[ أهلاً بالضيف الكريم ] 
للتسجيل
أنت الزائر رقم

إحصائيات الموقع

الدول المشاركة
عدد الكتَّاب
عدد النصوص
عدد الكتب
عدد التعليقات
عدد القراءات
عدد التوقيعات
عدد المشتركين
كتَّاب في الانتظار
نصوص في الانتظار
 
المالح 
التاريخ:  القراءات:(5552) قراءة  التعليقات:(19) تعليقاً  إهداء لصديق طباعة التعليقات أضف للمفضلة

  قصة ، من : سمير الفيل  

المالح

بقلم : سمير الفيل

 

عم معاز طه حلاق حينا ، وهو رجل طيب القلب . لم أره يوما غاضبا . أمر به ، وأنا أحمل على كتفيّ أطقم السفرة متجها إلى الاسترجي . أرى يده تحرك المقص ، وأنا أتضاغط بفعل الكراسي الستة المصنوعة من خشب الزان . صوت المقص كأنه موسيقى تنساب من باب المحل  حتى آخر شارع البدري . أقلده بفمي مسريا عن نفسي : طق.. طق.. طق.

توشك أن تطسني سيارة كاديلاك سوداء طسة خفيفة . ينزل صاحبها ليتفقد رأسي وذراعي بينما أقوم بسرعة دون أن أبكي متغلبا على وجع رأسي . أمسح ببطانة القماش الكراسي ، متأكدا أن المفاصل لم تطقطق، ولا الزوايا أصابها أي تلف يجعل المعلم عبدالنعيم درة يخصم من جمعتي ـ مع الشخط والنتر ـ نصفها أو ثلثها .

أحب عم معاز طه رغم الواقعة التي لم أحدثكم عنها من قبل ، وجاء وقت ذكرها . أرسلت أمي أخي الأكبر مني بعامين ليعمل عنده ، فأعطاه المذبة وطلب منه أن يمسكها بقوة كلما جلس الزبون على الكرسي الدوار . يروح يحركها بلا توقف يمينا ويسارا ليطرد الذباب.

والمسكين تعلم الصنعة وأجادها ، وعرف كيف يحرك يده بشكل سريع حتى لا تتلكأ أسراب الذباب ، وهي في حارتنا لها طبع التنطع والتلكوء والتمسكن .

مساء الخميس أخرج عم معاز طه شلنا فضيا وهم بوضعه في يد أخي لكنه بناء على وصية أمي ـ ولكي لا يبدو فارغ العين وله أخلاق أولاد الأصول ـ  رفض بإباء . قال بصوت واهن لا حماس فيه : لا . أمي ستغضب .

 ماكاد يسمعها صاحب المحل حتى قبض يده ، وأودع الشلن جيبه العلوي وربت على كتف أخي : لا نريد أن نغضبها.

ولما وجد أخي أن الشلن بروعة استدارته قد أوشك على أن يطير منه قال بسرعة بديهة لينقذ الموقف : قلت أنها ستغضب لكنني سأفرح.

 صمم الحلاق على سماع العبارة الأولى ، وأصم أذنيه عما تلاها من عبارات ، ولكي يعوض المسكين الذي كان يرجع كل ليلة وقد كاد كتفه أن ينخلع من كثرة الهش أخرج من الدرج العلوي المصفوفة فوقه زجاجات كلونيا "555" بغطائها المذهب قطعة شيكولاتة ودسها في يده. رمى أخي المذبة ، ورفض الشيكولاتة وجرى في الشارع صارخا بأعلى صوته : ستذهب النار .. يا حما....

انقطم في فمه حرف الراء الأخير لأن أمي كانت قد أخبرتنا أن أولاد الناس الطيبين لا يشتمون الكبار.

أنا بدوري كنت لا أحب المعلم عبدالنعيم درة ، ولكنني أشتمه في سري مرات ، وكانت زوجته الست درية تهش في وجهي على النقيض منه . كان يأتيني في المنام ليفزعني ويطلب مني أن أشيل بيدي اليمنى الفواطة الخشب ، وبيدي اليسرى الأجزخانة بضلفتيها الزجاجيتين المتحركتين.

إن عنقي لا يتحمل الكراسي الستة بصعوبة فكيف بي ، وهناك قطعتان إضافيتان؟

كنت أسهيه ، وفي أقرب عطفة أقترب من أي رجل يكون في سن أبي ـ الذي رحل دون أن أحفظ ملامحه جيدا ـ وأقول له : والنبي ياعم. أنزل عني الطاقم لأستريح .

 كان كل الأعمام يوافقون ، وبهدوء ينزلون الكراسي المتشابكة أرجلها المسحوبة للداخل .

في مرة حن قلب عم كان بجلباب ريفي من الكتان الأبيض وتحتل وجهه غضون عميقة أعلـّـم بها الفلاحين . أنزل الكراسي وطلب لي واحد " كازوزة" .

يالله من يوم سعيد . الجرسون يأتي بالزجاجة المغبشة لترطب جفاف حلقي . زجاجة بكرش ماركة " كليوباترا" لونها أخضر محبب لطيف . يحرك يده بالمفتاح المعدني  ، فأسمع صوتها وهي تفتح بصوت متكتم : بق.. بق.. بق.

قبل أن يرمي الجرسون الغطاء المستدير بالبطانة الفـِـلين أطلبها منه وأحشرها في جيبي . أعرف أنه يمكنني يوم الجمعة أن أفك " الدبورة" بخمسة من الغطيان الصاج الأقل قيمة.

جلست واضعا ساقا على ساق ، ولأن حظي قطران فقد مر المعلم عبدالنعيم هذه المرة على المقهى بدراجته. تيقنت أنه لمحني لكنني أخفيت وجهي خلف الزجاجة . تصنعت أنني لا أراه لكنه كان قد رآني .  عرفت ذلك حين نزل من فوق دراجته الصدئة ، وشخط في وجهي : تشرب ياروح أمك كازوزة؟!

 وقف الرجل الفلاح في وجهه ، ورد الإهانة بمثلها ، وكأنه قد وجد سببا ليطلب لي الكازوزة : حرام عليك . تشيّـله فوق ما يستطيع . ربنا لا يرضى الظلم.

لما أحس المعلم أنه سيُـهزم في الجولة الأولى ركب الدراجة على عجل ، وهو يحمر لي عينيه ويتوعدني : لما ترجع لك حساب .

لم يعد لي مزاج كي أشرب ما تبقى بالزجاجة من ماء صودا مسكر منعش . زغر لي الفلاح محتجا لقهري المفاجيء : اشرب ولا يهمك .

 بعد لحظة سألني ، ربما ليختبرني : كم أجرك في الأسبوع؟

قلت كاذبا ، مضاعفا المبلغ ، وأنا أعرف أن من يكذب يدخل النار حدفا : بريزة فضة .

ضحك الرجل الفلاح ، وقد تنبه للخديعة : تستاهل أكثر.. خذ هذه أجرتك ، وإياك أن يضربك أحد.

قلت بصوت ضخـّـمه فرحي بالبريزة : لا يضربني أحد.

زم شفتيه مستغربا: لا أحد؟!

قلت مستدركا: إلا أمي.

تركني بعد أن أوصى الجرسون أن يحمـِّـلني الكراسي بعد أن ألتقط أنفاسي . ذهبت حاملا إياها للأسترجي . وجدته ينتظرني وبيده سيجارة مشتعلة ، والمعلم عبدالنعيم درة لا يشعل سيجارة إلا في الأزمات. زغر لي ، وتركني أخفف من حمولتي . فلما صرت بلا أحمال هددني بالخصم ؛ لأن الشغل لا يعرف المزاح ولا قعدة المقاهي .

 هززت رأسي ولم أخبره بالبريزة الفضية في قعر جيبي فقد كنت أتحسسها بأطراف أصابعي ، وألمس نقشها المتعرج في المحيط المدور بينما أحدثه . أدفن وجهي في الأرض متصنعا الطاعة العمياء فيما قلبي يرقص فرحا لأنني بالتأكيد سأركب اللنش ، وأغطس في المالح الجمعة القادمة من فجر ربنا.

لم أكن أعرف أن عفاف ستضع نهاية لأحلامي ففي اليوم التالي أرسلني أبوها لشراء " شوربة خضار" من السوق ، وطلب مني أن تصحبني ابنته لأنها تجيد الشراء . كنت أعرف أنه قد اختارها لتراقب الأثمان ؛ فلا تصبح هناك فرصة لهبش قرش أو نصف القرش .

في المسافة الممتدة من البيت إلى السوق كنت قد تمكنت من إقناعها بأن هناك شيئا يسمى القبلة ، وأنها مسألة بسيطة جدا، وممتعة. البنت تغمض عينيها والولد يضع شفتيه فوق شفتيها ، فتشتعل الدنيا.

 قلت: نجرب.

 قالت: أخاف.

قلت : واحدة واحدة ، لن تتألمي  .

 قالت بتردد : عيب .

 قلت بسرعة : عبدالحليم حافظ يفعلها في كل فيلم ولا أحد يكلمه بل أن صوره تملأ الجرائد ، والرئيس يكلمه بالهاتف إذا ربط رأسه بالمنديل ونام في السرير مريضا  .

 وافقت فيما نصعد البسطة الأخيرة ، وغمغمت : بسرعة.

 كنت أرقبها بنصف عين فأراها تنتفض كعصفور مبتل. تاهت عيناها . قالت بعد خمس دقائق أو أكثر: كفى .

 لما عدنا لسوق الخضار ثانية كانت ما تزال تمسح بطرف كمها الوردي شيئا استقر في شفتيها . لم تقل لأبيها أنني اختلست قرشين كاملين.

غير أن مروري على عم معاز طه عرّفني لماذا يقال دائما عن الحلاق أنه بارد وثلم. المسألة أنني كلما ذهبت عنده لأحلق يظل يختار الكبار ليجلسوا على كرسيه القطيفة ، ويهملنا نحن الصغار  دون مراعاة الدور ، أسمعه يقول لكل من ينتهي منه " نعيما" ، ويقبض يده على الأجر, ثم يلوح بالفوطة البيضاء ، وهو يقول له " مع السلامة " .

معي لم يقلها مطلقا ، ولا لوح بأي شيء حتى بالمذبة التي رماها أخي مرة في وجهه . كان يقول لي وهو يتثاءب : خلاص. روح على الورشة على طول.

كنت أطلب منه وضع البودرة البيضاء على وجنتي ورقبتي لكنه ينهرني ، فإذا ما أشرت له بسبابتي نحو زجاجة الكولونيا "555" قال بتجهم : عندما تكبر.

تمنيت في كل مرة أن ينفخ الله في صورتي ، وأكبر بأسرع وقت ممكن كي يفرك يديه بماء الكولونيا ، وهو يمسح وجهي ويبتسم لي بأدب وفير، قائلا : " نعيما " .

في يوليو عندما انتهت الامتحانات أخذني المعلم عبدالنعيم معه لرأس البر كي أساعد جماعته في نقل العفش .

 كانت العشة آخر شارع 77 ، وهي محاطة بأكياب البردي والبوص . كنت أريد أن أثبت له أن اختياره لي لم يكن عبثا ؛ فكنت أحمل الشماسي والمقاعد والمناضد بسرعة ، وقلبي يرفرف.

كانت عفاف تقف في البلكونة مع أختها الأصغر منها سعاد ، وكان بشير ابن المعلم قد جاء بطيارته الورقية ، وراح يخلي لها الخيط كي تعلو في السماء .

انتهيت ، فحدجني المعلم بنظرة متساءلة : اتفضل روح.. أركب اللنش.. وعلى البيت على طول.

انفتحت لي طاقة القدر عندما خرجت الست درية في روب نبيتي ارتدته فور دخولها العشة : دعه يلعب مع بشير .

 نظرت لعفاف فوجدت وجهها قد تورد أما سعاد فلم تكن مهتمة سوى بعروستها التي خلعت عنها فستان الشتاء القطني ، وألبستها ثوبا مكشوفا من الباتستا .

وافق المعلم بتمتمة خافتة ، وذهب إلى المقهى . قالت عفاف لأمها: أريد أن انزل المالح.

ردت أمها مترددة : الصيف طويل. نستريح اليوم وتنزلين غدا.

قال بشير وهو يطوي طيارته : سألحق بأبي في المقهى . أريده أن يشتري لي عوامة مطاطية .

جلست على درجات العشة الخشبية الرطبة أقرأ ورقة صفراء من جريدة " الأهرام" كادت تتفتت في يدي من القدم . جاءت عفاف فجلست إلى جواري . سألتني : تعرف تلعب كوتشينة.

ـ لا.

ـ دومينو؟

ـ لا.

 ـ شطرنج؟

ـ لا.

تأملتني غاضبة : لماذا جئت إذن؟

أشرت للبحر الذي كانت أمواجه تبدو من بعيد شديدة الزرقة فيما الزبد يطفو ، ويصطدم بالرمال . تتحول الموجات المتكسرة لرغوة تجمع الأصفر المستريح بالأزرق المدحور.

خرجت الست درية ، وسمعتها تعاتب نفسها: أجئت لأحبس البنتين والولد؟

كأنها تواصل أسئلة ابنتها : أتعرف السباحة؟

 رمقتها بشيء من العرفان ، خطفت كلماتي خطفا: أعرفها .. أعرفها .

كنت كالغريق الذي وجد أمامه طوق نجاة . ضحكت وهي تسوي شعرها ، ورفعت الطرحة السمراء من فوق رأسها ، ووقفت تستنشق اليود: خذ سعاد وعفاف واسبح معهما قريبا من الشاطيء .

ـ ننتظر عودة بشير؟

ـ سيلحق بكم.

ـ حاضر.

ـ إياك أن تدخل في الغويط.

ـ حاضر.

جاءت البنتان بعد دقائق قليلة وقد ارتدت عفاف مايوها أبيض فيما وجدت سعاد ترتدي مايوها بلون الذهب المزهزه.

كان الشاطيء ينتظرنا . اندفعت للبحر فصدمتني برودته . انكمشت ككل مرة ، ثم تغلبت على البرودة بأن ألقيت نفسي في اللجة.

كنت أخمن أن المعلم سيطردني لا محالة عندما يعلم بنزولنا البحر ، وسيتشاجر مع الست درية لكن الأمر لن يصل لأكثر من هذا فمشاغله كثيرة وحساباته مع الورقة والقلم لا تنتهي .

 مع شعوري بأن الحياة لابد أن تقابل بكل برود لاحت لي ابتسامة عم معاز طه . لوح لي بيده اليسرى فيما يحرك المقص : اسبح ضد التيار . وسمعت الصوت الأليف : طق.. طق.. طق.

أخذت عفاف في يدي . توغلنا في المياه العميقة التي كانت لها خضرة قانية تزيح الزرقة الصافية . كانت بارعة في السباحة مثلي أما سعاد فقد راحت تغسل عروستها على الشاطيء دون أن تلحق بنا.

سألتها ، وهي في العمق معي : هل جربت قبلة البحر؟

ردت بدهشة : وهل للبحر قبلة؟

ـ طبعا.

ـ كيف تكون؟

ـ مثل قبلة البر لكنها خفية ولذيذة.

ـ صحيح؟

ـ  نعم، هل تريدين أن تجربيها؟

ـ لا.

ـ المسألة بسيطة . نغطس ونحاول.

ـ الماء مالح وقد لا أستطيع.

ـ تستطيعين ماذا؟

ـ الصعود!

ـ لا تخافي . هات يدك.

ـ هاهي.

 غطسنا سويا ، ورأيت الأسماك تحرك زعانفها ، أو خيل لى ذلك. كنت خفيفا وهي لطيفة في سباحتها . ظل الماء يرفعنا فنغطس ونكرر المحاولة . أصبح الماء رحيما فلم يرهقنا بأمواجه التي أعرفها حين تأتي إلى الشاطيء على شكل لطمات قاسية .

صعدت وهي تشهق : الله.. الله.

قلت في سري ، وأنا أدفع من جوفي ماء شربته : لمثل هذا الجمال خلق الله البحر.

 

الرابعة فجر الأحد 8/6/2008.

 

 

  

 

 

w w w .    A    r    a    b    i    c    S    t    o    r    y    . n e t

جميع الحقوق محفوظة لشبكة القصة العربية 2001-2007