[ أهلاً بالضيف الكريم ] 
للتسجيل
أنت الزائر رقم

إحصائيات الموقع

الدول المشاركة
عدد الكتَّاب
عدد النصوص
عدد الكتب
عدد التعليقات
عدد القراءات
عدد التوقيعات
عدد المشتركين
كتَّاب في الانتظار
نصوص في الانتظار
 
غبار الذاكرة 
التاريخ:  القراءات:(7058) قراءة  التعليقات:(0) لا يوجد تعليق  إهداء لصديق طباعة التعليقات أضف للمفضلة

  قصة ، من : فهد المصبح  
وأنا صغير كثيرا ما أسمع جدتي تقول :

- إذا جاء المولود ذكرا استبشرت به السماوات والأرض .

وقتها كنت لا أعي ما تقول , ولا يعنيني صراخ الأزواج في السطوح حول المواليد , وأسمع ما يتردد من أخبار المطلقات , وكل ما أعيه أنني ولدت ذكرا لم يستبشر بي أحد .. حتى عيديتي من خالي الموسر أضعتها بسبب لعبي المتواصل مع بنات الحي , ولم احزن فكل ما أريده غير موجود في دكان بوخديجة الوحيد في الحارة رغم تجمع الأولاد عنده .. أهرب منهم إلى ابن جيراننا عبد العزيز أمام عيادة الدكتور المصري الشوربجي .. عبد العزيز يجلس على كرسي واضح العرج .. يستقبل زبائن العيادة , وأنا انظر في يده الممسكة بكتاب .. مشدودا إلى غلافه .. أحيانا ادخل في الصورة لأجد امرأة تجلس على مرجيحة وشعرها الطويل كليل آتٍ على غابة الورود من حولها .. أسال عبد العزيز عنها .. يطوي الكتاب منشغلا بزبون جعله يترك الكتاب جانبا .. استرقه خلسة وانظر في داخله .. أجد سطورا لا تسعفني المعرفة بقراءتها , غير أن المصباح السحري على الغلاف والهلال الذي أخذ في الظهور إيذانا بنهاية دوام العيادة .. أسأل جدتي عندما أعود عن الصورة ودون حاجة منها إلى مطالعتها تقول :

- هذه مريم بنت الدّلال .

تتفتح عيوني مندهشا أمام الاسم الجميل وأقول :

- تعرفينها ؟

- الليلة أحازيك قصتها .

وانتظر الليل والهلال وعيادة الدكتور والكرسي الأعرج .. اعرف أن أمي اسمها مريم وأعرف أنها ذهبت إلى مكان تتضارب فيه الأقوال .. جدي يشهق عند ما أسأله عنها , ثم يرفع رأسه إلى السماء ولا يعيده إلا بقطرة دمع كالمطر أجدها كبيرة على خده المتجعد , وأختي الكبرى تقول أنها ذهبت إلى الحج ولن تعود إن بكيت , أما خالي فيؤكد أنها ذهبت إلى الجنة ويهتف :

- الله يعطينا من نعيمه .

لا حول ولا قوة إلا بالله هذه امرأة ثالثة والكتاب ليس فيه إلا المرأة المتمرجحة .. ترى من هي دلال ونعيمة ؟ .. ألجأ إلى والدي الذي يلتهم ببصره ذراعيها العاريين ويقول :

- هذي بنت نعمة .

- تقصد نعيمة ؟

يبتلعه هم جديد نكشته بأسئلتي وينصرف عني , غير أن ما يعلق في ذهني هو اسم دلال وأبدأ أحبه وأهيم بنطقه وكأنني أتمرجح معها وحولنا أشجار جوز الهند وطيور زرقاء الذيول بمناقير مذهبة .. ذات يوم مرض عبد العزيز وجاء الطبيب ووجدني مكانه .. أدخلت الزبون الأول , وهالني كثرة الكتب في الغرفة .. غرقت فيها ولم ينتشلي إلا صوت الدكتور ينادي دون أن اعرف ماذا يريد .. كان يقول باستعجال :

- عقّمت الإبر ؟

- 0000

وغلى الدكتور الإبر في قدر صغير وأنا ارتعد من منظرها , ثم واصلت البقاء مكان ابن الجيران .. لا حظ الدكتور انشغالي بكتبه المرمية بشكل فوضوي وسألني :

- هل تحب قراءتها ؟

ظننت أنني اعتديت على ممتلكاته وطواني الخجل في أيام العمل بديلا عن ابن جيراننا الذي لم تطل غيبته , فيوم الذي تعافى فيه كانت العيادة مغلقة .. سمعت عبد العزيز يتحدث بغضب :

- أخ الدكتور راح إجازة ولم يعطيني حقي .

لم افهم ما قال .. كانت عيوني ثقب الباب الخشبي .. تتسلل إلى صورة مريم بنت الدّلال , ومرت شهور ولم يعد الدكتور مما زاد غضب عبد العزيز وهو يصفق يدا بيد والحنق يقطر من عيونه , فأقول له :

- مسيره يجي .

ضحك عبد العزيز وقال بصوت يشبه الصفير :

- في المشمش .

لم افهم ماذا يقصد لكن المشمش حملني إلى الجوز والطيور الجميلة قرب مرجيحة عليها فتاة طويلة الشعر اسميها دلال وجدتي تسميها مريم وخالي يسميها نعيمة أما عبد العزيز فيصرخ في وجهي عندما أسأله قائلا :

- الدكتور مات خلاص لا تفكر في فلوس .

والعيادة ؟

لم يجبني عبد العزيز .. أحسست أنني لو أطلت الكلام معه قد يلكمني , وتركته يلوك همه .. بعد عدة شهور رأيت عبد العزيز وبيده الكتب .. خفق قلبي واستبشرت خيرا .. كان يضحك بحسرة ويقول :

- الشرطة فتحت العيادة ووزعت الأثاث على الديانة ولم يبق إلا الكتب حذفوها علي وقالوا خذها لك .

وكان عبد العزيز وهو يلفظ كلامه يكاد يبكي .. تناولتها منه وقلبي يرقص بينها .. يبحث عن بنت الدّلال , فوجدتها ممزقة .. سألته :

- لماذا ؟

- من القهر يا خوي .

وبدأ التمزيق , فانتشلت كتابا من بين يديه كُتب عليه (ألف ليلة وليلة) مرت كالبرق , وكلما عاودتني الذكرى أشعر بهواء يمرجحني مع مريم .

w w w .    A    r    a    b    i    c    S    t    o    r    y    . n e t

جميع الحقوق محفوظة لشبكة القصة العربية 2001-2007