[ أهلاً بالضيف الكريم ] 
للتسجيل
أنت الزائر رقم

إحصائيات الموقع

الدول المشاركة
عدد الكتَّاب
عدد النصوص
عدد الكتب
عدد التعليقات
عدد القراءات
عدد التوقيعات
عدد المشتركين
كتَّاب في الانتظار
نصوص في الانتظار
 
خيط السراجة 
التاريخ:  القراءات:(5193) قراءة  التعليقات:(33) تعليقاً  إهداء لصديق طباعة التعليقات أضف للمفضلة

  قصة ، من : سمير الفيل  

خيط السراجة



بقفطانه المقلم يجلس الأسطى " داحس " على شلتة من الجلد المحشو بقطن ناعم ، يتحسسها من آن لآخر ، ويضع فيها شقا ء اليوم من عملات فضية أما الجنيهات الكاملة ففى حافظته المرقطة ، فهى من جلد تمساح أصلى ، جاء بها ابنه من السودان .


اضبط الساعة على قدومه، يتنحنح من أول الشارع، ثم سعاله المتصاعد مع دعاء الاستغفار . فى دقائق يعتلى الدكة الخشبية العالية العالية ، وهى أعلى مقعد يمكن أن تراه فى حياتك ، وأكثره اتساعا ، ولاغرو ، فمهنته تستدعى ذلك وزيادة . يعلو صوت الشيخ رفعت ، فترى جسده يهتز مع نهاية السور ، يدس يده ليخرج حق النشوق من مخبئه ، يضع بعض المسحوق بين السبابة والإبهام ، ثم يطوح الرأس للخلف قليلا ، ويدس المسحوق الناعم الحريف فى أنفه . أنتظر عطسه المستمر مع انتفاضة جذعه ، بعدها يسكن جسده فى استرخاء تام ثم يبدأ عمله مع نداوة الصباح الأولى .


داحس له باع طويل فى حفظ أبيات من المعلقات الجاهلية ، فأبوه مدرس المعهد الدينى قد لقنه الكثير ، يضحك معجبا بما فعل : " لم أحتمل هؤلاء المخرفين . لقد هربت بجلدى " . لغته فصحى سليمة ، خالية من العيوب والهنات ، مثل مسلكه فى عمله ، فهو أحد الأقطاب ، وأخذ العهد منذ شبابه على يد أحد الشيوخ الواصلين ، وفى هذا الأمر لا يتكلم .


جاءنى اليوم عصرا ، يده تمرر حبات السبحة الكهرمان ، ومن خلفه بنت كفلقة القمر من شدة جمالها . جلس على مقعد الحاج ، أشار بيده أن تتبعه ، فالدار أمان، ولا غريب إلا الشيطان . سألنى ، وهو يقيس مسافة الظل التى تفترش الرصيف ، ويعلم بزحفها الوقت دون ساعة الجيب التى لا يخرجها إلا فى الشديد القوى .


ابتسم ، وهو يتفحصنى ، كأنه يعرفنى لأول مرة ، ويلمح فى عينى عكارة شقاوة اليوم كله ، محاولا اختراق فطنتى : " ولد يافلفل ، بسرعة حذاء حريمى ، 39 أسود مقفول ." .


قالها بصرامة ، ولم يترك لى فرصة لمناقشته . نظرت بطرف عينى لجمالها الأخاذ وددت أن أتسلل لما وراء بشرتها لأرى كل هذا الصفاء ، قلت لنفسى وقد ركبت رأسى : " والله لن أنوله غرضه ، كيف يجعلها تحاصر كل هذ ا الجمال فى ملاءة لف أحكمتها كالقيد حول جسمها ، ويزيد الأمر سوءا أن يكبل قدميها الصغيرتين ؟ " .


جذبت السلم ، صعدت أفكر : " هى ابنته بالتأكيد ، كيف يحبسها ، وبنات هذه الأيام يسرن فى الطرقات بوجوه مكشوفة وأثواب ملونة ؟ لم تعد ترتدى الملاءات إلا نسوة زمان من عمات وخالات ؟".


هبطت وقدمت له الحذاء حذرا ، كان لونه نبيتى فى غاية الأناقة ، وكل البنات يخترن هذا اللون فى لهفة ، ويختطفنه فور نزوله الأسواق ، حدجنى بنظرة فيها ضيق شديد : " قلت لك أسود .".


تذكرت ابنه الضابط الذى يقولون أنه قتل أسدا فى أحراش السودان ، وجاء بجلده ، وحشاه بالقش، وضعه فى الصالة ، تركه فاتحا فاه على اتساعه ، وقد حنط الجسد ، بعد أن غمره بالفورمالين : " ده آخر موضة ياشيخ داحس !".


كنت أشم رائحة المازوت من سيارة الرصف ، حيث يدور وابور الزلط فى الميدان ليبلطه : " فكرت عايز لون موضة " .


هز رأسه وخرج ليتفرج فى الفترينه ، أما هى فظلت صامتة تنظر نحوى فى عتاب ودود ، دخل وجلس ثانية . حثنى بإيماءة من رأسه أن أنهى الأمر بسرعة . كنت أصغر منها بكثير ، لكننى وقعت فى هوى ثوبها الجميل : كان من القطيفة الحمراء المشغولة بفلة صغيرة باللون الأبيض ، وبدا وجهها كأنه يتأرجح فوق بستان زهور : " أمرك يا أسطى داحس " .


فى اللحظة التى ارتقيت السلم من جديد دخل فتى المحل ومعه فتاة تقارب الأخرى فى سنها ، ألقيا السلام وجلسا ، واصلا حديثا ضاحكا كانا قد بدآه قبل الدخول . لعلعت ضحكت الفتاة فى المحل ، رمقت صلعة الشيخ داحس من أعلى كانت تلمع فى احمرار غريب ، بدا متأففا من المنظر : " بسرعة يا فلفل ، إنتهى . ورايـــــا شغل " .


كنت أعرف شغله ، والقفاطين الواسعة التى يخيطها على مهل ، أعرف كيف ألضم له الإبرة بأن أمررها فى ثقب صغير ، وأمرر الخيط بدقة بالغة ، فيزوم بعد أن انتهى : " تعالى . إشرب ماء بمزهر " .


كنت اعتذر لأن طعم الماء العادى ألذ ، ثم إن الشيوخ ، ونصفهم من العمى لا يشربون إلا ويلصقون الحافة بشفاههم الغليظة . كنت أكره هذا وأصمم على الاعتذار . لكن من تلك المرأة الجميلة ، ولماذا يخاف عليها إن كانت ابنته ؟


عدت بالحذاء الأسود المقفول حزينا كأننى ارتكبت جرما ، ودفعته لداحس ، الذى سمعته يأمرها : " لمى الملاية على جسمك ، وقيسى بسرعة !" .


كانت الفتاة الأخرى تضع رأسها بدلال على كتف الشاب ،ورأيت أصابعهما متشابكة ، قالت بصوت كالهديل : " حذاء برتقانى بفيونكة " .


قال الشيخ داحس ، وهو يتأمل الحذاء الأسود المقفول : " جامد ده يافلفل ؟ " . استعرت كلمات الحاج : " بس ربنا يديها طولة العمر وتدوبه " .


تركت الحذاء فى علبته ، ومددت يدى لأحضر الصندل البرتقانى بفيونكة ، رأيت الأخرى تنظر نحوه بإعجاب شديد ، شعرت أنها تريده ، ولمحت بريقا يوشك أن ينطفىء فى عينيها . كنت أشعر بحرمانها من شىء لم تطلبه . خرج داحس ، وأجل الدفع لحين يحضر الحاج خليل .


فى المساء ، كان الهم مازال يسكننى ، قلت له متضايقا : " الشيخ داحس اشترى النهاردة العصر حذاء أسود مقفول لابنته !" .


ربت على كتفى : " الشيخ داحس ما عندوش بنات . أكيد دى امراته الجديدة ".


بعد لحظة صمت ، رمانى بالسؤال : " حلوة وصغيرة يا فلفل ، ولا وحشة وكركوبة ؟ " .


لم أجد ردا على سؤاله ، تركت المحل ، وانطلقت إلى كورنيش النيل ، تأملت صفحة المياه الساكنة بحزن عميق .



........................................................................



* من مجموعة قصصية تحت الطبع بعنوان " صندل أحمر " .












w w w .    A    r    a    b    i    c    S    t    o    r    y    . n e t

جميع الحقوق محفوظة لشبكة القصة العربية 2001-2007