[ أهلاً بالضيف الكريم ] 
للتسجيل
أنت الزائر رقم

إحصائيات الموقع

الدول المشاركة
عدد الكتَّاب
عدد النصوص
عدد الكتب
عدد التعليقات
عدد القراءات
عدد التوقيعات
عدد المشتركين
كتَّاب في الانتظار
نصوص في الانتظار
 
شارع محبوب 
التاريخ:  القراءات:(7441) قراءة  التعليقات:(1) تعليق واحد  إهداء لصديق طباعة التعليقات أضف للمفضلة

  قصة ، من : ظافر الجبيري  

               

شارع محبوب

   أعبر الشارع الطويل في بلدتي صباحاً ، الوحيد الذي يستحق أن يحمل صفة شارع ..الوحيد الذي يجتمع فيه العمال المياومون بحثاً عن دفء الصباح ..ودفء نقود الزبائن .. ودفء الفطور يحملونه في اتجاهات شتى ..عمال تدفعهم المَنْشِيّةُ حيث البقالات الصغيرة ..حيث مساكنهم المزدحمة بعَطَنهم وروائح الأسمنت معجونة بزهومة أجسادٍ قذفتها قارة بعيدة إلى بلدتي .

   تقذف  به المنشية نحو الشارع الرئيسي ،الذي  لا توجد إشارات ضوئية إلا به ..يقف كل صباح قريباً من الإشارة ..

يبتسم  متشجِّعاً بنظري المتواصل نحوه ، تطمئنه يدي المرفوعة على الاقتراب ..يكرر الابتسامة والتحية في اليوم التالي..صرت عادة يراها كل صباح..صرتُ شيئاً يراه عند الإشارة ..في يوم تالٍ لليوم التالي ، يرفع يده بالتحية ..لا يبتسم حتى يرى يدي ترتفع ترد تحيته..

  الإشارة الضوئية تصطادني كل صباح، توقف اندفاعي للحاق بالعمل البئيس الذي يتكرر كل يوم .

..أصِلُ مفترق الطريق لأجد الطريق تؤدي إليه..يقف بانتظاري رافعاً يده على وقع قهرٍ يرسله اللون الأحمر نحو عيني وراء مقود السيارة ..تصطادني الإشارة بطُعْم الأصفر،ليتمكن مني أحمرُها المُخاتل ،كأنما أدور يومي وليلي دورة كاملة لأعود إليه في الصباح الذي صار مكاناً يراني فيه .

  "ربما يعرفني" ،قلت،ربما يشبّه عليّ ،أأنا من يريد ؟ بعض النقود قد تحل مشكلة  النظرات ليرحل صاحبها بعيداً عني..ما الذي يتواطأ معه ليجدني أمامه كل صباح :الإشارة الحمراء ،المكان ،الزمان،تشابه وجهي مع وجه آخر يعرفه ؟

  وجهه الأسمر،قامته القصيرة لا تميزه عن غيره كثيراً ،فقط ابتسامة غبية متمكنة من وجهه ،وكأنها جزء دائم من ملامح حلت بالمكان ،يفشل في إخفائها  إيشارب متهالك يلفٌّه حول رقبته وأذنيه .

   أحضر يده ككل مرة ،رفعها لي ..وفتحتُ الزجاج ذات شروق، فزاد على التحية" شكراً عمي !"  تشكرني على ماذا؟أنا الذي سأشكرك لو أرحتني من رؤيتك اليومية .

  ألا تكفيني الإشارة الحمراء المدلّاة من ماسورة محدودبة الظهر ؟ليتك ماذا لو كنت معلَّقاً عليها لتوزع تحاياك على الكل ؟

العامل بلا مهنة سوى تحيتي ، في سوق العمال ..في انخطاف العابرين وراء نوافذ سياراتهم ،يوقع حضوره على وجهي رافعا يده بتحية مسترجية ،وكأنما يخافُ ردَّ التحية ، يخاف أن أشيح بوجهي متجاهلاً تحيته التي أعدها لحضوري كل صباح ، وهذا ما حدث ،"لن أنظر  نحوه اليوم"  قلت:" أنظرُ بعيداً ، اليوم الأربعاء  ، سأرتاح  ثلاثة أيام في هذا الأسبوع " نظرتُ يساراً صفّرت  بنشوة من سيودِّع  هماًّ سينزاح عن كاهله .

   فجأة  أطلَّ من الجهة المقابلة للشارع :كان يعبر بحذر بين السيارات ، يحييني بيده مصحوباً بابتسامته البلهاء ، تلقى مزاجي أولى الطعنات اليوم ، تليها الإشارة الحمراء ودوام كريه ،سيوقع هو حضوره اليومي في المكان على صفحة وجهي عند الإشارة الوسطى لبلدتي الصغيرة ؛يقذف كعادته بابتسامة الاستجداء نحوي.  

  العامل باليومية أو ربما صاحب مهنة مجهولة ،صاحب اليد المرفوعة بالتحية ، لم أره يوماً يحمل رفشاً أو حبلاً، لكنه يصطحب  أدوات عمله اليومية : ابتسامتَه ويدَه المرفوعةَ نحوي بإلحاحٍ لأقبل هذه الهدية الصباحية ،احترت أين أضع هذه الجرعة  اليومية : في خانة الإكراه أم الإلحاح أم الاعتياد أم  أنها تستحق أن تكون في فضاء أوجده هو باقتدار  ليردم هوة المسافة بين واقف على رصيف وجالس وراء مقود ،سينطلق بعد قليل إلى عالمه .. ليعود بهما  الغد ، يضعهما اليوم التالي وجها لوجه !

     أفكر في التخلص من جرعة الصباح هذه ،أيام متتالية أكرر التساؤل : ألا يمل من رفع يده ..من وقوفه ؟يوم.. يومان  ،أسبوعان ثلاثة أشهر طوال..استنفد وجهه ابتسامتي  بعدما تضاءلت شيئاً فشيئاً مع الصباحات المتتالية.

   مع الوقت افترش العبوسُ وجهي ..في عام تالٍ قصُرت يدي التي أرفعها للرد على تحيته فلا تكاد تجاوز كتفي الأيمن..اليد الأخرى ظلت على حالها .. لم يفطن لها وإلا لتغير حالها! .

نظراته تحمل امتناناً عميقاً لحضوري كل مرة .. يشكرني بصمت .. صار توقفي عند الإشارة وفاءً خفياً لنظراته ..أبحث عن اللون الأحمر ..أتأخر في اجتياز التقاطع ،أعاند الخضراء.. أتحمل لعنات السائقين الآخرين وبذاءاتهم ..فقط لأراه ..لأرد تحيته التي تؤكد لي دخول يوم جديد في مدينة أشاركها الموات ، أتأكد من عمل الإشارة بجدارة عندما يشير بيده محيياً شاكراً ..مبتسماً .

    زدت جرأته ذات صباح.. فتحت له نافذة الزجاج متسائلاً "أين رأيتك"؟ لم يقل عملتُ عندك .. مرت عليّ وجوه وأسماء، عرفتُ أيدٍ عاملةً كثيرةً ،لم يكن وجهاً مألوفاً أو يداً عملتْ عندي ..لم يكن جيباً حمل نقوداً نظير عمل قام به ..لم يواجهني بإحراج ذاكرة مثقوبة كما يفعل غيره ممن نسيت أسماءهم .يعمل باختصار عند الإشارة - التقاطع  ،ما زال يأخذ كل صباح مقابل حضوره من وجهي ، وجهي الذي غادرتْه ابتساماتُهُ .. وخفّتْ بهجتُه وما زال يصرُّ على تحيتي كل صباح .

ـ "من أنت ؟" سألته ذات جرعة همّ صباحي .

ـ "أنا محبوب " !  آه، أسندت ظهري إلى مقعد السيارة أكثر..،وقلت لنفسي أو ليسمع : واضحْ محبوب ، واضح جداً.

وسمعت أبواقاً حادة ..وشتائم لم يعد يعرفني أصحابها لو تأملوا وجهي الذي غادرني .. وجهي الذي أكله الوقوف والتحية . وضاع كفي وذراعي في تحايا الشتاء والصيف .. تحايا رحلة لا تغادر مكانها ، "ليته عمل عندي "،قلت لصمتي في اليوم الذي  سبقتْه  ثم أعقبته أيام ، "وبأي أجر  ،ومعه إكرامية  تبعده قليلاً أو تُنسيه ما هو عليه.

 يقف في الشارع الوحيد الممتد، يعمل عند الإشارة على تفحُّص وجهي كل صباح ..لا طريقَ إلا هذه الطريق في هذه البلدة ..

  العامل الوحيد ، يتفحصني كشخص وحيد يمرُّ به ..يواصل الابتسام بفم مبقَّع بطعام غريب لوّنَ أسنانَه وشفتيه بابتسامة حمراء قُدّتْ من إصرار  متأسّن..وسألته ذات ثلاثاء:

"من أنت؟"

-"أنا الذي رأيتك بالأمس ."

هربت بما بقي من وجه متضائل ،وابتسامة غادرت دمي منذ زمن سحيق ،دفعت بالسيارة بعيداً ، ولا شيء إلا الأمام المكرر المتناسل من الأمس.

   ذات صباح أردته جميلا، عرضت عليه أنْ أوصله إلى مكان يريده إلى موقع عمله اليومي إن كان له من عمل غير تحيتي الصباحية،كنت في داخلي  أود أن آخذه مغمضَ العينين إلى مكان لا يعود منه كقط نريد  التخلص منه بوضعه، فنتركه في مكان لا يعرف للعودة طريقاً !

شكرني هذه المرة على سبب واضح، اعتذرَ بوجود عمل لديه..وسألت:

-"متى؟"

"-في صباح الغد"ردًّ بسرعةٍ وبثقةِ شخصٍ يعرف ماذا يريد!

-يا إلهي !! شغلُهُ الشاغلُ أنا،يخطط لرؤيتي عند الصباح التالي..لا يريد أن يخسر وجهي المتلاشي ، انصرف بعدما أعطى التحيةَ اليومَ  مكررةً مرتين أو ثلاثا..وسجل حضوره ومغادرته في دفتر دوام المكان.

لا سبيل إلى تغيير الطريق..إما أن أتقاعد من عملي:أو يرحل محبوب من هنا.ولكن من يضمن لي عندها استعادة وجهي؟من يخبرني عن مهنة محبوب هذا؟

أيمكن أن تعود لي،برحيله ابتسامتي ..؟ هل سأواصل طرق المكان بعبوري ، بوقوفي، بنظراتي ؟ ما شكل يدي عندما  تعود إلى كتفي ؟هل  ستعود سالمة غانمة؟!

  وسألته ذات أربعاء بعد تحية من يدي القصيرة ..وابتسامة مستحيلة استقرت في المسافة بيني وبينه..كنت في ذات اليوم لا أبحث عن جواب ربما،ربما أبحث عن ابتسامتي المعلقة بتحياته وابتساماته عند الإشارة كل صباح ..عن وجهي..عن شقائي وخلاصي:

"حسنا محبوب" ،سألته:"هل تعرفني؟"

على الفور رد بهزة رأس لها علاقة بالإيجاب هذه المرة.

-"أنا الذي رأيتك بالأمس وقبل أمس و..."

-"طيب،"غدا سيكون الخميس"

رد بيقين يحسد عليه:

-" أكيد لازم تجيء السبت! "

 

 

ظافر الجبيري

 

                                                     

                                                             11/2007       

w w w .    A    r    a    b    i    c    S    t    o    r    y    . n e t

جميع الحقوق محفوظة لشبكة القصة العربية 2001-2007