[ أهلاً بالضيف الكريم ] 
للتسجيل
أنت الزائر رقم

إحصائيات الموقع

الدول المشاركة
عدد الكتَّاب
عدد النصوص
عدد الكتب
عدد التعليقات
عدد القراءات
عدد التوقيعات
عدد المشتركين
كتَّاب في الانتظار
نصوص في الانتظار
 
إمالة الرأس 
التاريخ:  القراءات:(5558) قراءة  التعليقات:(14) تعليقاً  إهداء لصديق طباعة التعليقات أضف للمفضلة

  قصة ، من : سمير الفيل  

 

 

 

إمالة الرأس

 

 

 

لحظة الدفن

 

لم يعد هناك مفر من أن أعترف لهم بحقيقة كل شيء . الأمر الذي عشت أخفيه عنهم ردحا من الزمن . سأصرخ في وجوههم بكل ما أوتيت من عزم : أنني لا أحبهم . وسأصعد التل الرملي وأدفن نفسي حتى حدود العنق . سأترك جسدي مضموما بقوة تضاغط حبيبات الرمال التي امتصت دماء آلاف المحاربين في تلك الناحية . ماذا كان يريد الغزاة غير الأرض ؟ نعم الأرض التي سأدفن فيها حيا . سأطلب منهم أن يكملوا ردم بقية الجثة . سأعلن لهم أنني غيرهم . الخدعة لم تأسرني ولم تتمكن مني لغتهم المذهبة المضمومة في كتب ورثها أبي جدا عن جد. أمي ذهبت ومعها صرة من الحنان الذي سمعت به في الكتب وبرامج الأسرة بالإذاعة .هل أترك لهم خيطا من كلام أم أمضي لشأني وحدي ؟ هب أنني أعلنت العصيان كاملا وأردوني برصاصاتهم القاتلة . هل أكون قد خدشت ذاكرة ابني الذي يقف في الصف معهم وعلى بعد بوصتين من الإمام الظالم ؟

سأترك الأغربة تنقر حبة القلب . سأدفن جسدي في المزيد من الرمال ، وسأترك رأسي للشمس .

 

رغيف خبز

 

هذا الولد منذ خمسين عاما سرق رغيف خبز. كان جائعا ومد يده. لم تحتمل أمعاءه الجوع فارتكب الخطيئة. لم يره سوى الله وصاحب المخبز . كانت الأمطار تخفي بعض الأجساد وهي تمضي بعيدا لتستظل بالأبنية وأسقفها. ظل وحده في وسط الميدان يقضم حبة طماطم ويدفع بجزء من الرغيف الطري في جوفه.

الرغيف أوشك على الانتهاء وحين انتهى تماما من التهامه همس في صمت مخفور بارتعاشة خفيفة : الحمد لله. ثم اندفع مثقلا بالآثام نحو الورشة.

 

صورة قديمة

 

ليس هذا وقت تحديق في صورة الزعيم . الوجه مبتسم والذقن حليق . أمس تأمل وجه أبيه المتغضن واكتشف وشما قديما أسفل الذقن. أكتشف أن الشيب قد غزا الرأس الذي دكته الفواجع ، وأناخ الكتف الذي ضمه كثيرا . لقد ألفه بعد أن هربت أمه من الفقر والبيت ومرضه المميت . بحثت عن زيجة أخرى مريحة. أرسل لها الورقة مدموغة بختم أسود دائري دون أن يدفع رسوم الطلاق . لقد أخفق في أن يخفي عني أحزانه. كان كلما هبط الليل علينا ـ أنا وهو ـ خبأ رأسه قبل أن يختلط سوادها ببياضها في البطانية وراح في نحيب مكتوم . يأخذني في نوبة البكاء معه وهو لايدرك أنني أهتز باهتزاز صدره المسلول. حين سعل وبصق دما أوشكت أن أقولها له فارتج عليّ الكلام. كنت أود أن أقولها له: أبي . أنني احبك.

 لكنه استسلم للنوم وتركني أتخبط في حيرتي . حين خرجت الآن وجدت صورة الزعيم تضحك في سعادة لم يعرفها قلب أبدا.

 

 في البيت  الثاني

 

ذهبت إليها في بيتها الجديد. كانت تلبس فستان ستان أحمر خفيف وفي عينيها بقايا نوم . قالت : أدخل.

 سألتها : هو في الداخل؟

هزت رأسها بمعنى : أبدا.

 دخلت إلى الصالون ، قدمت لي كوب حليب فعافته نفسي .وقفت أتأمل الصور . كانت تمثله وهو مكشوف الصدر.  يظهر عضلاته المدهونة بزيت الزيتون لاشك. بطل سابق لرياضة كمال الأجسام. كان له رأس ضخم وفكين عريضين وابتسامة ممسوخة : إجلس.

حسبتها ستبكي عندما ستراني وستنهار في ارتجاف أليم. وجدت العكس . كانت تتمترس خلف كلام منظم وعبارات مصقولة . لاحظت أن الغرفة لا تدخلها شمس فمددت يدي لأفتح الشباك . نهرتني : هو لا يريد ذلك.

نسيت أنني جئت لأخبرها أنني بحاجة لنقود كي أشتري دواء لأبي المصدور, مدت يدها بمبلغ محترم. ملت نحوها . في لحظة مباغتة عضضت اليد . سقط المبلغ على السجادة .  عدوت في الطرقات وصراخها يلاحقني : ياابن ستين... كلب.

 

برص

 

توقع أبي أن  يموت بعد أشهر قليلة . طلب مني ـ لو حدث ذلك ـ أن أذهب إلى عمي توفيق كي أحصل على نصيبه في بيت قديم . ما جرى  عكس ذلك تماما . مات عمي بعد تعرضه لنزيف حاد في المخ. وقف أبي في الصف لتلقي واجب العزاء . بجوار باب المقابر الخشبي المفتوح على مصراعيه. كنت أرقبه يتمتم بدعاء لا أعرف متى حفظه. كانت النسوة تمر علينا بخوص أخضر زاه . أما  الأهلة فترتفع أعلى الحدبات فيما صوت الشيخ يأتي متعجلا . صوت مفعم بالطمأنينة التي غادرتني نهائيا يوم فرار أمي . أمي بثينة الطويل. ياله من اسم يشدني إليه بعد أن تخلى عني في أشد الأوقات صعوبة. قالت لي بعد أن مرت أعوام على واقعة العض . بصوت فيه انكسار خفي : كان معك حق . لكنك آلمتني .

خلعت أسورة ذهبية على شكل حية رقطاء : خذ وابحث عن بنت الحلال , تزوج على سنة الله ورسوله.

هززت رأسي متهكما ، وقلبي يفيض بالمرارة : لم أعد أثق في امرأة .

امتصت برقة مصطنعة دوي السخرية بهدوء قتلني : جرب حظك.

تركت يدها ممدودة وذهبت.  سم الدنيا يسري في جسدي . للبيت القديم ذهبت . وجدت  أبي نائما بعد أن عاد من المقبرة . هززته بقوة خوفا من أن تكون الحسرة قد قتلته فبحلق في وجهي مندهشا : ماذا بك؟

 صحت فيه غاضبا : لماذا خدعتك امرأة  ؟ لماذا لم تدافع عن شرفك بالدم ؟

فتح عينيه أكثر وحملق في السقف . رأيت البرص يتحرك على الحائط المواجه للسرير النحاسي ،  والذي طلي بالجير: جوابك يمكن أن تعرفه لو تتبعت البرص !

 

مقابلة

 

قابلت منال في حديقة عامة . كان الأطباء قد سمحوا لأبي أن يخرج للتنزه ، ونصحوه بالامتناع نهائيا عن التدخين. وجدتها تلاعب طفلة صغيرة بكرة كبيرة ملونة.  أتاح لي قدومي المبكر للمكان أن أفحص كل من يأتي بعدي . جاءت الكرة ناحية أبي . وجدها فرصة كي يشوطها . ابتسم لي وهو يصيح في نوبة مرح مفاجيء : شوط الدنيا. ملعون أبوالزعل.

في غمرة حماسه انكفأ على وجهه وشجت رأسه حين اصطدمت بحجر في الحوض المقابل لها. جاءت تساعدني . منال حسين حسان. ممرضة ، وأرملة. هذا ما عرفه أبي عنها حين ذهبت لأحضر حقنة ضد ال"تيتنوس" فيما تولت هي تضميد جراحه.

ابنتها جميلة وأمورة . في وجهها كل إشراق الكون. رحت أتشاغل عنها بتفحص المتريضين في الحديقة .استأذنت أبي لحظات وعدت بشطائر محشوة بالجبن الرومي والزيتون الأسود. جلسنا أربعة على العشب وكان يمسك رأسه من وقت لآخر ، وهو يهزها : منال بنت حلال .

كانت في إصبعي دبلة من الفضة رآها ، وضحك ، قال يلمح بخبث ظاهر: ابني مقاطع الزواج ، ولكنه يحب الأولاد.

 خجلت وأطرقت قليلا ثم سحبت الطفلة من يدها وذهبت لتغسل يديها في الحوض القريب .

 قلت له معاتبا : لقد أحرجتها.

 زغر لي في عتاب ممزوج بحزن قديم: قد يكون حظك أحسن من حظي.

 بعد شهر ونصف من المناورات ضمنا بيت ، وعشنا تحت سقف واحد . بارك أبي الزواج ولم تحضر أمي لأننا حرمناها من تلك الفرحة عن قصد . لا أعرف لماذا بكيت فور أن اغلقنا خلفنا الباب . طوقتني الأحزان التي خلتها رحلت. مدت يدها وأسدلت الستائر لكنني فتحت الشباك . واربته قليلا فشعرت بأنني أحسن حالا.

 

غريب

 

زاد راتبي من عملي بوزارة الزراعة ، واكتفى أبي بمعاشه بعد أن امتنع عن التدخين . أنجبت زوجتي طفلا حرنا في تسميته. أرادت منال اسم أبيها حسين . فكرت في اسم نجيب الريحاني لأنني كنت أحب أن أشاهد أفلامه ، ولكن رجل السجل أخبرني أن هناك ما يمنع التسمية باسم ثنائي منعا للتلاعب في مسألة التجنيد. اشتبكت معه في الحديث قلت أن الرضيع أمامه 18 سنة حتى يتم تجنيده. هذا لو عاش . أصر على موقفه، فسألت نفسي : ماذا لو أن أمي معي ؟

 لم تكن تعرف أنني أنجبت ، وقد استخفها الفرح وهي تجد نفسها جدة إذ لم تنجب من لاعب كمال الأجسام فقد كان عقيما ، أبتر. سألتها وأنا أصوب نحوها نظرة تشف : ماذا تقترحي أن أسميه ؟ فغرت فمها دهشة : أنا ؟

 قلت وقد تداعت أمامي كل الذكريات المهينة : هو أنت . عليك الاختيار .

لم تصدق ما أنا بسبيله . تمالكت نفسها: اسأل أبيك . هو من رباك.

هشمت مرآة الصالة بقبضة يدي ، وأنا اصرخ فيها بكل قسوة ممكنة : أمي , لماذا فعلت بنا ذلك ؟

 بطرف ثوبها مسحت خيط الدم . قالت في لوعة : إذهب للمستشفى.

 قلت وأنا افتح باب الشقة عن آخره , سأسميه غريب .

 نزلت الدرج ورياح الانتقام تعصف بي . في مواجهة النهر وجدت المحبين . اثنان أثنان،  وصفحة الماء بدت ساكنة . عدت من مكتب السجل المدني ورفعت كتلة اللحم. قبلته وأنا أهمس في أذن زوجتي : اسميته "غريب " .

 

أسئلة.

 

واتتني على عجل .  صوته الواهن سكنته بحة منكسرة . قالت أن فصيلة دمه غير متوفرة ، وعليّ أن أتبرع بشيء من دمي لننقذ حياته. كان وجهه مصفرا ونفسه مكروشا . جاء الطبيب وكشف عليه . عرف أنني زوج الممرضة التي تعمل معه فتصرف بلطف واختار له سريرا بالدرجة الأولى رغم رقة حالنا.  قال لي وهو على فراش المرض ونوبة صدق تأخذ بخناقه: لا تظلم أمك. أنا السبب في رحيلها.

حدقت في ارتعاشة جسده ، وزاوية فمه تخرج زبدا أبيض : لم تخبرني من قبل. أعطاني ظهره وأغمض عينيه : لا نقول كل ما نعرفه.

مددت يدي ، فسحبوا لترين من الدم . في اللحظة التي دسوا الأبرة في الوريد نفث دما من فمه . أظلمت عيناه ورحل . وصيته ترجمني بأسئلة لا قبل لي بها . من يقف معي في صف تلقي التعازي ؟

 

 

موال للحزن.

 

لقد مات يا أمي . زوجك السابق والأب لإبنك الوحيد. هل كان قاسيا معك ؟ هل كرهت أنفاسه وسجائره ؟ لماذا تخليت عنه وهو يعاني من مرض الصدر وسعاله يحول قطعة الليل إلى عذاب تتناثر نجومه على ملاءة السرير؟

أتذكر يا أمي يوم توجهنا إلى مولد السيد البدوي وذهبتما سويا إلى الضريح ودرتما سبعة اشواط ورأيتما قدم النبي مطبوعة على الصخر في ركن الجامع. وقوالب الحلوى وأمشاط السمسمية والحمصية وحب العزيز. هل كان مذاقها حلوا كما أخبرتينني يومها أم كذبت علي ّ مخفية مرارتها ؟   المجاذيب كانوا منتشرين في كل مكان وكنت تتبعين أبي ذاهلة وهو يمسك يدك وأنت تتبعينه في رضا وأنا بينكما أسير في ظليكما .

ما طبيعة اللحظة الفارقة التي قررت فيها أن تجعليني غريبا في الكون؟

 الغريب هو أنا وليس هذا الطفل الذي هو حفيدك.

كان يبصق دما وكنت توارين وجهك وتسددين نظرة محملقة تجاه السقف. هل كان البرص يتحرك ويشير بطرف خفي لمسألة انتهاء الوثاق الإلهي حين كف الرحم عن احتضان ولد أو بنت أخرى. مات أبي وليس لي شقيق . " غريب " وحده هو من سلسال جدودي وقد تسلل إلينا عبر الأزمنة.

هيا قصي قصتك ولا تقفي أمامي كالمبهوتة ودمعك وحده يختصر كل الإجابات ويعيدها كأبررفيعة  توخزني وستظل تؤلمني حتى الممات.

 

 

إمالة

 

أجلس بعد عشرين عاما على طرف سريرها بعد أن مات صاحب الصورة المدهون جسده بزيت الزيتون . ترمق غريب وقد نبت شارب خفيف فوق شفته العليا. تهز رأسها وهي تتنحنح: له طابع الحسن مثلك في صغرك.

كانت منال تقف في الخارج وبيدها ترمومتر الحرارة تنظر إلى العلامات وتطمأننا. جلست بارتياح ولم تكن السحب الرمادية متثاقلة ككل مرة فانقشعت الظلال ورأيت شعرها الأحمر المصبوغ بالحنة الجاوي التي كانت تخفيه عني كلما زرتها بغتة.

مدت يدها ولامست أصابع غريب . أي روعة تلك التي شعرت بها وهو يقوم من مكانه ويأتي بكوب ماء . يميل رأسها نحو صدره العريض . يسند جذعها . يعطيها حبة الدواء . هتفت به وهي تعتدل ثانية في سريرها : يخليك ربنا .

 وددت أنها فعلت ذلك مع أبي فأمالته ، وسقته ودعت له. هو الآن ومنذ سنوات بعيدة في قبره المظلم وحيدا . وأنا هنا أحمل عنه أحزانه القديمة . لا يمكنني أن أغفر لها تخليها عنه وقت المحنة . لا أجرؤ أن أنساها. تلك التركة التي أورثني إياها. دخلت منال وعدلت رأسها . خرجت بعد أن أغلقت الباب وتسمرت عيني على السحب الرمادية وهي تمضي جنوبا بنفس حزنها السرمدي المقيم .

 

دمياط  5/5/2007

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

w w w .    A    r    a    b    i    c    S    t    o    r    y    . n e t

جميع الحقوق محفوظة لشبكة القصة العربية 2001-2007