[ أهلاً بالضيف الكريم ] 
للتسجيل
أنت الزائر رقم

إحصائيات الموقع

الدول المشاركة
عدد الكتَّاب
عدد النصوص
عدد الكتب
عدد التعليقات
عدد القراءات
عدد التوقيعات
عدد المشتركين
كتَّاب في الانتظار
نصوص في الانتظار
 
صندل أحمر 
التاريخ:  القراءات:(5241) قراءة  التعليقات:(18) تعليقاً  إهداء لصديق طباعة التعليقات أضف للمفضلة

  قصة ، من : سمير الفيل  


صندل أحمر



جئن تسبقهن ضحكاتهن الرائقة ، كن كفراشات ملونة ينطق رؤياها بالبهجة ، والرشاقة . كان الحاج خليل قد سافر فى قطار السابعة لإحضار شحنة أحذية حريمى من القاهرة ، أما الرجالى فهنا البضاعة على قفا من يشيل، وعلى النوتة ، أما الدفع فكل خميس ، وبطلوع الروح .


ثلاث بنات ، وقفن أمام الفترينة الصغرى، على الناصية الشرقية للمحل ، يتفجرن رقة وأنوثة ، كل واحدة لها لون وطعم وشكل ، يلقين نظرة متعجلة على العينات المعروضة فى تنسيق جميل .


وقفت أتأملهن ، وأنا فرح بملابسهن المزركشة الجميلة ، كن من حى آخر ، فأنا لا أعرفهن ، لكنهن أغلب الظن من بنات ثانوى ، عرفت ذلك من نظراتهن الحالمة ، وصدورهن الناهدة ، وتلفتهن المثير خلفهن من لحظة لأخرى .


مرت عربة الرش ، فأصابهن شيئا من رشاش الماء النظيف ، ارتفعت صرخاتهن المحذرة التى لم يسمعها أحد سواى .


قالت الفتاة الاولى وكانت تعقص شعرها الأصفر الناعم خلف رأسها : " يالله بنا نتفرج جوه " .


ردت الثانية ، وهى تحكم إيشاربا ورديا حول العنق بدلال أخاذ : " استنى لحظة من فضلكن نتفرج على مهلنا " .


جالت الثالثة ببصرها على امتداد الشارع ، وكأنها تبحث عن شىء ضائع ، وقبل أن تعبر سيارة نصف نقل بأطقم السفرة المكدسة ، تنهدت : " مفيش فايدة ..يظهر إنه مشى . يالله ندخل يابنات " .


كانت بشعر شديد السواد ، مجعد ، لكنها تملك نظرة ساحرة حملتها كل ما تشعر به من توتروإحباط .


جلسن على مقاعد متجاورة، قالت ذات الشعر المجعد ، والبلوزة الزهرى : " عايزة أحدث موديل " .


قلت لها وأنا أحرك السلم تجاه الواجهة الحريمى " " أى لون ؟ " .


قالت بعد هنيهة ، ربما كانت تفكر فيها : " أى لون فاتح : لبنى ، بمبى ، سماوى " .


صعدت ، ونزلت وبيسراي ثلاث علب ، تسندها ذقنى من أعلى كما هو الأصول مع أصحاب الحرفة . فتحت العلبة الأولى ، فهزت يدها ممتعضة ، مع الثانية تجاوبت ، وحركت الفردة بعيدا ، ثم قربتها ، لم تسترح للشكل فتركتها .لم تكن الثالثة أسعد حظا ، فبرغم أنها قاستها ، وتحركت بها على السجادة الشمواة ، فقد خلعتها بسرعة ، وهى تؤكد لى أنها ستشترى ، لكن لابد أن تقتنع بالحذاء .


مر شاب بالمحل ،وكانت له قـُـصة أخفت جانبا من جبينه ، كما انسدل الشعر الناعم المهفهف على جانبى الأذنين . رأيته يعود ثم يتسمر أمام الفترينة الرجالى .


ضحكت الأولى ، وسمعتها تهمس : " صاحبك وصل !".


فى تلك اللحظة رأيته يفك الزرار الأول من قميصه ، ويحرك السلسلة الفضية بحرف "s " ، ثم راح يقزقز اللب ، ويرمى به على الرصيف النظيف .


خرجت ألومه : " لو سمحت بلاش قزقزة اللب هنا " .


شعر بالحرج ، ورفع يده معتذرا ، سألنى قبل أن أدخل ثانية : " الجــــوز ده بكام ؟ " .


كنت أعرف من خلال خبرتى أن من يسأل عن السعر قبل الدخول عادة لايشترى ؛ فقلت له كى أريح نفسى : " الجوز متباع !".


دخلت تاركا إياه يتصبب عرقا فيما قالت الثانية ، وهى تغمز بعينها : " أهو.. أخرجى كلميه " .


كانت الثالثة هى المقصودة بهذه العبارة ، ولكنها بدت فرحة بحضور الشاب الوسيم دون أن تتخطى هذا الحاجز الذى رأيتها تنصبه بمهارة .أما الشاب نفسه فقد أغاظنى بحزامه العريض المدشن بكبسولات حديدية لامعة كانت تعكس ضوء الشمس على الجدار خلفنا .


لم أتململ ، وأدركت أنه لابيع سيتم ولا شراء ، حينها تفتق ذهنى عن حيلة ماكرة ، قلت ، وأنا اسحب العلب الكرتونية من أمامهن ، كأننى أنوى طردهن : " مع السلامة . طلبكن ليس عندى ".


كنت كمن مس كرامتهن ، قالت ذات الشعر المجعد ، وكأنها تطرد أشباحا خفية :" أبدا سنشترى " . ثم خرجت إلى الرصيف ، وكأن عينيها وقعت مصادفة على الشاب، خطفت جملة على عجالة : " مساء الخير " .


رغم التحية العابرة ، فقد تجاهلته تماما طيلة الوقت التالى ، وأشارت لى بيدها : " هات لى الصندل الأحمر اللى هناك ؟"


لم يكن هناك أى صندل أحمر ، فالرفوف مشغولة بألوان أخرى . فهل تريد خداعى؟ قلت لها بنفاذ صبر : " مفيش صندل أحمر !" .


اتجهت إلى زميلتها ذات الإيشارب ، وسألتها : " أيه رأيك فى الصندل اللى هناك فى آخر رف ؟ " .


شهقت مستحسنة ذوقها : " فى منتهى الجمال ، ويليق على فستانك الجديد ".


تأكدت أننى أمام بنات فقدن حاسة التمييز بين الألوان . كنت أعرف مسميات الأحمر عند النسوة : فهذا دم غزال ، والثانى طرابيشى ، الثالث نبيتى ، والرابع احمر زهرى ، الخامس طوبى ، وهات ما شئت من ملل ونحل و أوصاف للأحمر الجميل الملعلع الذى تفضله البنات قبل الزواج وبعده لأسبا ب لا أعرفها .


كان على أن أتحلى بالصبر، فالحاج خليل فور وصوله من السفر بالسلامة ، سيمسك كشف الحساب ليفليه ، ويسألنى عن سبب نقص الإيراد عن معدله ، وسيتهمنى بأننى خرجت ألعب ، او أغلقت المحل مبكرا قبل الثانية عشر ليلا ، ولن يفكر فى خراب ذمتى لا لأنه يثق فيها، فهو لايثق فى حمادة ابنه من لحمه ودمه ، بل لأنه يقوم بعمل جرد أسبوعى حتى الساعات الأولى من كل جمعة ، والويل كل الويل لونقص حساب زوج واحد من البضاعة.


دخلت بسرعة، صعدت بعد أن تيقنت أنها تريد صندلا بعينه حددته بسباباتها ، أما الألوان فلا تهمنى .


وضعته بين يديها ، بدت فرحة ، وقد أدخلته قدمها اليمنى بعد أ ن خلعت الحذاء القديم . ظهرت أصابعها الرفيعة بطلاء المونكير الأحمر الفاقع ، رمت بنظرها إلى حيث يقف الشاب ، سألته بنظرة ممتنة : " حلو؟ ".


رد عليها بلغة صرت أفهمها جيدا منذ تركت مخزن الموبليات ، ومحل التنجيد ، بعد أن خضت تجربة تنسيل آلاف الحبال من الكرينة ، بعشق : " حلو جدا ".


سألتنى أن ألفه ، وتحركت ذات الإيشارب الوردى ، وهزتها من كتفيها : " يالله اخلصى ،إحنا اتأخرنا " .


أما ذات الشعر الأصفر فقد شجعتها على شراء الصندل الذى كنت متأكدا من لونه الحقيقى ، وبعد مساومة بسيطة ، وكثير من الضحكات الملونة البريئة ، قدمت لها البضاعة . هزت رأسها ممتنة ، وقبل أن تنزل من على رصيف المحل التفتت إليه ، وهى تبتسم : " خلينا نشوفك . مع السلامة " .


عبارتان بهما صيغة الجمع رغم أنه وقف من أجلها ، وهى أيضا بدت حريصة على وجوده . فهمت منذ هذا اليوم معنى أن الكلام فى القلب أكثر فصاحة، وهى قد حذفت من كلامها أى شىء يجسد معنى الحب البرىء . تركته يتخبط فى عبارتها المحايدة ، فيما مضت مع زميلتيها محتضنة الصندل الجديد ، ومضت فى نهر الشارع الذى صار أكثر إشراقا ، وروعة بعد أن لوننه بضحكاتهن الوضاءة الخجولة .




............................................................




* من مجموعة قصصية تحت الطبع بعنوان " صندل أحمر " .

w w w .    A    r    a    b    i    c    S    t    o    r    y    . n e t

جميع الحقوق محفوظة لشبكة القصة العربية 2001-2007