المدينة كانوا في زمن مضى ، يشاهدون البحر مباشرة من منازلهم ، قبل أن يحاط الشاطئ القريب من مدينتهم بسور من الأبنية الإسمنتية ، ويحجب عنهم رؤية البحر.

انتشرت ظاهرة الأبنية ، حديثة الإنشاء على طول الشاطئ ولجأ سكان المدينة ، بعد تفشي هذه الظاهرة لقطع مسافات طويلة بحثا عن شاطئ مفتوح.

ظل في تلك الليلة شارد الذهن قلقا ، تكسو ملامح وجهه غيمة من الحزن وهو يبحث في بقايا ذاكرته ، عن مدينة حضنت بدفء حنانها بداية صباه ، وطراوة أحلامه.

w w w .    A    r    a    b    i    c    S    t    o    r    y    . n e t

جميع الحقوق محفوظة لشبكة القصة العربية 2001-2007