[ أهلاً بالضيف الكريم ] 
للتسجيل
أنت الزائر رقم

إحصائيات الموقع

الدول المشاركة
عدد الكتَّاب
عدد النصوص
عدد الكتب
عدد التعليقات
عدد القراءات
عدد التوقيعات
عدد المشتركين
كتَّاب في الانتظار
نصوص في الانتظار
 
ما يشبه الغياب 
التاريخ:  القراءات:(827) قراءة  التعليقات:(3) تعليقات  إهداء لصديق طباعة التعليقات أضف للمفضلة

  قصة ، من : محمد بن سيف الرحبي  
في كل مرة ألتقيهم يقولون انهم شاهدوني كثيرا ..

في صحوهم ومنامهم ، يحكون حكايات عني ، وأنهم التقوني وتحدثوا معي وطلبوا لي شيشة بتفاحتين (وأنا لا أدخن أصلا) ويروون حياتي علي ، كأنهم يحاولون تحفيز الذاكرة على شيء ما تتفادى إطلاق رصاصات الصوت عليه، عن شيء مسيج ومتمترس وراء حصون وأقبية تشكلت منذ دهور ، حتى قبل أن أخرج من رحم أمي في مستشفى السعادة في مسقط ..

آنذاك ضاعت أشياء كثيرة وراء دهاليز مطرح .. أقصد دهاليز الذاكرة ، شهادة ميلادي وضعتها الطفلة التي كانت أمي في قماطي وسقطت ، ربما هي الآن في فم الأرض ذابت ، ولذلك فإنني لا أذكر متى ولدت وهم يدعون أنهم يذكرون ، ومن حسن حظي أنني اعتدت على عدم معرفة الأشياء حتى لا أقلق من التفكير في أية ساعة أموت ، هم يقولون أنهم شاهدوني أبكي وقد تدلى حبل السرة في يد الممرضة أو البشكارة كما كانت تسمى ، وسمعوا تحميدات جدتي ودعاءها أن يكون ولدا صالحا ورأوها تحط الحرز تحت وسادتي وتدهن جسمي بوصفات حفظتها بالتتابع قرنا بعد قرن ، يقولون أنني تشابهت مع وجوه أخرى ، ولذا فأنا أشبه الآخرين الذين استمروا معي في الظهور على قارعة الحياة.

يقولون أنهم سمعوا صراخي عندما ثقبت زوان أذني لوضع الحلق فيهما ، وأشفقوا علي من شرب البول عندما أصبت بالحصبة والرائحة الزنخة التي أسكرت المكان بالثوم والأدخنة والصلوات التي تلقمها فضاء الغرفة الطينية عجائز الحارة، ومرات .. دائما مرات وليس مرة يقولون أنهم رافقوني عندما كنت في الرابعة لصعود عقبة جبلية تفصل بين قريتي وقرية مجاورة كان يسكنها جدي ، وأنني كنت أطارد أفراخ الحمام وأحملها معي في المسافات الفاصلة بين قريتين وكم من وقت استراحت جدتي الخبيرة بالطريق الجبلي تنظرني في مشيتي الصغيرة وأنا أحجل بسرعتي لألحق على الخبزة والسمن التي تحملها زادا لطريقنا.

ومنذ ذلك الدهر ومن قبله من عصور يرون ، أولئك ، أولئك الذين لا أعرفهم حتى الآن ، أنهم شهود عيان على حياتي ، ويتناقضون لأنهم يقولون أن حياتي متناقضة أصلا ، ولا أصدقهم رغم أنهم يقولون ما يشبه الصدق أحيانا ، في نفس الليلة يحكون عني رجلا تقيا يزاحم على الصفوف الأولى في مسجد "الدروس" وفي نفس الوقت يقولون أنهم شاهدوني في فندق الرسيل أشرب كأسا ، تعجبني رومانسية منظر الكأس بالألوان الصفراء الشفافة أو الحمراء الجميلة فيه لكنني لا أصدقهم ، لأنهم متناقضون أكثر من تناقضي ، فمرة يقولون أنني أهاجم الحكومة والفساد ، ومرة يقولون أنني مع الحكومة ضدهم ، ولا أدري سببا أن أكون مع الحكومة أو ضدها ، ومرة سمعت أنهم سمعوني أشتم المسؤولين ومرة أنهم رأوني أقبل أيادي المسؤولين، وفي نفس اليوم والوقت ، يقولون عني أشياء متناقضة ، فكيف أشتم المسؤولين وأنا أقبل أياديهم ، وكيف أصفها مرة أنها أيادي بيضاء ومرة سوداء ، رغم حرصي أن أرتدي النظارة باستمرار لكي أرى بوضوح ، وأقسم بالله العظيم أنني لم أر الأشياء مرة بوضوح لكنني أعرف تمييز الألوان ، قد يختلط علي اللون الأسود فأتصوره رماديا وكذلك اللون الأبيض ، إلا أنني أقول دائما أنني أحب الحكومة ، أحبها أكثر مما أحب امرأتي حتى لا يشي أحدهم بي ، وأتجنب الجلوس في البارات والمقاهي حتى لا يفلت لساني السليط ويكتبها إنسان ما أعرفه ولا أعرفه يدعي أنني أسأت للبلد.

مرة، يقولون أنهم سمعوني أقسم لهم (الذين يدعون أنهم يحفظونني) أنني لم أشتم أحدا ، وأنني أخاف الرميس كأي مواطن ، وأنني لم أدخل بنك التنمية في حياتي ولم آخذ ريالا من البنك المركزي ، ولا أعترف بما قاله أحدهم مرة أنه شاهدني في سوق مطرح أمد يدي أطلب معونة من أحد البانيان ، وأبيع أطواق الياسمين قرب بوابة السوق ، وأسير منكس الرأس بمحاذاة سور اللواتيا ، وتتغزل عيناي برؤية فلك السلامة ، ومرة يقول أحدهم .. (أحد أولئك الذين) .. أنه شاهدني أتغدى وأتعشى في مسجد الزواوي في الخوير ، وأنني كنت ألبس نظارة سوداء كبيرة حتى لا يراني أحد أصدقائي ويتذكر عدد المرات التي شاهد صورتي فيها مع كل حكم علي بالإدانة لسرقة بنك أو جهة حكومية أو شركة استثمار.

وفي مرات يقولون أنهم شاهدوني أنام على الشاطئ عاريا أفتح فمي للموج المزبد وأغوي الصيادين بحوريات البحر والرمال التي تتحول في يدي إلى لآلئ ، ومرة يذكرونني بساعة الغروب إذ كنت أسحب حمرة المغيب وأمنع الشمس من الغرق في البحر ، كانت لهم أحلامهم يسقطونها علي ، أنا الممدد في ذاكرتي ملايين النهارات ، أقف على جدار نفسي أرسم قلبين للمحبة وأردد سورة الإخلاص والمعوذتين كلما خنقني الغبار ، أضع أساطيري في جيب دشداشتي وأصعد بها إلى أعلى جبل أراه ، أنا الممزق في حلمي، المتكسرة مراياي أجذاذا ، المتشظي قطعا جارحة ، أسير وفي عيني حقول البنفسج وتحت قدمي شظاياي ، أعبر المدن التي ليست لي وأكتب أحلامي أوزعها كقطع حلوى في سوق الجمعة كي لا أغص بها وحدي.

في مرة أخيرة .. عادوا إليّ يقولون أنهم شاهدوا موتي على كل المحطات الفضائية وصور أشلائي على أوراق الصحف ، توزع جسدي صورا كأنني لست أنا ، وكأنه ليس أنا ذلك الذي باغتني حضوره فيّ دهورا ، عيني في قارة ، الأخرى في أخرى ، كل مسافة فيّ توزعت على مسافات هناك ، كنت كاللاشيء أستمع إلى حكاياهم عني ، نعوني إلى نفسي ،وأنا اللاشيء أمامهم ، أعدوا أعواد المشانق لعنقي وأنا اللاشيء في أمكنة لا تحصى.

حيا وميتا .. عدت إلى قبري ، أعد مراسم جنازتي ، أسير خلف نعشي ويسير كفني ورائي ، مرة ألبسه ومرة يلبسني .. وكأني أمامي وخلفي وفوقي وتحتي أولئك الذين يروونني إلى نفسي.

w w w .    A    r    a    b    i    c    S    t    o    r    y    . n e t

جميع الحقوق محفوظة لشبكة القصة العربية 2001-2007