[ أهلاً بالضيف الكريم ] 
للتسجيل
أنت الزائر رقم

إحصائيات الموقع

الدول المشاركة
عدد الكتَّاب
عدد النصوص
عدد الكتب
عدد التعليقات
عدد القراءات
عدد التوقيعات
عدد المشتركين
كتَّاب في الانتظار
نصوص في الانتظار
 
شواهد 
التاريخ:  القراءات:(5062) قراءة  التعليقات:(9) تعليقات  إهداء لصديق طباعة التعليقات أضف للمفضلة

  قصة ، من : سمير الفيل  

 

شواهد

 بقلم : سمير الفيل

 

صافرات بعيدة

 

إنه الانحدار الهائل. الانحدار الذي يخطف قلبه خطفا. عنق من المرمر ، وقلادة من الزمرد الأخضر.

زمرد مشطوف بعناية فائقة ، يتلألأ في كل مرة ينعكس عليه الضوء.

شعر بتماسك عجيب ، وهو يلمسها ، ويؤكد لها دون أن يرتب الكلام أنه لن يتركها حتى لو كانت كنوز قارون في الجانب الآخر من البحر .

فكرة السفر صارت بعيدة عن تفكيره ، ولما طوقها بذراعيه قبل خمسة أشهر شعر بالعطر يدوخه فداخ .

 كانت المرة الأولى التي يلمح فيها بريق الزمرد في الظلام . هذا مستحيل فعليا ، ربما شعاع من ضوء القمر سقط على الفص الكريم فتوهج .

 في ميناء بعيد يسمى " نابولي " كانت صافرات البواخر تنهش قلبه . أما الجوع فقد راح يحرك معدته في تقلصات غريبة رغم خيوط الأسبجتي بالمايونيز .

 كانت في نفس اللحظة تقف بكل كبريائها المجروح في الشرفة تحدق في ظلال كثيفة تحط على شجرة التوت التي أثمرت منذ أسابيع ثمرة لذيذة سوداء . تحرك في أحشائها جنين . تدرك أن سنوات قد تمضي كالسكين على عنقها قبل أن يعود من إبحاره ليرى ابنه .

 

فراولة

 

فراولة . فراولة حمراء . فراولة حمراء بقمع أخضر . تطلبها في غير موسمها.

تدخل الحمام لتخرج ما في جوفها . تتقيأ فتشعر بحمض له مرارة الحنظل في فمها . تعود للسرير محاولة أن تغالب حالة الغثيان.

 بصة حادة . بصة فيها مهابة ورقة . كيف يجتمع النقيضان في صورته المرسومة بقلم الفحم؟

لا تعرف كيف قبلت به زوجا ، ورفضت آخرين أكثر وسامة وثراء؟

هل كان السبب هو عوده الفارع ، ونظرته الواثقة الحزينة أم حديثه المقتصد كوخزات الأبر التي تبعثها من السبات؟

 ناولته يدها ، وأكمل المهمة على خير وجه .

 قرب عود ثقاب من وجهها بعد أن انتهى ، وفيما هو يشعل سيجارته كلمها: أشعر أننا سنفترق.

ـ مجرد قلق وسينتهي.

ـ هناك ما يجعلني واثقا من ذلك.

ـ هل هو سفر عادي؟

ـ أعتقد أنها الحرب.

ـ احتمال بعيد جدا. لعلها المناورات المعتادة .

ـ احتمال قائم.

ـ لا تجزع . أنت رجلي.

ـ تعرفينني لا أخاف إلا عليك.

عانقها ودون أن تدري أحست بدموعها تصنع دوائر مبتلة فوق كتفه حيث نسيج قميصه التيل الأبيض .

جاءت ورقة الاستدعاء ، وقبل أن يعد نفسه للذهاب مال عليها ، سألها أن تطلب كل ما تشتهي. لم يكن الجنين قد تحرك . طلبت منه أن يعتني بنفسه ، وأن يعود بأقصى سرعة. تعرف أن هذه مجرد أمنية لن تتحقق بسهولة . لم تطلب منه فراولة. فراولة حمراء . فراولة حمراء بقمع أخضر!

 

طلاء أحمر

 

طلاء أحمر. وضعته بالفرشاة على أصابع قدمي . طلاء أخّاذ يخطف الأبصار . كنت أضع سدادة الفلين في فوهة القنينة بدقة حتى لا يجف .

عجز " فتحي " أن يفهمني ، وأنا أطيل وقت الطلاء . فرحت في أعماقي أنني استطعت أن أخدعه ، فبدأت خطواتي تسير نحو المنحدر بحذر.

طلاء ، وقدمي ادخله في خف رمادي بوردة أوركيدا . تختفي أصابعي العشرة ، وأصعد للفراش حيث أذوب في تأوهاته الممعنة في بطشها.

لن تنطلي علي خديعته فهو الذي ساقها إلى نفس الفراش ، فدنسته . وضعت " هدى " رأسها مكان رأسي . بالتأكيد حين هبط جسدها اختفى رأسها في طراوة القطن الذي تقلص لأقصى درجة بفعل التضاغط.

لم يكن يدرك أنني كشفته وعريت ذاته رغم بودرة الكلام على وجه يابس . حين عوت الذئاب في دمي كان قد اخترق عفتها . كنت أرنو للفضاء المرير الرصاصي بغير اكتراث ، وكانت المدية التي أعددتها غير مناسبة لأن أغمدها في المكان الذي حددته بدقة نحو القلب.

 دسست له السم في البامية ثم أكثرت من البهارات الحريفة من فلفل وكمون وشطة . خلعت قدمي من الخف ، وتأملت الطلاء الأحمر الذي بدا ساطعا وقادرا على كشف لعبتي الجهنمية .

دفعت بيدي باب حجرة النوم . رأيته يلهث ويخرج لسانه من العطش دون أن يقوى على الوقوف . بيدي أبريق من الزجاج الشفاف وماءه ملطف بالمزهر. منعته عنه بدون أي تشف. تجمدت شفتاه من الظمأ . بيأس أزاح بكفه المرتجف صف العطور فحدثت جلبة شديدة . ويله لقد كسر الزجاجات البديعة الأشكال التي احتفظت بها رغم نضوب العطر منذ سنوات.

انطرح بجسده على الفراش بشكل تراجيدي بائس وهش . كان باستطاعتي أن أدس قدمي في الخف هذه المرة ببطء وبهجة تجاه الحياة التي سأعيشها بدونه.

 بكل هدوء ممكن أتقدم نحو الجثة . أحركها بصبر وتبتل ناحية القبلة كي يرحمه ربه من آثامه التي لا يطيقها بشر.

 

تلك البقعة

 

في منتصف الملاءة التي تجعدت وتثنت عند الأطراف بدت بقعة حمراء على شكل دائرة .

 قطرها أقل من ثلاث سنتيمترات . بدت بوضوح كامل رغم العتمة الخفيفة.

حدقت الأم في البقعة . دعكت عينيها وهي توشك على الإغماء .

 خوف ثقيل لم تدرك مصدره مصحوبا بتوتر خفي خالطه فرح مخبوء في الصدر. كل هذا ناوشها مع النظرة الأولى .

 أضاءت نور الغرفة وحسبت على أصابعها أن أبريل الحالي يضع ابنتها  في دائرة الأربعة عشر ربيعا. غطت البنت عينيها بيدها . تقلبت في فراشها محتجة .

 لم تر الأم صورة عمرو دياب بالحجم الكبير، معلقة فوق دولابها البني الصغير، وقد تدلت من عنقه سلسلة ذهبية . كانت بيجامتها بلون التركواز . حين انكشف عنها جزء من الغطاء أشارت لأمها بيدها أن تطفيء النور فالصباح مازال مبكرا ، و بها رغبة لمعاودة النوم .

اتجهت إليها ، هزتها : أميمة؟!

مدت البنت يدها لتسحب الغطاء من جديد ،وكان على هيئة ورود صفراء بحجم كبير . توسلت إليها بغمغمة خافتة أن تتركها تأكل أرزا باللبن مع الملائكة : يوووه.

كررت الأم النداء بغضب هذه المرة ، ولما لم تستجب سحبت الغطاء كله فانكمشت البنت بفعل التيار البارد الآتي من نافذة الصالة المفتوحة نصف فتحة : أتركيني يا أمي.

هزتها بيد تجمع بين الحنان والشدة : أسمعيني يا ابنتي .

ردت البنت وهي تتثاءب متغاضبة : نعم يا ست الكل؟

فكرت في أول خيط للكلام : صرت عروسة يا أميمة.

ضحكت في وخم ، وهي تبربش برموشها : أعرف .. أعرف.

فتشت في ذاكرتها عن عبارة مناسبة ،واستعادت نظرة المرحومة أمها القلقة منذ خمسين سنة وهي تدس في سروالها من الداخل قطعة من قماش الكستور وهي تغمغم بسخط : ستفهمك عمتك كل شيء . سربت الأم ما تريد من تصرفات حكيمة تحجبها عن كل عين زائغة ، ومر الأمر بسلام  وتزوجت من عوض على سنة الله ورسوله .

انتزعت جملتها الأولى بصعوبة : منذ هذه اللحظة لابد أن تحترسي . غطي شعرك . عنقك هذا لا يراه مخلوق .  أرتدي بنطلونا يغطي القدمين .

 ضحكت أميمة وقد صفا عقلها : لماذا كل هذه التحذيرات؟

ابتلعت الأم ردها وأشاحت بيدها : لم تعدي صغيرة.

 قبل أن تواصل أميمة احتجاجها أشارت الأم بطرف إصبعها السبابة بإيماءة عابرة نحو البقعة أصابت البنت في الصميم .

رددت كلاما كالمنومة : أنت ترين بنفسك.

 تلون وجه البنت بحمرة خجولة . تعكر صفاء وجهها قبل أن تنخرط في بكاء لا تعرف سببه فيما ضمتها الأم ضمة حنونة أودعتها كل فرحها المنكسر بذبذبات حائرة !

 

وديع

 

الولد وديع شاب طيب لأبعد الحدود. يضع على عينيه نظارة طبية سميكة العدسة ، ويضع وردة حمراء في عروة الجاكتة السوداء . يتكلم بأدب جم ، ويقوم من مقعده إذا أتت امرأة.

الولد وديع مطيع . لم يعرف عنه أنه أثار شغبا أو أحدث فوضى في أي مكان ارتاده.

وديع الذي عمل في حفريات الآثار الفرعونية بتفتيش الجيزة اكتشف تمثالا صغيرا للإله " بتاح" العظيم قلب الآلهة ولسانهم . كان تمثالا من الجرانيت الأسود لمعبود منف. كما عثر هو ذاته وبمحض المصادفة على رأس تمثال من الديوريت للملك خفرع . عاد إلى عمله بهدوء فيما وقف بعد أسبوع رئيسه ليعلن في مؤتمر صحفي عن جهوده التي توجت بهذا الاكتشاف المذهل ، وقد أضاف أن خطته قد نجحت في اكتشاف التمثال والرأس بعد جهد رهيب في التنقيب الذي طال لسنوات .

 أما وديع فقد ظل تحت الأرض في جبانة الأسرة الرابعة لا يغادرها إلا بمقدار.

يزيح الرمال بهدوء وثقة . يدس يده المدربة في تجاويف متحجرة  تعود عليها بحكم خبرته فينتزع أواني المرمر وجعارين الحجر البركاني المطعم بالعقيق.

في آخر اليوم يجلس مع الشلة يلعب الورق ويدخن النرجيلة ، ويسترجع مشهد العازف الأعمى الذي يمرر أصابعه على " الهارب" فتعلو الأنغام فيما حورس يرفرف بجناحيه العظيمين في جلال.

أبوه جرجس معوض فقد الأمل في زواجه ؛ فالابن قد تخطى الثلاثين ، وليس معه مدخرات. نقوده صرفها كلها في تعليم أولاده وبناته ، ومن المفترض أن يساعده وديع في مصروف البيت.

كلمته أمه في ذلك ، وكلمه أبوه ليضع حصوة ملح في عينيه . توصلا لمبلغ معين كان يضعه أول كل شهر فوق الكومدينو بالصالة وبمباركة من إيفون أمه حلت المشكلة.

يدخل وديع البيت في هدوء ، ويخرج في هدوء . يذهب كل يوم أحد إلى كنيسة العباسية كغيره من المؤمنين . في أغلب الأحيان يتناول طعامه البسيط من الخبز والبقسماط والبيض المسلوق في موقع الحفريات مع شحاتة أعز أصحابه.

 وديع شعر يوما أنه يشبه العازف الأعمى. أحس أنه يدور في الساقية كثور وضعت على عينيه عصابة. لا يعرف أحد كيف فكر في نزع العصابة ؟

كانت سوداء قاتمة ولا تسرب ضوءا . سوداء كالليل الفاحم. هكذا رآها وضايقه منظرها خاصة أن أوتار العازف الأعمى كانت تتهادى إلى سمعه فتؤكد له أنه مهضوم الحق ، مهان .

 الولد وديع رفض وتمرد ، وثار . هكذا مرة واحدة بلا أية مقدمات . قال لرئيسه الذي يظهر في برامج التلفزيون : أنت تسرق تعبنا وتنسبه إلى نفسك.

أول الشهر لم يضع وديع المبلغ المتفق عليه فوق الكومدينو.

 كان وديع مقبوضا عليه بتهمة التآمر لقلب نظام الحكم. وفي قبو مظلم كان مع آخرين يلعب الورق الذي تم تهريبه في معطف صديقه شحاته حين سمح له بزيارة خاطفة في محبسه . يلعبون الورق في ضوء شديد الخفوت.

 

لماذا يضحك السمسار؟

 

كان يقفز قفزات صغيرة بين أشجار الورد. مجرد قفزات بسيطة في حديقة مهجورة كانت ملك جده. آلت للعائلة بعد موته . السمسار يقف الآن يقلب الأثاث القديم ، ويسدل الستائر المخملية الثقيلة ثم يشد الدوبارة فتنفتح في تزييق مسموع .

 البيت للبيع ومعه الحديقة التي كانت للجد مكانا للراحة ، والسلوى بعد التعب .

 قفزات لاهية وبيده الصغيرة يمسح الغبار عن الأوراق الخضراء ربما يعود إليها شيئا من زهوها.

 كانت الأشجار فيما مضى أقل طولا لكنها تمتليء بعصارة الحياة ؛ فقد كان من عادة الجد أن يرويها بيده، ثم يشذب الأغصان النافرة بمقص حديدي يلمع في الشمس.

جد حكيم ، قوي البنية ، خاشع لربه ، محب للحياة . يجلس مساء كل يوم تحت تعريشة شجرة الياسمين بزهورها ذات البتلات البيضاء الرقيقة لتنشر عطرا خفيفا يبهج الأرواح.

الأرواح؟ يالها من صيغة مناسبة لجمع التكسير الذي حدث فعلا في العائلة حين احتبس كل هذا الحنان مع صعوده الهفهاف للسماء فيما ذرفت الأعين دموعا مدرارة.

جاء الورثة بسحناتهم المقلوبة ، والوحيد الذي كان يضحك هو السمسار ففي كل الأحوال سيتم بيع البيت للمالك الجديد الذي يضع على رأسه قبعة عالية سوداء بحافة محيرة . هذا المشتري نظرته تشع بالخبث وتفيض بالدهاء .

فيما الولد يقفز اختل توازنه وسقط بجسده على شجرة الورد الجوري فجرحت أشواكها يده.

كان يبكي بكاءا مرا ، ربما لهذا السبب دون غيره دوّمت سحابة عفار في المكان وهبط الجد من سابع سموات . مال على الحفيد وحمله ثم راح يضمد جروحه فيما الأبناء يتشاجرون حول التقسيم الشرعي للإرث ويدقون بأصابعهم على الآلات الحاسبة بشاشاتها المضيئة بزرقة باهتة.

لقد امتعض الجد لأقصى حدود الامتعاض لأن الولد كان يبكي بكاء يوجع القلب فيما السمسار كالح الوجه يضحك ويضحك ويضحك.

 

الزاهد

 

ليس بحاجة إلى أن يذكره أحد بواجبه. يعرف كيف يجعل للقسوة مخالبا وأنيابا توجع إلى أقصى درجة.

هؤلاء العصاة لن يفلتوا من قبضته مهما تحصنوا باليقظة والمهارة والدقة في تنفيذ عملياتهم.

حين يعود للبيت يخلع زيه الكاكي ، بدبابيره النحاسية اللامعة على الكتفين ، ويعلقه على المشجب.

يضم " نورا " إلى صدره ضمات رقيقة لكنه ينسى نفسه ،فيكاد يحطم ضلوعها : آه. ارحمني.

يخلق من ظهر العالم فاسدا . هذا عين ما رآه في الرحبة المظلمة التي تمتليء بصرخاتهم المفزوعة كل فجر : آه , ارحمني.

لا يهمه أن تتردد في أذنيه صدى الصفعات على تلك الوجوه ، وهو ذاهب لصلاة الفجر . كل ما يهمه أن يحصل على اعتراف مكتوب بخط أيديهم ، وفي الركن الأسفل الأيسر يكون التوقيع مع بصمة الإبهام.

زاهد هو في الشهرة ، وهل من يتبتل مثله في محراب الوطن بحاجة إلى بريق كاذب ؟ ثم أنه يميل إلى العتمة ، ويراها الوسيط الأمثل لممارسة عمله .

 ضبط نفسه مرة مستمتعا برؤية الدم يسقط كنقط من صنبور تالف . كان التنقيط من أنف شاب في منتصف العشرين . نهر نفسه كثيرا ، وأيقظها من شرورها . تقدم بهدوء ، وأمر بإيقاف " الوجبة " اليومية. عاد بعد لحظات بكوب ماء مثلج . قدمه له فركل الغبي اليد التي امتدت نحوه بالرحمة .

ضبط أعصابه.  بعدها صعد للمكتب البيضاوي بكسوته الكشمير الخضراء ، حرك بيده لوحة مكتوب عليها بالخط الكوفي " قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا " . حركها في مواجهة ضوء المصباح الشحيح الذي يسقط من السقف. نزل بعد ساعتين فوجده قد فارق الحياة.

مات العاصي قبل أن يوقع الورقة التي كانت معدة باعترافه المستفيض ليمهرها بخطه المنمنم الذي رآه وهو يفحص هوامش بالقلم الرصاص كتبها على صفحات رواية لنجيب محفوظ.

ود أن يعرف كيف لبشر أن يحتمل هذا العذاب دون أن ينهار باعتراف كامل؟

واجبه يدعوه أن يأخذ حذره خوفا من أن تتسلل إلى قلبه عاطفة أو شفقة. أتته همستها ليلة أمس : آه . ارحمني.

نزعت يد قائده الدبابير ، وعلق مكانها نسرا وحيدا رآه يطوي جناحيه في تخاذل مريب.

كانت ترقية في الظل ، وعلاوتين ، وتسعة من العصاة لم يوقعوا أوراقهم . لقد تركوا الركن الأيسر فارغا بشكل يثير الاستياء .

حدث نفسه أن الزهد الذي يملأ نفسه له أسبابه ؛ ففي بحثه عن استقرار الوطن نسى مجده الشخصي فهو يعرف أن أية هزة كفيلة بالرجوع لعصور الفوضى والظلام.

امتدت يده لتطفيء النور الذي يهيج ذاكرته . لا يمكنه تصور الفوضى . لا في بيته ، ولا في سجنه ، ولا داخل جيبه السري تحت البطانة حيث يرتب بكل عناية أورادا قديمة ورثها عن جده المتصوف . لا يقرأها ؛ فلا وقت لديه لكنه يشعر بالأمان في وجودها معه . مطوية مع تلك الأوراق التي لن توقع أبدا بعد أن اختفى أصحابها لأبد الآبدين.

 

كتبت هذه النصوص فجر الأحد 27/4/  2008

w w w .    A    r    a    b    i    c    S    t    o    r    y    . n e t

جميع الحقوق محفوظة لشبكة القصة العربية 2001-2007