[ أهلاً بالضيف الكريم ] 
للتسجيل
أنت الزائر رقم

إحصائيات الموقع

الدول المشاركة
عدد الكتَّاب
عدد النصوص
عدد الكتب
عدد التعليقات
عدد القراءات
عدد التوقيعات
عدد المشتركين
كتَّاب في الانتظار
نصوص في الانتظار
 
رمــل رمـــــل
التاريخ:  القراءات:(7090) قراءة  التعليقات:(11) تعليقاً  إهداء لصديق طباعة التعليقات أضف للمفضلة

  قصة ، من : أمل الفاران  

" رش خفيف جلى وجه الرمل فأشرق ، سمرات البر تشبهني  أو أشبهها ؛ من مطر لمطر لا تغادر ، ولا تنحني ..  أنا سعيدة يا صديقي .. الرش يغسل روحي "

 

رسائلها القليلة حين تأتي تجلو روحي الصدئة ، أتلوها وابتسم .. بالأمس فقط غيرت اسمها في جوالي ( سميتها عشتار )

هل أجرب البر لعلي أعشقه كما يليق ببدوي ؟

تذكرت مكالماتنا القليلة الباردة ، وقررت أن يكون لدي ما أحكيه لها في اتصالي الآتي ..

 

أجمع صغاري ونركب ، تشجعهم نصف ابتسامة على وجهي فيغنون ، ويطلع لي وجهها في المرآة بينهم ، وأتفكر : منذ متى توقفت عن عد الأيام مذ صرت أمهم وأباهم ؟

على كتف الصحراء نقف ، ينسلون شطر الرمل ، وأحفهم بعيني ..

يجوسون  في المكان ويبرقشون وجهه العتيق بخطواتهم الحافية ، ثم يعودون  .

لغتي تضيق عما يناسب موقفاً استثنائياً كطلعة بر فأخفي وجهي في كيسي المتقشف .

أفرش سفرتي البلاستيكية وأفتح علبي القليلة وأوزع الخبز وأوامري .

يلتهم الأولاد فطورهم وأمضغ معه توجيهاتي ورملاً تسفي به ريح فتية إليّ .

مع قطعتي الأخيرة أتذكر أني نسيت الكرة ، وأفكر كم من الأعين في أعطاف هذا الرمل ستستفهم عن " الأجنبي* " وأطفاله الذين لا يعرفون من البر أكثر من فضاء أوسع للأكل .

أجمع ما بقي ويتبعثر الصغار من جديد ، وأتذكرها أخرى ( أمهم ) ، وأسألني : منذ متى بهتت صورتها ؟ منذ متى استبدلت كرهها بحقدي لأنها خلتني معهم ؟

 

لو كان لأفكاري صوت وسمعتني أمي لاستغفرت ثم قالت : " مقدر ومكتوب " ولربما بعد قليل - حين تتذكر كم صارت الكلمة تؤلمني -  ستقترف ست أوسبع جمل قبل أن تجد موضوعاً يحمي صوتي من أن ينزلق في البؤس .

ومتقمصاً لسان أمي أصرفني لغير الراحلة ، وأستحضر عشتار امرأة أشكلها كل يوم ، ويلهيني جمال روحها وصوتها عن أرسم تفاصيل جسدها الذي لا يقربه لسانه ولو بفلتة ، أتمناها ، لو أستطيع أن أكتب لها الآن !

ماذا أقول لها ؟!

الناس لا يفهمون الحقيقة حين أقدمها بلا ملابس ، ولا يفهمونني فيبتعدون وأتألم ..

أنادي صغاري ، يلتمون وعيونهم على شفتي وأحكي :

هي عادة قديمة لأجدادكم وسنحييها اليوم

إذا ضاقت صدور أجدادكم أتدرون ما يفعلون ؟

- يغنون  . قالت الوسطى

ضحكت : صحيح ، ولكن إذا ضاق صدر أحدهم جداً راح للبر ، يحفر حفرة صغيرة ، يحكي فيها ما يوجعه ويدفنه ، والآن سنفعل مثلهم .

قال أنضرهم : لا يوجد ما يضايقني ؟

قلت : احفر حفرة وضع فيها أمانيك ..

أردت أن أكمل : ولا تدفنها حتى لا تكون فأل سوء ، لكنهم كانوا قد انتشروا .

بقيت الكبرى ، قالت : سأحفر اثنتين يا أبي ، واحدة لما يقهرني ، والثانية لما أريده .

أومأت مباركاً وراحت .

 

انتحيت بحدبة قريبة أنبش جذرها ، وأحفر ويتهايل ما حوله دافنا ما أحفر .

أقيم كفي الأيمن كتفاً أعلى للحفرة تحمي سافلها من عاليها ، وحكيت : " صدري يوجعني ، راحت لا أسعدتني بوجودها ولا رحيلها أراحني ، هم يحتاجونني وأنا تعب ، يدي باردة ، وقلبي فاضي .. قلبي يوجعني يا رب "

رفعت كفي فغمرت الحبات المستديرة الشفافة نصف الحفرة ، ومسحت وجهها بكفي مساوية باقيه .

عن يساري حفرت أخرى أصغر ، ثم صرت أقبض على الرمل وأذروه فيها ومع كل قبضة أمنية .

صغاري الذين فرقتهم الحفر يجمعهم اللعب الآن ..

أوسد رأسي الرمل وأعلق عيني على السماء ، زرقتها تبهت بالاعتياد ..وأتذكر أنا أن دفن الأوجاع طقس مؤنث ، وأتساءل : هل تغلغلت فيّ أمومتي الحادثة لذا الحد ؟

 

نركب مغادرين وبعض الطبول تقرع قرعاً أولياً هنا وهناك ، أكتب لعشتار : " الدواسر كائنات من طرب " 

حين أدير وجه السيارة أنظر للمكان ، فيبدو لي تكتمه مهيباً ، أوجاعنا لم تغير في سحنته شيئاً ..

 

أحسد الأرض ، وأنشد وصغاري يرددون .

 

 

 

 

 

 

 

 

 


* في ديرتي كل من هو من خارجها أجنبي .

w w w .    A    r    a    b    i    c    S    t    o    r    y    . n e t

جميع الحقوق محفوظة لشبكة القصة العربية 2001-2007