[ أهلاً بالضيف الكريم ] 
للتسجيل
أنت الزائر رقم

إحصائيات الموقع

الدول المشاركة
عدد الكتَّاب
عدد النصوص
عدد الكتب
عدد التعليقات
عدد القراءات
عدد التوقيعات
عدد المشتركين
كتَّاب في الانتظار
نصوص في الانتظار
 
جدي والَجبَل جدّي والجَبَل
التاريخ:  القراءات:(7516) قراءة  التعليقات:(3) تعليقات  إهداء لصديق طباعة التعليقات أضف للمفضلة

  قصة ، من : ظافر الجبيري  

                           جدّي والجَبَل                               

                                                                                  إلى نورة

   

   بالقرب من جبل عُكْران يقع جبل آخر .. يقف الجبلان فوق أعلى قمم منعاء ،قريةِ الغيم ِالنديّ والأغاني التي سارت بها الحكايا والمواويل ..قرية أجدادي وأخوالي التي تتربع بشموخ على السحاب إلى الشرق من سهل تنومة الساحر .. القرية التي نرى جبالها ونحن في بيتنا الواقع شمالا، ننظر مع أمي من شُرفة بيتنا  نتطلّع جنوباً، نرى عُكران وقد غطت هامتَه عمامةٌ بيضاء . نسمعها  مرة وكأنما تُحدّث نفسها : "منعاء اليوم ممطورة " ومرة تمتدح  الجوَّ الصحو وتصف قريتها.. وينساب حكيُها تفاصيل كثيرة ، فنسرح  معها بخيالنا ،  تستمرُّ في وصف الجبال والبيوت والمزارع،و لا تنسى الكلام عن آخر زيارة إلى هناك، كان هذا يكفي لتحريك شوقنا للزيارة القادمة .

   في كل مرة يزورنا الخالُ نتمسك به ، نطلبه أن يأخذنا معه ، نلحّ أكثر وأكثر حتى يقنع أمي بالموافقة  على زيارة أجدادي وأخوالي ، ونغالطها في الأسابيع ؛ تقول: " زرناهم من ثلاثة أسابيع " فنرد بإصرار وانحياز للهجتها :" لا، زرناهم قبل شهرين .. لازم نروح الله يعطيش العافية ".

  نصعد مع الطريق الجبلي الذي يشقُّ خاصرة جبال منعاء من جهة الجنوب، نصل إلى أعلى ،ما يلبث الطريق أن ينحدر ، لنمرّ ببيت خالي ، صاحبِ السيارة ، ويستمر الموكب السعيد يحمل  قلوبنا المتلهّفة ، حتى تتوقف الهايلكس أمام  ( الساحة ) التي تعني البناء وما يتبعه من فناء واسع أمامه .                                                                          

   تُطِلُّ جدتي مرحّبة بابتسامتها الرائعة وبقايا جمال روّضته السنين ، ستدخل أمي وتعانقها ، يلتقي وجهان حملا من الجمال أعذبه ، وما زالت الأيام تجدُ من قسمات المرأتين ما تأخذ ، كنت سعيدة ، ومشغولة عن أحاديث خالاتي اللاتي يؤكّدْن أني لن أذهبَ بعيداً عن ملامح الأم والجدة!    كانت روحي المندفعة تطفو عبر نظراتي المختلسة نحو الجبال الصخرية التي لا تبعد عن البيت سوى عشرات الأمتار ، كنت أستعجل إنهاء السلام ،لكني أكادُ أطيُر وأتفلّت من بين أيديهن، وهن يسلِّمن علينا واحدة تلو الأخرى  .

  قريباً من حظيرة البطّ والدجاج التي أقامها الخال بعيداً عن الدار، سنمرٌّ بجوارها سريعاً وسنخلع الأحذية ، سنرميها عند أقدام الصخور الملساء، وسنصعد بأقدام حافية ، يملؤنا الحبور والسعادة إلى أعلى الجبل الذي يقع شرق القرية ممتداً في موازاة جبل عُكران والجبال الغربية . من فوق، تبدوالصورة أروع : البيوت تقع في الوسط محاطة بالجبال من الشرق والغرب .. كانت الجبال الشرقية للتسلق والنزهة والمتعة ،أما جبال الغرب المشرفة على سهل تَنومة فكان النظرُ يرحل نحوها تأمّلاً لبعدها القريب عنا ،كبعد الجد الصامت عمن حوله لا يتكلم إلا فيما ندر.

   نواصل التسلق، نحن الشقيقات الثلاث، ،يعلو سرورنا بصياح ُتردّد الجبالُُ صداه ، نطلق أصواتنا بالغناء أو الملاسنة أو الصراخ الحُر ،ترافقنا بنات وأبناء أخوالي في جوٍّ لا يتكرر إلا مرة في الشهر أو كلّ شهرين ..نعلو بفرح ، ونصعد بخطوات واثبة وأقدام حافية ، الصخور الملساء تداعب أقدامَنا برودتُها ، بينما يعانق الغيم وجوهنا ونظراتنا المشرعة على الأفق البعيد ، عند القمة تكون الطيور على مرمى نظر ،نلاحقها بعيوننا ..نقطف بأيدينا السحاب الذي يمر بنا مبللاً الشعر والأهداب .. صرنا كبيراتٍ ونحن نتفرج من أعلى ،بينما الصغار هم الجدة والأم والخالات، الكل يتحرك  كالأطفال ونعرفهم بملابسهم في الفناء وأمام الأبواب..  وتغيب الشمس فتعيدُنا حكاياتُ الظلام إلى البيت .

 

* * *
* * *

    ينحسر ظلُّ الجبال الممتد بعدما ترتفع الشمس عالياً في صباح اليوم التالي ، أبحث عن جدي ، لا أجده في سريره .. غرفتِه الهادئة ، مكان خلوته الداخلية ..أعرف أنه قد خرج إلى مكانه الأثير ، وراء الدار في الخلوة الدافئة تحت الشمس.. قبل أن أطلَّ على جلسته الخاصة ، ألقي نظرة على الأفق فيتراءى إلى الشمال جبلٌ ناطقٌ بالمهابة ، يلُوح لي بصفحته الجامدة الصامدة نحوي .. وأباغت الجَدَّ وهو ينظر إليه فيجتمع وجهان لصمت واحد.

  جدي الذاهب في صمته ..عُكْران الشاهد على خلوة الرجل السبعيني ؛  لم تخفِ جلستُه  طولَهُ الفارع وقامته العالية..أجلس بجواره لأدخل صمتَه الشاخصَ نحو الجبل العالي القريب. أشاركه نظراته العميقة التي تخفي هدوءاً صنعتْه السنين وأوثقته التجارب ..

 أجدُهُ ملتفاً في فَرْوته التي قُدَّتْ من لون الأرض ، الوجهُ حَجَريُّ التفاصيل صخريُّ الملامح ، لا يتكلم إلا قليلاً ، تُطِلّ كلماته كشجيرات قليلة ونباتات متباعدة نبتتْ في ثنايا صخرة ضخمة. 

  هنا"جبال جدي علي" .. تناسينا ، أنا وأخواتي، قريةً بأكملها يعيشُ سكانها معه ،سمّيناها "جبالَ جدّي"  الجبالُ التي تحتضنُ القريةَ  بحنان من الجهتين ، عُكْران ،وإن لم يكن أعلاها أو أقربَها ، لكنه الأكثر حضوراً عند النظر ، أشجارُهُ شحيحة، لكنه راسخ ومليء بأخاديدَ عميقةٍ وجوانبَ صامتةٍ صمتَ جدي .

   كنتُ الشقيةَ و "الملسّنة" ، كما يقولون ، عند تذكُّر أيامِنا الحلوة مع جدي وعائلته الكبيرة ..كنتُ في الثانية عشرة ، عندما اكتشفت خلوته وراء البيت القديم : الساحة كما تسمى ! جلسة الصمت والذكريات التي لا أملّها حتى ولو امتدت بالساعات ، كنت أحب كل شيء يتحدث عنه ، وإن لم أفهمه .. فقط أسمع جدّي يتحدث عن" بئر جدي ومزارع جدي ومراعيه .." وأزيد من عندي جبال جدي ! لم أكن متأكدةً أأنا أحبه لأنه والد أمي أم أحب فيه صمتَه وشموخَه ؟

  فتح جانبَ الفروة ليوسّع لي، وجلستُ على شماله ،والشمس توالي ابتعادها غروباً ، لم  يبق من دفء العصر إلا القليل ، وظل متحصّنا بالصمت ،يلمس على رأسي بين الفينة والفينة..ولأنه يعرف أن وراء صمتي كلاماً وأسئلةً سريعة مبعثرة ؛ حدثني عن البئر وكيف كانت تسقي نصف المزارع ،تسقي نهاراً بطوله دون أن تنضُب .. ويسمِّي المزارع بأسمائها ويتوقف كثيرًا عند "الريان لَسْفل والريان لَعْلى " : القطعتين الزراعيتين اللتين تمتدان اليوم بلا زرع سوى حشائش ضارة نمت في غفلة من "زمن الدكاكين التي تبيع كل شيء "  هكذا كان يسمي زماننا !

  يدخل في الصمت  معرِّجاً بنظره  إلى رَضْمٍ معزول في جانب الريان الأعلى وقد تنامت فيه ،دون تشذيب ،أشجار أخرى  كالعرعر والتالب والشَّثّ وشوك الهَذَال ، أسماء تتردد في جلسات الجد ومسامرات الكبار التي تفترش المزارع الحبيبة  وتلتحف بالأشجار الوارفة . كان الرضم أشبهَ بالمكان المَحْجُور لا تمتد إليه فأس بالقطع أو رأس ضأن بالرعي ، صار الجد الآن يتمنى أن يأتي من يأخذ منه حاجته .. إنه الحِمى الذي كان محفوظاً بهَيْبة صاحبه،وصار الآن مهجورًا بلا تشذيب أو عناية كلحية الجدّ عندما تطول وينساه من حوله ..

   عندما اكتشفتُ مخبأه للمرة الأولى ضمّني .. قبّلني  في مقدمة رأسي سألني عن أمي ومن الذي جاء بنا من أولاده من النماص إلى هنا إلى مسقط رأس  أمي ، وعن أبي وهل جاء معنا ... كانت أسئلته متباعدة ، يلقيها على مهل ، كأنما يحلِّل كل جواب ، يبدو كمن  سيكتفي بما سمع، قبل أن يطرح السؤال التالي.

  وأبقى معه داخل عباءة الصوف البنية ، والشمس ما زالت تلقي شال دفئها على جلسته الأثيرة ،وكأنما تحتضنه بخيوطها الصفراء المرسلة نحوه.

    كان مُمْعناً في النظر  إلى الأفق ، لا يلتفت إلي ّ إلا بجانب عينيه ، ينظر للأمام سارحاً مستغرقاً بوقار . ما يلبث أن يسأل عن أمي وجدتي ، كانتا قد أرسلتاني لدعوته لتناول القهوة ،  لكني نسيت أو تناسيت لأعيش معه لحظاته الهادئة .

  عند عودته إلى الدار ، لا ينسى التـأكيد  إعداد العشاء للضيوف ،ابنتِه وبناتِها الثلاث ،كبراهن أنا . ثم يسأل بتهكّم "أم أنكم أرسلتم في عشاء من السوق التي أراحتْكُم  وتبيعكم حتى الطعام !؟"

   في اليوم الثالث للزيارة السعيدة ، يومِ الجمعة، أباغته في جلسة الشروق أمام الدار قريباً من الباب  ، لم يزعجه  أحد سواي اليوم ، أكثرتُ من الأسئلة ، عن كل شيء تقريباً . ماذا أفعل؟! أحب حديثه ، وأحب ألا يسكت ،أستمتعُ بكلماته القليلة وتعليقاته الصامتة ، عندما يطيل النظر إلى أحد الذين تكلموا بكلام لم يعجبْه ، كان المتكلِّم يتمنى أنه لم يعلّق أو يتحدث ، كانت نظرات الجدّ ثاقبةً تغرز المتحدث في مكانه لدقائق لا يدري ما يصنع أو كيف يداري حَرَجَهُ ، ؟أحاديثُهُ الأخرى ، بالرغم من قلّتها ،تنسيني نظراته الصلبة ، كنت أتلذّذ بها تهز الكبار من حوله ، وتجعلهم ضائعين تحت رحمة ما تصوبه عيناه  نحوهم ، كان يكتفي بنظرة طويلة ، يتلقّى المعنيّ وقتها سياط الانتقاد عاجزا عن الرد أو التعليق..  لم يرسل نحوي أياً من نظراته تلك ، رغم أسئلتي المتلاحقة ، فقط ، مرة واحدة لن أنسى طعم جملته اللذيذة ، بعدما ضاق ذرعاً بكثرة أسئلتي : جدي لماذا تحب الجلوس هنا ؟ وكيف صنعتم هذا..؟ ومن الذي حفر البئر هذه؟  .. أذكرُ أنه وجّه إليَّ نظرة طويلة صامتة ، ثم رماني بسؤاله الحارق الذي لن أنساه ..لن أنسى روعتَه تلامس أذني :" ودّشْ تُسْكُتين .."

 عندها نهضتُ لأعود إليه في وقت آخر ..

أعود إلى أمي وجدتي لأدلقَ عليهما ما بقي من أسئلة فضولية ، كانتا قد أفرغتا القهوة المُرّةََ في جوفيهما،وانتهت حباتُ التمر إلى كومة من النوى دون أن تنتهيَ أحاديثهما الطويلة ..

 

 

w w w .    A    r    a    b    i    c    S    t    o    r    y    . n e t

جميع الحقوق محفوظة لشبكة القصة العربية 2001-2007