[ أهلاً بالضيف الكريم ] 
للتسجيل
أنت الزائر رقم

إحصائيات الموقع

الدول المشاركة
عدد الكتَّاب
عدد النصوص
عدد الكتب
عدد التعليقات
عدد القراءات
عدد التوقيعات
عدد المشتركين
كتَّاب في الانتظار
نصوص في الانتظار
 
الباشا المرمطون 
التاريخ:  القراءات:(5067) قراءة  التعليقات:(10) تعليقات  إهداء لصديق طباعة التعليقات أضف للمفضلة

  قصة ، من : سمير الفيل  

الباشا المرمطون

 

بقلم : سمير الفيل

 

                صفاته :

 

بدهائه وطول باله تمكن خلف خلاف أبوالصعب من أن يصبح أكثر موظفي وزارة العدل انضباطا ، وأولهم إدراكا لأهمية احترام الصغير للكبير مهما كان الأصل المتواضع ، فخدمته للواصلين العالمين ببواطن الأمور ليست محل شك ، فهو العارف بأصول الفطنة والكياسة في كافة أمور الأفراح والأتراح ، وهو تابع أمين للقابع خلف المكتب البيضاوي مادام الرجل الكبير يعتلي الكرسي الدوار ، زد على ذلك أنه منضبط إلى أقصى درجة فلم يؤخذ عليه ملاحظة واحدة حول أن يكون من أصحاب الأيدي الخفيفة التي تسرق الكحل من العين كما أنه رجل محافظ ، وليس له في أحوال الكيف من حشيش وبانجو وغيره أو البص على النسوان والتلاعب بالعين والحاجب للإيقاع بهن ، واللعب على مشاعرهن الرقيقة ، لذا فقد كان حاسديه في غم عظيم لأن لا أحد فيهم قادر على إزاحته من مكانه ؛ فالوشايات مهما كانت مغيظة فهي كيدية لاشك في ذلك . تنتهي عادة إلى تكذيب مؤكد ، وعلى المفترين الأغبياء تدور الدوائر فيخسف الله بهم الأرض مهما تمترسوا بدعوات أمهات صالحات رؤوسهن مكشوفة في ساعة استجابة .

 

نجابته :

 

 ينقل عن زملائه في كفر جاموس أن خلف لم يكن بليدا في صغره ، ولم يكن ذكيا ، لكنه كأغلب أطفال الريف كان ممتقع الوجه من آثار البلهارسيا وهجمات الأنكلستوما ، وقد مـُـد على قدميه وضرب ب" الفلقة " أكثر من عشر مرات لأنه لم يحفظ "جزء عم " على بساطته . ويقال والعهدة على الراوي أنه كان يتلقى العلم في الكتاب ، وفجأة ترك جلسته على حسيرة مولانا وانطلق كالسهم باتجاه حقل البرسيم ، وعاد بعد دقيقتين لا أكثر وفي يده حمامة حية . مد يده للشيخ أن خذها . لكن الرجل رغم عماه لسعه بالعصا على صدغه الأيسر ووبخه لأنه ترك المكان بدون إذن . قبل أن يرد خلف على السؤال المحير: كيف فطنت لسقوط فرد الحمام في حقل البرسيم المحاذي للترعة  جاءت أمه بعد أن حدثها قلبها أن حادثا جللا وقع للمحروس ابنها ، فرقته بالشبة والفسوخ ، وهي التي دستها في عبها فور خروجها، وقالت لمولانا : صلي على النبي في قلبك. ربنا قذف في قلبه نور كي يرى الحمامة بعين خياله وهي دائخة في الفضاء فسارع بالإمساك بها . لكن الولد خلف كان له رأي آخر عندما رد على أمه بأنه سمع نحيب الحمامة الذكر فأدرك وجود مصيبة في السرب ، ولذا أطلق ساقيه للريح وهي مجرد نقطة في آخر الأفق حتى سقطت بين يديه ، ولله في خلقه شئون .

 

هشاشته :

 

يقال أن قوته في ضعفه الجسدي  فقد كان يشعر بوجع شديد كلما مشى على قدميه مسافات طويلة ، وربما لهذا السبب وحده قرر أن يجرب مشية " السلحفاة  " ، واختبر قدرته على الزحف على يديه وركبتيه في الذهاب والعودة من المدرسة ، وقد تم تعويضه عن ذلك المسعى تعويضا ربانيا إذ كثيرا ما عثر على قطع نحاسية أوفضية من النقد الذي أسقط في الليالي التي بلا قمر من بين أيدي الناس في عودتهم للقرية ، وفي مرة وجد فردة قرط ذهبي  متموخ ثـُـمن بعشرين جنيها ، وفي مرة أخرى أمسكت يده خلخالا رنانا من معدن مجهول  ، ولكن الصائغ قال إنها مجرد مصوغات قشرة لا ثمن لها واكتشف الملعوب بالذهاب للبندر وبيعها بثمن لم يحلم به أبوه الغلبان الذي يجهز للفواعلية أكواب الشاي أمام المباني التي هي في طور التشييد.

حين دخل الثانوية لم يكن مناسبا له الزحف ، ففكر في حيلة ليستمتع بهوايته وذهب للمكتبة العامة وأحضر كتابا عن " الحرس الوطني  " وفيه صور العساكر تزحف مؤدية مهامها الخطيرة ، وعلـّم بقلمه على تلك الصفحات ، وطواها بعناية . وقف في طابور الصباح وألقى  كلمة إذاعية عن فوائد الزحف في الحرب والسلم. وفي نهاية الثانوية العامة حصل على مجموع متوسط أهله بصعوبة لدخول كلية الحقوق مع أبناء البشوات والبهوات وكبار القوم فكان الزاحف الوحيد بينهم .

 

عصاميته :

 

نضجت شخصيته في أوائل حكم الرئيس جمال عبدالناصر ، وكان كلما سمع الصيحة الشهيرة : " ارفع رأسك يا أخي فقد مضى عهد الاستعمار " رفع رأسه محاولا أن ينظر لصفحة السماء  وما إن يفعل حتى يشعر بطقطقة في عنقه ، ويشعر بأن روحه تنسحب من بدنه . قال ذلك لزملائه في المدينة الجامعية فأشاروا عليه بالذهاب للطبيب ، ولكنه لم يفعل ، وقد اقتنع أنه مثل جيله قد جاء في موعده مع القدر حسب مقولة الزعيم الذي طالب بالزحف الثوري وهو الشيء الوحيد الذي كان قادرا عليه . انضم إلى التنظيمات الثورية المطالبة بمحاكمة قادة الطيران بعد هزيمة يونيو 1967 ، وخرج في مظاهرة سلمية للمطالبة بالحرب الشعبية ، وقد ظفر بلكمتين وكدمة زرقاء في وجهه ، وضربه عسكري الأمن المركزي بعصا كهربية جعلت رأسه تدور ، وناله من الطيب نصيب برفسة مؤكدة بين فخذيه جعلته يوقن أن السياسة بنت ستين كلب بدون أي تجميل أو تزويق ،  ولما أغشى عليه ، حمله الرفاق لباحة بيت عائلة مستورة . أناموه ، ورشوا الماء المثلج على وجهه فأفاق وهتف به الجميع : قم يا بطل ، واصل مسيرتك المظفرة .

 كانت المرة الأولى والأخيرة التي يلعب فيها هذا الدور .  حمل أوجاعه كوسام ومشى يتبختر في ساحة الكلية ، ولمح البنات يشرن بأصابعهن إليه : البطل ، البطل قادم .

 في ركن من كافتيريا الكلية استلف دفاتر المحاضرات من أجملهن ، وسهر الليالي في نقل الدروس ، وأتعبته رأسه وهو يذاكر المواد والقوانين بين جنائية ودستورية ومدنية . لما انقطع مصدر دخله لوفاة أبيه تحت سلم بيت قديم كان ينصب فيه عدة الشاي تبناه أحد الأساتذة بعد معرفته ببطولته يوم المظاهرة . طلب منه أن  يعطي درسا خصوصيا لابنته الناهدة الكاعبة التي تطل على شرفة الثانوية العامة بقلب محب  ، فلم يكذب خبرا .  وقد رآه زملاء له يمسك بسلة من الخوص لها يد مقوسة حيث كان يشتري الخضر والفاكهة والخبز البلدي الملدن لأسرة الفتاة ولولي نعمته المدرس الجامعي . وهو ما نفاه في حينها بكل حسم لأنه من غير المعقول أن يدرس اللغة العربية والدراسات الاجتماعية ويقوم بمهنة الشغالة في نفس الوقت والمكان . صحيح خسئت كلماتهم . من المرجح أنها إشاعة بالغة السوء لحقت بهذا الشخص وإن لم يستطع نفيها تماما لأن المنظر تكرر مع طلاب آخرون رأوه في ذات الموقف .

 يقال أن الأستاذ الجامعي ضبطه يقبل ابنته حين فتح باب الصالون فجأة ليسأل الشاب المهذب عن مستواها التعليمي ، وقد طرده شر طردة رغم أن خلف  أقسم له أنه كان يقيس درجة حرارتها بوضع فمه على خدها كما تفعل أمه المسكينة عادة ، وهو الأمر الذي لم يقتنع به الدكتور حيث يوجد في البيت ترمومتر طبي في جراب جلدي للقيام بنفس الغرض . كان يمكنها أن تخبره بوجوده ليستعمله في معرفة درجة حرارتها  . يبرر الحاسدون مزاعمهم برسوبه في تلك السنة ، لكنه بقوة إرادته تجاوز الكارثة ، وتخطى أكبر عقبة واجهته في حياته ، وبتقدير مقبول حصل على الشهادة . ولم تمض غير أشهر قليلة حتى وظفته وزارة القوى العاملة في وظيفة بأدنى درجات السلم الذي استقر في قاعه إلى حين ميسرة .

 

 تجنيده :

 

لا أحد يعرف كيف اختاره ضابط السرية المشاة ليكون عسكري " مراسلة " فهي مهمة ثقيلة على نفس الإنسان السوي ويختار لها دائما العساكر " العادة " ممن لم يحصلوا على أية مؤهلات . وقعت العين الخبيرة عليه فأخذوه من طوابير الاصطفاف ، وساحات التدريب ، وأقعى يغسل بالمياه والصابون في طست بلاستيكي كبير ملابس الرائد بعد نزع دبابيره ، ووضعها بعناية فوق الدولاب الميري ، وكان مدربا على إعادة طهي " اليمك " ، وتسخين الجراية ، وتنظيف الخيمة بالمقشة الجريد ، وفي ركن مخفي كان يمسح البيادة الضباطي فتلمع كالمرآة.

 ومن رضا الرائد عليه حدث أنه رقاه بسرعة فحصل على شريطين ثم أربعة ، وأعفاه من مهمة ضرب النار في قمة " فايد " ، رغم أن هذه مسئولية جسيمة تودي بالمقصر إلى الحديد.

ربى خلف شاربه ، وكان يستغل فترة نزول الضابط في إجازته الميدانية فيجلس في صدر الخيمة ويضع ساقا على ساق ، ويقرأ الصحف الرسمية الثلاثة ثم يحل الكلمات المتقاطعة ، ويشرب الشاي المخصوص بلا كافور.

 ولما تحركت الكتيبة للنسق الأمامي ، تركه الرائد في المؤخرة ، ونشبت حرب 1973  دون أن يطلق رصاصة واحدة ، ولقد استشهد من سريته بالمشاة حوالي سبعة شهداء وجرح عشرين وبقى هو سليما . ولما وقعت محادثات الكيلو 101 في طريق السويس القاهرة يقال أنه قد كلف وحده دون غيره بعمل الشاي للمتفاوضين .

 وبعد مرور عام حصل على شهادة آداء الخدمة العسكرية مع تقدير " قدوة حسنة " . ومن المفيد أن نذكر في هذا الموقف أن لا أحد أوصله  ، وشال عنه المخلة ـ كما هي التقاليد المرعية  ـ فيما هو يودع حياة الجندية متجها لمكتب التعبئة ليدرج في سلك الاحتياط بل تركوه يمضي وحيدا ، ورآهم بعين رأسه يشوحون له بأيديهم ، ويصدرون من حلوقهم أصواتا أشبه بالشخير!

 

عمله  :

 

يخطي من يظن أن الصعود إلى القمة شيء يخضع للحظ أو المصادفة بل هو أمر تحكمه قوانين في غاية القوة والانضباط . ولو أنك طلبت مني أن أضرب لك مثالا بما أقصد لما وجدت أفضل من سيرة حياة خلف خلاف أبوالصعب.

 الرجل بدأ من الصفر ، فبعد خروجه من الجيش أشاع أنه من أبطال العبور ، ولهذا أكرموه بالنقل من مبنى حقير في مدينة منسية  إلى ديوان رئيسي  تابع لوزارة العدل بالعاصمة ، وبالرغم من الظروف الاقتصادية العصيبة التي مرت بالبلاد فور خروجها من ضائقة الحرب فقد خصصوا له مكتبا وعينوا له ساعيا كهلا يفتح له الباب ويغلقه بخفة ، ويضرب له تعظيم سلام كلما أطل بوجهه البهي .

ما حدث بعد ذلك أمر أغرب من الخيال إذ طلب خلف إعفاء الساعي ، وأحضر منشة من الخوص كان يستخدمها في شئون التنظيف ، وبطريقة سرية أدخل إبريق شاي للمكتب ، وكان يعد القهوة المضبوطة لرئيسه المباشر محوجة بالحبهان حتى نال الرضا ، وحصل على ترقيتين وأدرج اسمه في القائمة التي سيكرمها الباشا الوزير في الاحتفال السنوي .

 وحدث ما عجل بقفزاته المحسوبة حين حضر الاحتفال وقد ارتدى بدلة جديدة من الكشمير كان قد اشتراها بالتقسيط ، ولما نودي على اسمه صعد إلى المنصة وتسلم شهادة التقدير ، وبدلا من الهبوط للقاعة اتجه من فوره إلى مكبر الصوت ،وأخرج من جيب سترته ورقة مطوية ، فردها ، وألقى قصيدة عصماء في مدح السيد الوزير الذي اعتبره شبيها في الشكل والأفعال بسيدنا عمر بن الخطاب ، وكأنه قد رآه وعاينه ، وفور الانتهاء من إلقاء القصيدة اقترب ثانية من المنصة فصافحها فردا فردا ، حيث ضجت القاعة بالتصفيق ، وانتفخت أوداج خلف ، فيما سرت في القاعة همهمة أنه سيطرد لا محالة للنفاق الواضح في متن القصيدة فيما سرت نغمة مختلفة تشي بصعود نجمه . ونظرة واحدة لوجه السيد الوزير الباشا حسمت الأمر لصالحه ، وقد حدث أن الحفل انتهى فإذا بالباشا الكبير تحين منه التفاتة للموظف الجديد فيهز رأسه في حبور وهي اللفتة التي انحنى لها جسد خلاف حتى أن رأسه كادت تلامس الأرض،  وسـُـمعت في القاعة رفرفة حمامة كانت قد هبطت منذ سنوات بعيدة في الحقل خائرة القوى  بعد مجهود عنيف.

 

زواجه :

 

من القلب للقلب رسول . هذه هي الحكاية بالضبط . كان مكلفا بإحضار ملفات قضايا خاصة بالمجلس الحسبي ، وهو تكليف لا يحظى به سوى الموثوق بهم من دائرة القلم ، وخلف خلاف سمعته كالجنيه الذهب ، وعليها فقد ذهب وأحضر الملفات ، ووضعها على مكتبه ريثما يلتقط أنفاسه . دخلت في تلك اللحظة امرأة فاتنة الجمال تلبس الأسود ومعصمها تطوقه أسورة من الماس الحر يخطف الأبصار ببريقه . كانت مضطربة الأنفاس لصعودها درجات السلم بعد تخصيص الأسانسير لكبار الموظفين ومنهم خلف ومن يعلوه في المقام . بإحساس الصياد تأكد أنها الفريسة المنتظرة . كان اسمها نازك . شكلها يوحي بالثراء والفتنة والجمال الذي لن يغرب قريبا. قرب مقعدا وأجلسها . طلب كوب ليمون مثلج، وبعد "س " و" ج" عرف أنه قد وقع على كنز ثمين فصحبها للمكتب المطلوب تسوية أوراقها أمامه ، وغمز بعينه للموظف المسئول  أن يأخذ باله منها لأنها قريبة له وسوف يوافيه بالملف حالا .

بعد يومين لا بل ثلاثة أيام استقل القطار ، وتوجه إلى أمه وصحبها للقرافة كي يقرأ الفاتحة وتقرأها معه على قبر المرحوم خلاف أبو الصعب . سألها أن تبارك زواجه بسيدة من العالم فوق الفوق . ضربت يدها في صدرها حين عرفت أنها أرملة لها ذرية ، وسبق لها الزواج . هزت رأسها : يفتح الله يا بني بنات القرية على قفا من يشيل . هزها من كتفيها : لا سبيل أمامنا للصعود إلا بأن أتزوجها.

سألته عن موعد عقد القران ، والفرح فرفع سبابته لتتقاطع أمام شفتيه المزمومتين : هس . أي فرح ؟ الفرح فرح القلوب.

شعر معها بعد ليلة الدخلة أنه يغرق في بحيرة من عسل ، ولم تكن غريرة لتوقع له على توكيل عام لإدارة أملاكها الخاصة ، وكان المجلس الحسبي قد عينها وصية على التركة حتى يكبر الصغار ، فأسقط في يده .

 وقف أمام المرآة وتأمل نفسه في الروب الحريري الأحمر بعد أن نزلت لزيارة أهلها : متعة ما بعدها متعة ، والمال يأتي فيما بعد.

اخضرت بطنها بالحمل ، ولم ترتح لطريقته في التعامل مع مالها ، وحدث بعد أن أنجبت فضيلة وكريم أن شعرت أنهما ـ هي وخلف ـ جوادان كل منهما يتجه لناحية معاكسة .

 حاولت أن توقف الانهيار لكن عينيه كانتا مركزتين على الثروة . رأت أن تجربه في توكيل بيت واحد من ميراثها فباعه ، ولما علمت ثارت في وجهه وطلبت الطلاق . رغم وجود البنت والولد فقد قايضها بالحصول على نصيبه من الثروة بعد أن باع شبابه لقاء تجربة فاشلة.

 صرخت فيه : أنت شقي ، تعيس ، طماع .

 لكمها في وجهها فسال دم ، وجاء الأهل ثائرين فلاطمهم ولاطموه . خلصوها منه بعد أن دفعت له مائة ألف جنيها عدا ونقدا .

 كان يرتب حقيبته الجلدية متجها للغرفة الوحيدة فوق السطوح التي عرفها أول تعينه.

الولد ينظر نحوه في خوف والبنت تبكي في حضن أمها نازك ، أما هو فقد وضع المبلغ المحترم في حقيبة سوداء صغيرة ودسها تحت إبطه . نزل السلم وهو يشعر بأنه يواصل الزحف نحو هدفه البعيد. تساءل في داخله : الزحف لأسفل خير وسيلة للوصول إلى الهدف !

 

نبوغه السياسي :

 

قيل : " ليس لعيي مروءة ، ولا لمنقوص البيان بهاء ، ولو حك بيافوخه عنان السماء " هذا عين العقل ، ورغم السجع الذي جاء به الجاحظ فخلف لا ينقصه في هذا المضمار لسان فهو فصيح بطبعه ، مقل في كلامه ،  ، غير مطعون في أصله إلا إذا اعتبرنا الفقر الذكر عيبا ، وهو ليس كذلك . لذلك عندما رفع الرئيس المؤمن يده وطلب " قلم الإمضاء" لتوقيع مرسوم إنشاء الأحزاب كان من أوائل من سارعوا للالتحاق بالحزب الكبير الذي يفتح ذراعيه لكل الساعين لخدمة الوطن عن طريق الزحف أو الجري أو التسلق على الجدران الملساء إيمانا منهم بوعورة المرحلة. يذكر في هذا الصدد أنه لما انتشر الانفتاح كان ممن قطفوا أحلى الثمار ومنها التفاح . نعم . أكل التفاح بكل ألوانه وأصنافه : أمريكي ولبناني وسوري وبلدي بل بلغت المهزلة أوجها بالذهاب إلى امرأة مسكينة في سوق الجمعة وشراء كيلو جرام من التفاح المفعوص المعروف ب " خد الجميل ".

هو إذن الخطيب المفوه في كل اجتماع ، والرجل المطلوب  في كل محفل . في الاجتماعات العامة يجلس في الصف الثاني أو الثالث وأحيانا يخدع حراس الأمن فيسحب الدبوس المثبت عليه اسم مدير المصلحة الحكومية ، ولا نكتمكم سرا أنه فعلها مرة وكان أن نزعت يده دبوسا قد خصص لكرسي مدير الأمن العام فاضطر الحارس المكلف بالسيطرة والتوجيه  لوخزه في صدره وإعادة تثبيت الدبوس .

هو مع الكبار لأن اللعب معهم مضمون . هم يحافظون على الاستقرار ، وبيدهم مفاتيح الوصول إلى السدة العليا . كما أنهم بكروش منتفخة ، وأعين متورمة ، وضحكة تشي بثقة لا حدود لها. ابن خلاف الرجل السرّيح على باب الله صار من النخبة ، ولم لا وهو الذي يشرف بنفسه على وضع خطط سحق المنافسين من اليمين المتحجر واليسار المغامر؟

 أهل اليمين سيدخلون الجنة طبعا في الآخرة لكنهم سيحظون بعذاب الدنيا وبهدلة السجون والجري في عتمة الأقسام ومنحنياتها القاسية  ، أما أهل اليسار فهم فاسدون ومنهم يكون حطب جهنم لأنهم كفار والعياذ بالله. هو منتم بالفطرة للمعتدلين في المأكل والمشرب وأمور السياسة . يشهد بذلك تنقلهم الذكي والعبقري بين التنظيمات العبقرية من الاتحاد القومي فالاتحاد الاشتراكي فمنبر الوسط . والغاية في كل مرة حل مشاكل الجماهير .

 جاءته صفعة من حارس الوزير ، وهو يوسع له كي يجلس فقد ظن أنه ينوي الاعتداء عليه ، ولما أسفرت الصفعة عن إهانة بالغة أمام شهود عيان تمت المصالحة في مكتب ضيق بحضور مسئول التنظيم وكلف خلف بشئون الأمن وخصصت له غرفة مفروشة بالسجاد الشيرازي وتليفون أسود بقرص دوار ومكيف يبخ في الحر برودة وفي الحرب بردا وسلاما.

 شيء واحد كان يضايق خلف هو أنه سمع لمرات فيما هو يمضي في طرقة الوزارة كلمة يتهامس بها موظفون صغار : " المرمطون" . في البداية لم يضع للأمر أية أهمية باعتبار أنها غمة وستزول لكن الأمر نفسه تكرر في الشوارع والأزقة والميادين بل أن جماهير غفيرة أشارت إليه حين أحرز فريقها هدفا في مرمى الخصم . صاحت الجماهير وهي تلوح بالأعلام نحوه في حقد وتشف :  " لاعبنا جاب الجون .. ياسلام على  المرمطون " . عندها فاض به الكيل وقرر أن ينصرف لفوره ، وألا يحضر مباراة جماهيرية بعد اليوم ، وجاء بلفة قطن طبي حيث انتزع قطعتين ، وبهما سد أذنيه وسار في أمان تحفه رعاية الرحمن .

 

صعوده الأخير :

 

قال ابن عبدالبر في بهجة المجالس : " لا أمل للأرعن حتى فيما هو أبسط من الشهادة لأن مجالسته مكروهة ومصاحبته مبغوضة " . وخلف غير مقصود بهذا القول بالمرة ، لذا نراه قد تولى منصبا رفيعا بعد أن ثبتت التقارير أنه من حفنة المخلصين ، ودفع به للصدارة وأحيطت ترقياته بستار من الكتمان ، وصار من الكبار الذين يظهرون في كل محفل بابتسامة واثقة ، وتلويحة يد تفيض بالتواضع.

أخفيت من ملفه كل الأوراق التي يمكن أن  تدينه في سلكه الوظيفي خاصة بعد بيعه لبيت نازك ، وجيء بالولد كريم وبالبنت فضيلة بعد مرور فترة الحضانة القسرية .  تم ضمهما للمنزل وعينت شغالة اسمها أم سيد جيء بها من كفر جاموس مسقط الرأس كي ترعى شئون البيت من طبخ ومسح وغسل خاصة أن خلف خلاف كان قد حصل على شقة واسعة بدورتي مياه بإيجار زهيد جدا وهبها له أحد المريدين نظير خدماته الجليلة للوطن.

 فظاظته جعلت الولد يقسم بالله إن لم يعيده لبيت الأم فسوف يلقي بنفسه من النافذة ، وبالفعل صعد على حافتها ، فأمسكت به شقيقته وصرخت في أبيها الذي طلع لهم فجأة كالعفريت : " الحق أخي . حرام عليك " .

 وافق على إعادتهما بشرط واحد هو أن تكتب نازك ورقة تتنازل فيها عن النفقة . ولما فعلت أخلى سبيلهما من البيت ، وجلس يحصي مكاسبه وخسائره بورقة وقلم رصاص فكان الرابح .

الآن ، وقد قطع كل صلته بشئون الحريم ، والبيت ، ووجع القلب . آن له أن يشغل نفسه بقضايا الجماهير ،وخدمتها تعويضا لها عن كل ظلم وحيف حيق بها  . كان مشروعه العبقري بتقسيم أرض قريبة من قريته شارك فيها أحد بقايا الإقطاعيين . النصف بالنصف ، والأوراق ستكون صاغ سليم والبركة في التوقيعات والخاتم المستدير ففي داخله النسر القوي بمنقاره الحاد ومخالبه الجارحة.

لا يمكن أن ينسى خلف خلاف أبو الصعب أنه ابن ريف ، وقريته لها عليه حقوق فكان أن اقتطع من التقسيم المعتمد قطعة أرض لتكون مسجدا وقطعة أخرى لتصير مدرسة ، وهو ما حقق له ولشريكه إعفاء تام من الضرائب.

مخطيء كل من يتصور أن خلف طماع أو جشع أو هجام بل هو سياسي محنك ، واقتصادي بارع ، وصاحب نظرة ترمي لبعيد.

نصحه صديقه مختار الأسيوطي أن يستفسر عن حظه المائل مع النساء فذهب لقرية أم العطا ، وقابل الشيخ صراف الذي يغيث المربوط ويزوج العوانس ، ويفك الأعمال . ظهر له ما كان مختبئا وراء السطح الساكن  الظاهر فقد عثر الشيخ على العمل ، ونبه إلى المكان تحت عتبة البيت مباشرة فإذا به عرف ديك فيومي مشبوك بظلف جاموسة مع عشرة جنيهات من أيام الملك فاروق الأول ملك مصر والسودان.

 ما إن انفك العمل حتى شعر خلف وهو يشرب كوب عصير الأناناس أن صدره قد انشرح ، وأن الدنيا قد ابتسمت له أخيرا ففتح مائة علبة عصير بيده لزبائن المقاهي المجاورة رغم أن الكل كان يناديه باسم الجديد " الباشا الكبير" . حدث أن  شابة حسناء تبيع البوظة دقت على بابه وسألته إن كان يشتري شيئا من الوعاء الفخاري المختمر داخله الشعير . شهق لمرأى هذا الجمال الرباني ، وجعل أم سيد تدخلها . سألها عن أصلها وفصلها ، ولما علم منها أنها خالية ، بلا زوج أو ابن عرض عليها الزواج فمالت برأسها خجلى كالبنات الغير مجربات . زغردت أم سيد وارتجت الحارة بفرح عظيم ، وجاءت مزيكا " حسب الله " بعد أسبوعين بالتمام والكمال . دقت الكاسات والصنج ، ووقف المايسترو يعزف مارش "والله زمان ياسلاحي " .دخل الباشا الكبير دنيا وإن لم تستطع الصبغة إخفاء شعره الأشيب ؛ فقد نفرت خصلة أوجعت قلبه وقلب العروس .

 

نهاية غيرمؤكدة :

 

لا أحد يعرف بالضبط كيف كانت النهاية . وجد خلف خلاف أبو الصعب مطعونا بسكين في ظهره وقد فاضت روحه فيما عيناه جاحظتان ، شاخصتان نحو السقف . كانت أم سيد قد حضرت من كفر جاموس ومعها فطير الصباحية المشلتت وكوب ممتليء حتى الحافة بعسل النحل ، وصحن به قطع الجبن القريش . طرقت الباب فلم يفتح أحد. خشيت أن يكون قد حدث مكروه لمولاها وتاج رأسها . نزلت وسألت البواب عن سر عدم إجابة أحد لطرقاتها .

تذكرت أن معها مفتاح البيت منذ جاءت للعمل أول مرة . مدت يدها في عبها وأخرجت المفتاح الصديء القديم . وضعته بالثقب . دخلت تتنحنح ، وفي أثرها عويس معوض الذي وقع عينه على المنظر المرعب. تجمد الدم في عروقه ، وخارت قوى أم سيد فلم تتجاسر على الصراخ بل هوت مغشيا عليها. حين تنبه عم عويس للباشا مضرجا في دمائه صرخ صرخة هائلة زحفت على ذبذباتها  جموع من الحارة العتيقة ، وبحثوا عن بائعة البوظة فلم يعثروا لها على أثر. جاءت الشرطة ، ورجال البحث الجنائي ، وعكف المحققون على استجواب كل من تربطه صلة بالمجني عليه . قلبت الدنيا رأسا على عقب ولم يعثر على الجناة حتى وقتنا هذا.

لقد شيعت الجنازة ، وتقدمها صف من كبار رجال البلد ، وأمسك فيها عدد من صغار الموظفين ـ كانوا خلف النعش مباشرة ـ بالشهادات داخل أطرها المذهبة تشهد بعبقريته وفيض علمه .  أقيمت احتفاليات التأبين ، وسودت صفحات تتحدث عن إسهامات الرجل في دعم مسيرة الوطن . تبارى المخلصون في ذكر محاسن ميتهم الباشا ، وقد اقتنع الجميع أن هذا الرجل كان نابغة عصره ، وفلتة زمانه ، والمفوه العظيم للمرحلة ،لذا فلا يوجد من يسد الفراغ الذي تركه غيابه الدامي . ورد المشككون والحاقدون قولهم أنه كان أكبر دهل شهدته مصر الحديثة منذ بداية عصر محمد علي ، وأنا بطبعي لا أريد أن أميل لأحد الرأيين ،حسبي أن أدون ما أعرفه عن الرجل ،  وأنا في انتظار ما سيقوله المؤرخون بصدق وموضوعية عن شخصية خلف خلاف أبوالصعب المشهور بالمرمطون .

 

دمياط في 27/5/2007

 

 

w w w .    A    r    a    b    i    c    S    t    o    r    y    . n e t

جميع الحقوق محفوظة لشبكة القصة العربية 2001-2007