[ أهلاً بالضيف الكريم ] 
للتسجيل
أنت الزائر رقم

إحصائيات الموقع

الدول المشاركة
عدد الكتَّاب
عدد النصوص
عدد الكتب
عدد التعليقات
عدد القراءات
عدد التوقيعات
عدد المشتركين
كتَّاب في الانتظار
نصوص في الانتظار
 
أسود .. أبيض 
التاريخ:  القراءات:(5286) قراءة  التعليقات:(21) تعليقاً  إهداء لصديق طباعة التعليقات أضف للمفضلة

  قصة ، من : سمير الفيل  

 

 

أسود .. أبيض

 

 

- 1 -

أن تسير تحت الأفريز ، بمحاذاة الخط الفاصل بين الظل والنور . أن تحدق في البنات السائرات في نهر الشارع بعينين كسولتين . أن تخفي ما حك صدرك من هلاوس وظنون . أن تكتم سعال صدرك المسلول متعاليا فوق الآلام التي توشك أن تمزق رئتيك . ترفع كفك اليمنى لتمسح خيط العرق المالح الذي ينزلق تحت عدسة نظارتك الطبية السميكة .

ذلك معناه أنك في الوضع الآمن . فما الحياة إلا مهزلة ، وما كتاباتك بالقلم الرصاص الرفيع إلا بوح لن يراه غيرك.

 

- 2 -

تلك حقبتك ، وأنت الواحد المجنون بهذيانك المرير . هل قد قلبها من حجر صوان أم أنها حين بك وشت لخصمك كانت تتقي غدرك المتوقع ، تود أن تحطم خصومك ، ولا تمتلك سلطانا ولا نفوذا.

هل جاءت نوبة البطش أم أنها انبثاقات متفجرة صغيرة تخلصك من انشطار ذاتك المعذبة بيين الضمير المتيقظ وبين عقلك الذي ذهب ، وأنت أسير ذهبك ومرجانك وأحجارك الكريمة التي غطتك حتى الذقن ، فبانت حركتك مقيدة : يداك مغلولتان ، فبصرك اليوم حديد .

 

- 3 -

من دواعي هزيمتك أنها بطشت بك فيما كنت تعيش أيامك تحت شمس الخليج ، تجمع المال ، وترسله حوالات بريدية ، والورق الأخضر يروح إليها ، وما تفتأ تحدق في البؤبؤ ، ممعنة النظر لوجه الرجل المتجهم بشعره المستعار ، المصفوف في عناية في بلاد بعيدة.

 أنت بعيد ، وهي قريبة بل لصيقة القلب . تكفيك منها مكالمة ما بعد الساعة الحادية عشرة مساء . تسقط الريالات الفضية في الآلة ، وتستمع إلى لهاثها آتيا من أعماق الأرض ، تستزيدها أن تتكلم . لم تكن تعرف أيها المغدور أن اللغة خدعة ، وأنك لست المخدوع الأول ولن تكون الأخير طالما الأنثى غزالة اسكندراني . تلهو في مراعي خارج مضارب القبيلة.

 

- 4 -

للبيت رب يحميه ، وللسيدة ناظلة عشيق يغريها بالعين والحاجب . عرفت أنها لم تمسس مالك ، وما فرطت في جسدها ، لكنها منحت الروح راضية مرضية لهذا الشخص الضخم ذي الصوت المختنق ، الذي حول لها البحر طحينة ، وأغراها بمعسول الكلام أن اليوم خمر وغدا أمر .

 وبالضاد ضعضع سكينة فؤادك . اخترق غرفة نومك دون أن يدخلها ، وأمسك خصلة شعرها وألصقها بصدغه . لقد شق الجدار ، ورقق القلب البريء ، وما لبث أن حطم أحلامك فصرت أضحوكة كل حي يسكن ذلك الحي الذي حرمته على نفسك .

 

- 5 -

لم تكن خطيئتك ، ولا خطيئتها ، وأنت اليوم تتسلل إلى ركن المقهى لتتناول المبسم الشيشة وتضعه بين شفتيك ، فينعقد الدخان حلقات تعلو رأسك المنشغل بترتيبات العودة المظفرة فإذا بالدخان نفسه يتسلل إلى الرئتين المعطوبتين ، فما الدم الذي صبغ منديلك إلا التجلي الأكثر إرهاقا لموتك الذي تستعجله الآن .

 من قال لهم أن ينقذوك ؟؟  ، ويغسلوا  معدتك بالمحاليل ،  ويخلصوها  من السموم . السم قد سكن نفسك قبل كل شيء وصار "مسا " أطاح بعقلك فخلعت نعليك ، ودست الجمر دون أن يحترق جلد قدميك  . كنت فقط تعوي كالذئب وخصمك ينظر إليك من نفس النافذة التي كنت تضع على حافتها زهورا في أباريق من فضة ، وقوارير.

 

- 6 -

إنها الكرامة التي أهدرت ، وهي النفس اللوامة التي أبعدتك . إنها أنت في نقطة الصفر ، وقد حاصرتك كل الأرقام من جميع الاتجاهات .

أنت مقتول بالشمس التي تعامدت على جسدك ، وكشفت صرتك فإذا بعريك يكشف للناس سوءتك .  أنت أسوأ الناس طرا رغم الكتب التي تملأ الحجرة وتمتد للصالة . كتب بلغات ثلاث ، وأنت تبغض الاستعمار وتقاوم الاحتلال . ما باله الغزو يأتيك من عقر دارك . ثمانية  وعشرون حرفا عربيا تمكنت من كتم أنفاسك ، وتقييد يديك من خلاف فأنت اليوم ذليل . باصفرار رملي يمحو كل الاحمرار الذي رأيته في الليالي الساحرة التي ملأتها بالعنبر والمسك . هيهات أن تجلو الأبنوس لتستولي على اللب فقد سخرت من سوادك ولست بعنتر،  ولا هذه دياجير الظلمة تبيضها بنواصي قصائدك بالخط الفارسي الذي يلم صفحاته غلاف من جلد غزال صحراوي ، أما المنمنمات فتشف عن أحرف مذهبة . فليت الكتاب بقى وليت العقل ما ذهب.

 

- 7 -

قالت نظلة : كل شيء قسمة ونصيب . قالت : إن هناك من أمور القلب ما لا ينطق به اللسان. قالت إن النصيب غلاب ، والقلب قلاب.

 كانت محقة ، فالقسمة هي قسمة الغرماء ، وأنت أول الخاسرين . نصيبك من الدنيا أن تجلس وحيدا على شاطئ النهر ، مدليا يدك لتيار الماء البارد . نصيبك أن تبحث عن نصك المراوغ ، وتدخله مربعاتك السوداء . سقطت كل البيادق ، وباتت رقعتك مكشوفة ، فيما الحصان قد كف عن الصهيل . الطابيتان ليس لهما سوى التحرك عرضا وطولا . فماذا يضيرك إن مات ملك وعاش ملك ؟! والملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها . أنت الذي أفسدت أميرتك حين تركتها وحيدة ، مسكينة ، عارية في صقيع المدينة . مغطاة بصفائح من رقيق الذهب وأوراق الأسهم والسندات . كانت بحاجة لأن تسند ظهرها لحظة انكشافك المريع .  عارية كانت إلا من حبك الذي كان يبرد ككلام مراوغ كلما خرج من بوق الهاتف . منكشفة إلا من حبك الذي فتر مع الزمن.

هل كان بإمكانك أن تصارع الزمن ، وهو الذي مرغ كرامة الجبابرة الأقوياء في الوحل إذا ما صمم على منازلتهم وإيقاع الأذى بهم ، فما بالك وأنت ضعيف كل الضعف ؟! خانتك حروفك ، ولم تستطع أن تدفع عنها الفتنة وعنك البلاء . خصمك الذي تسلل إلى المخدع في طيات الألف اللينة والياء المقصورة كانت بيده مفاتيح تنوء بها أيدي أولي العصبة . وفي الحياة عري كاشف ، والسل ينخر صدرك ، ورأسك توجعك ، أما الدم فتراه من خلف البشرة أسود قانياً  .

 

- 8 -

أعلى الحجرة ، في المنطقة التي يتصل فيها الجدار بالسقف تحرك البرص . حين صعدت لم تتمكن من إصابته بدقة فانقطع الذنب . سقط على أرض الحجرة يتلوى في ذبذبات واهنة . لما فكرت أن تصعد مرة أخرى لتكمل مهمة القتل سقط بك السلم ، ورأيت أن الخشب الذي جثم على صدرك كان أثقل من أن تزيحه .

 أرتفع أنينك ، ومع الآه أتى زملاء الغرفة . نظروا إليك في سقطتك . حملوك ولم يفطن أحد للبرص . إنه عدوك الذي صمم على الحط من كرامتك ، والتلذذ بسقطتك التراجيدية . من الأرض جئت وإليها تعود.

 

- 9 -

يسألونك عن هزيمة الروح ، قل إنه الأسود عندما يرتع في مساحات البياض ، فيختلي بالزرقة الفسيحة ، ويحيلها دما . وجاءت نظلة بأعواد خوص وضعتها على قبرك ، ثم إنك رأيتها ترقص شبه عارية ، بقدمين حافيتين ، ودموع لم تكن كاذبة . أرتك كل الفنون التي عشت تحلم بها . أردت أن تريها ميتتك فتراجعت ، وانكمشت الأهلة على حدبات القبور التي تلاصق قبرك.

لكل قبر فتحة تفضي إلى عمق حيث العظام رميم ، والثرى الطيب ، والروح التي ارتقت وغادرت ذلك الجسد . روحك لم تقدر على السمو لأعلى . التصقت بالتراب وتجعدت في ثناياه . ويلك أيها الشقي المعذب.

 

- 10 -

" ومن آياته أن خلق لكم أزواجا لتسكنوا إليها " . وسكنك هو موتك ، ونظلة تجرك من شعر رأسك . تنتحب بصوت مسموع إذ أنت عصي على الدفن ، والتفتت ، والاندثار، والذهاب.

ذهب العقل ، وذهبت الحبيبة ، والشمس بدت كاشفة لعريك . فمتى يمكنك أن تكتشف ما في الصفر من مرض عضال . وصفار البيض منه مبتدأ الخليقة ، وأنت استسلمت للخديعة ، ولم تفكر في مدية أو مسدس أو قاذف " أربي جي " . لم يكن أمامك سوى أن تبطش بذاتك ، الخائفة ، الخانعة ، المترددة .  وعلى هواها جاءت ورقتك الشرعية فإذا بها وقد تحررت منك ، ومن وجعك الذي سكن صدرك دما ، وتمكن منك موتا بات يؤرقك.

فسلام عليك أيها الشقي ، وسلام على المخدوعين الأبرار .

 

5/2/2008.

 

 

 

  

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

w w w .    A    r    a    b    i    c    S    t    o    r    y    . n e t

جميع الحقوق محفوظة لشبكة القصة العربية 2001-2007