[ أهلاً بالضيف الكريم ] 
للتسجيل
أنت الزائر رقم

إحصائيات الموقع

الدول المشاركة
عدد الكتَّاب
عدد النصوص
عدد الكتب
عدد التعليقات
عدد القراءات
عدد التوقيعات
عدد المشتركين
كتَّاب في الانتظار
نصوص في الانتظار
 
هواء بحري 
التاريخ:  القراءات:(4956) قراءة  التعليقات:(8) تعليقات  إهداء لصديق طباعة التعليقات أضف للمفضلة

  قصة ، من : سمير الفيل  

هواء بحري
بقلم : سمير الفيل


الفنار

سلم معدني حلزوني ارتقيناه . كنا شبابا في العنفوان . يتقدمنا الفتى الأسمر ، الأقصر قامة ؛ فهو يعرف طريقه جيدا. واصلنا الصعود . كنا مع كل طابق نقف لحظات لالتقاط الأنفاس . وشيش البحر يصلنا بوضوح ، فيما نلقي نظرات مستطلعة نحوه . من الفتحات التي كان زجاجها المصنفر يسمح بمرور الشمس نبص . نرفع البصر لأعلى فتصطدم النظرات المصوبة بالدرج الصديء . ما أجمل رائحة اليود من هذا الارتفاع . لم نتبادل كلمة . عندما صرنا في أعلى مكان شملنا صمت خارق. صفعنا الهواء صفعات ندية منعشة. ما سر تعلقنا بالذرى وقد ولدنا في المنازل الرطبة الواطئة والأقبية شبه المظلمة؟
مرقت قطة من بين أقدامنا . فزعنا للمفاجأة ، و بادلتنا الفزع . هبطت في ريبة وهي تموء . كانت بطنها مكورة . تسمرت أقدامنا في الأرضية الدائرية ، ونحن نتملى الأفق البعيد . كان منطبقا بعناية على الأزرق الرائق انطباقا مروعا.

الطــُزة

من هذا المكان رصدنا اللسان . كانت الأمواج تلطم حافته الشمالية بعنف ودونما توقف . نوارس بيضاء تهبط لتلتقط بمناقيرها الدقيقة أسماكا صغيرة لا تكاد تبين.
أسقطنا الطــُزة عمدا من هنا. كرة من المطاط الأسود راحت تهوي ، وتهوي . ارتطمت بالأرض ، ثم علت ، وعادت للارتطام ، وعلت أقل. كان ثمة ارتطامات متتالية ، وأخيرا سكنت الطــُزة على مساحة الرمال المبتلة.
نقطة صغيرة نراها بصعوبة بالغة . يتربص بها السكون من كل جانب . نتماثل معها في حال اللافعل . كانت وحيدة ، مفرطة في عزلتها. كنا نتبادل النظر ، وكل منا يدرك أننا سنستقر في نهاية الأمر داخل حفرة بنفس الطريقة حيث لا أحد يمكنه أن يحركنا من جديد.

فضة

سمك السردين له قشور فضية . قشور ينعكس عليها الضوء فتبدو كالترتر في لمعانه. على طاولات خشبية ينقل الصيادون السمك بالجاروف حتى تمتليء كل طاولة على حدة.
يحرك شاب الطاولات نحو الظل . أرقب الخياشيم تتحرك ، والهواء يندفع فيعبر الفتحات التي لا تكاد ترى على جانبي الرأس .
لون الفضة في الشمس يبهر الرائي ، ومع الظلال يخبو قليلا . الشباك على الحاجز تقطر ماء . ما يلبث أن يتبخر بفعل حرارة الشمس .
الطاولات تتحرك باتجاه عربة اللوري . كانت الفضة تشغلني وتخترق صلابتي . كنت موقنا من أن الفضة أنبل من الذهب وأكثر حيوية عند المرسى الخشبي الذي أكلت الرطوبة أطرافه.

عود ثقاب

لما وصل رشيد البيت وجد درية ترضع طفلها على العتبة. ضحكت لرجوعه قبل اكتمال الأيام السبعة التي ذكرها . رأى حلمتها الوردية التي تميل للون البني وهو يعبرها . فزّت من خلفه ، وسألت عن أخبار السروح . لم يكن ينصت إليها . طلب منها عود ثقاب . إلى حافة الشباك مدت يدها ، وجذبت العلبة . كانت مبتلة . مدت يدها بها إليه لكن الأعواد لم تشتعل أبدا .
سألها عن سبب ابتلال الأعواد فردت عليه أن أصابع الصغير طوحت بها في البحر دون قصد ، وهي استعادتها . كأنه كان ينتظر أي رد ليصفعها . كان لدرية وجه جميل وطابع الحسن في ذقنها . انتحبت قليلا ، وهو أغلق الباب وطلب منها أن تخلع ثوبها ليناما سويا .
قالت أن الوقت ليس مناسبا للنوم فشدها من شعرها وقرص بغل خدها . كانت تعرف ـ الآن فقط ـ أنه يداري عجزه بهذا الشد والقرص. رأته يبكي من الداخل بلا صوت. أسرعت لبيت جارها القريب معوض لتقترض منه علبة ثقاب . عادت ومدت يدها . أشتعل العود ، واستغرق في تفكير عميق.

رتق

كان قد أغواها. أسمعها الكلام الحلو الذي يدير العقل حتى لانت . ثم فتك بعفـتها بلا رحمة . بكت ، فواساها بقوله إن كل شيء يمكن إصلاحه . كل شيء .
بعد كل وصول إلى البر تنقر بأصابعها النحيلة زجاج النافذة من الخارج . تسأل أمه : ألا تريدين من يساعدك في رتق الشباك ياخالة هنية ؟
دون أن تنتظر إجابة تأتي الخالة ساحبة أكوام الشباك حيث تجلس معها ترتقها بدربة ومهارة ، ورأسها منكسر بعض الشيء .
عاد قبل عام من ميناء " بيريه" ، وتغير من يومها حتى أنه لم يعد يذهب للمسجد ، واكتفى بجلسة المقهى حيث شرب البيرة على الحساب .
البنت سعاد رأته في منامها يأخذ بيدها ، ويتجولان في جزيرة الذهب ، وينبشان التربة ويستخرجان كنزا . وقد تمنعت حين طلب منها أن تكشف عن سرتها فهي بداية الخلق ليرى كيف تتشكل البدايات . رفضت في الحلم ولكنها وافقت ذات مساء شاحب إذ تمكن منها تماما في حجرة ضيقة فوق السطوح حيث رأت النجوم تومض برقة . أدركت بعد مرور ساعة كاملة أنها منحته شيئا كان ينبغي ألا يأخذه بكل هذه البساطة.
ظل سرها وسره والبلدة غافية لا علم لها بالفعل الحرام . تمد أمه يدها بكوب الشاي فتتناوله بفتور وتشرب بلا حماس . يخرج مهندما فترجوه بإلحاح أن يجلس ليشرب معهما شايه ، يشيح بيده متعللا بأن أصحابه في انتظاره بالمقهى ، فلا يمكنه أن يخلف لهم موعدا.
اشتبك الهلب الثقيل بالشباك آخر سرحة فاتسع الثقب وكان الرتق صعبا.
علمت أمها بالمصيبة ؛ فأخذتها إلى طبيب البندر . دبرا المبلغ الضخم . أجر الجراحة وأجر المخدر ، وكانت عملية الرتق رغم سريتها مؤلمة .
بعد أسبوعين لا أكثر وجدت جثته طافية على سطح الماء . كانت بها طعنة قرب القلب ، ولم ينجح البوليس بكل مخبريه في الاهتداء للفاعل !


أم الخلول

رأيت شبحه في الليل قادما من الطريق الموازي للبحر. أعرفه تماما . مشيته تشي بشخصيته . كان يدفع أمامه عربة " أم الخلول" . يمضي في صمت نحو السوق الذي أوشك أن يغلق أبوابه . لن يصبح في الساحة أحد إلاه . وحده يحمل مأساته دون كلمة واحدة.
إن ماء البحر في هذا الوقت من العام دافيء وعميق . محت الظلمة زرقته الضاربة للأخضر الهاديء .
أتحرك نحوه ربما يمكنني اللحاق به. مات ابنه الأول في حرب 67 ، ومات ابنه الثاني في حرب 73 . لا يعرف لهما قبرا . مضت الأيام ، وهو يدفع عربته ، لا يبيع إلا ليلا ، وفي الساحات المظلمة.
يجر جثته ، وخلفها أحزانه التي لا تعرف الكلام . يتلاشى ظله تحت الفوانيس الكابية . لا يمكنني أن أدرك مدى فجيعته إذ لم أره يوما باكيا . السجائر لا يشعلها رغم أنه يزفر هواء ثقيلا .
عم مراد يمضي ليبيع " أم الخلول" . الأصداف المغلقة على أسرارها والتي ترشح ماء مالحا في وعاء من الألومنيوم .
حين ألاحقه لأشتري منه لا يساومني مطلقا . يمد يده فتقبض أصابعه على النقود . يودعها جيب سترته الكاكية، ونظرته مليئة بالطيبة التي ترشح بالفجيعة . أرى هيكله منحنيا ، مذعنا . أود أن أربت على كتفه مواسيا : عم مراد .. لماذا لا تبكي؟
أوقن أنه لن يجيبني أبدا. سيدفع عربته لمكان أكثر ظلمة.

طحالب

يتلألأ الماء في ضوء الشمس . صخور مكعبة يستند إليها مرسى خشبي لمراكب الصيد. على الصخور نبتت طحالب لها لون أخضر زاه. إن الشخص الذي لم يتعود المشي على تلك الصخور سيكون عرضة لأن تنزلق قدمه حتما.
طحالب تعيش وتنمو على الأجزاء الغاطسة من الصخور، وتلك الطافية التي تغمرها دفقات الموج . تأتي إليها الأسماك فتحرك زعانفها ، وتلتقط ما يتساقط منها من فتافيت في أسراب لها حركات رجراجة مدهشة.
عند هذا المرسى تأتي كل عصر سيدة في فستان أسود واسع فوقه معطف كحلي . تنتظر عودة ابنتها التي كانت لها ملامح نفرتيتي . تعطي ظهرها للشوارع والناس ثم تروح تحدق في اللجة الزرقاء .
ترنو ببصرها إلى نهاية الأفق ، وهي تهش شيئا لا يـُـرى . ذبابا لحوحا أو خواطر مريرة . تمر بها النوارس حيث تجلس فتوشي الألواح المبتلة بظلال مرقطة تمرق متجهة للشمال .
تزوجت محاسن ذات الوجه الصبوح دقيق القسمات من تاجر حلقة السمك الغني . أنجبت ولدين وبنتا . كان يمنعها من الخروج غيرة عليها . لما ضاقت بها السبل فتحت الباب ، وحملت صغارها لتزور أمها . لما رجعت كان قد علم بخبر عصيانها .
كان عقابها عظيما إذ حلق لها شعرها بالموسى ، ونتف حاجبيها بالملقاط ، وهي تقاوم باستماتة.
لم يضربها ، ولم يتفوه بكلمة نابية مع أنه في الحلقة يفعل كل شيء سافل . لما نظرت في المرآة، وشافت ما جرى لها بانت كالعفريت ، فانكسر قلبها .
أودعت أطفالها بيت جارتها أم صبري ، ورمت بنفسها في البحرالهائج . لم يرها أحد تفعل، لكنها غابت ولم تعد أبدا . مسح لنش السواحل الشواطيء على مدار ثلاثة أيام بحثا عنها دون جدوى.
تقول عمتها التي أدت فريضة الحج وزارت النبي ووضعت يدها على شباكه أن ابنة أخيها خاوت جنيا طيب القلب. سحرها جارية ، لها شعر أخضر كالطحلب ، وتقسم خالتها أم ثروت بمقام سيدنا " الجربي" أنها زارتها ليلا ، وبيدها سلة من سمك الحنشان . تشير للسلة الفارغة بعد أن ذاقت ألذ حنشان في حياتها .
تجلس أمها على نتوءات الصخور ملتفة بمعطف كحلي كانت قد أهدته لها ابنتها في مارس قبل الماضي.
تحفن بكفها من ماء البحر المالح ، وتشرب منه فتشعر أكثر بالظمأ يحرق جوفها .
ترفع نظرها للسماء التي لا آخر لها . تبتسم لشيء لا يراه سواها .
حسنا .. لقد أتت الجميلة ، وسوف تنصت لها حتى تغيب الشمس تماما .


كتبت هذه النصوص عصر الثلاثاء 1/7/2008

w w w .    A    r    a    b    i    c    S    t    o    r    y    . n e t

جميع الحقوق محفوظة لشبكة القصة العربية 2001-2007