[ أهلاً بالضيف الكريم ] 
للتسجيل
أنت الزائر رقم

إحصائيات الموقع

الدول المشاركة
عدد الكتَّاب
عدد النصوص
عدد الكتب
عدد التعليقات
عدد القراءات
عدد التوقيعات
عدد المشتركين
كتَّاب في الانتظار
نصوص في الانتظار
 
" الروسي" .. سيرة حياة كلب 
التاريخ:  القراءات:(5521) قراءة  التعليقات:(27) تعليقاً  إهداء لصديق طباعة التعليقات أضف للمفضلة

  قصة ، من : سمير الفيل  

" الروسي" .. سيرة حياة كلب  ؟!

 

( عن رواية شفاهية حكاها لي الصديق القاص محمد خليل ،  الأربعاء 18/ 8/ 2004، في مقهى شعبي بعابدين . . بعد مرور أكثر من ثلاثين عاما على  حدوثها .. لم يدونها الكاتب  بأي من أوراقه .. قررت أن أعيد صياغتها بعد أن سمعتها منه  .. فإلى العريف محمد خليل .. الراوي المفترض لهذه الحكايات .. ذكرى لكلبه الوفي .. الذين أحببته دون أن أراه !!  )

 

 

* مشهد أول : ( مطار غرب القاهرة الحربي / نهار خارجي )

 

 في هذا اليوم كنت متأففا ، وضجرا من طوابير التمام ، أمشي في شمس لا ترحم ، كأن أشعتها جاءت لتغتال أمني وتقلق راحتي ، إذ يتفصد العرق على جبهتي ، وأنا أمر بالقرب من موقع ثكنات الروس ، وكنت أحسدهم على دشمهم المكيفة وتعيينهم الفاخر ، وزيهم اللامع ..

كانوا مجموعة خبراء جاءوا مع طائرات خفيفة من طراز " ألفا " ، يشاركوننا التدريب على الأسلحة الجديدة ، فيما يندر أن تجد حوارا أو لمسات إنسانية بيننا وبينهم ، وقد راقني أن أتسلل إلى الحائط الخلفي  لدشم الأفراد لأظفر ببعض ظل وقت القيلولة  ، ولم أنتبه إلا وجرو صغير جميل يتجه نحوي في براءة كاملة . آه .. لقد ذكرني بقريتي ، وهل توجد قرية مصرية بلا كلاب؟

   أخذته في حضني ، ورحت أغمض عيني وأنا أستعيد منظر ترعتنا الشرقية ، وغيطان القطن  ، وشجر السيسبان الذي يدلى شعره الطويل بدلال في الماء ، وأغصان التوت ، وميل جذع الكافور ..

 نعم . ذكرني بكل ذلك ، و يدي تمسح شعره الناعم ، وهو بدوره  يمسح خطمه في ملابسي الكاكي . حسنا .لقد ضرب بروجي  طابور التمام وعلي أن أذهب الآن . أمرق عبر الأسلاك الشائكة . لو رآني أحد الضباط  فستكون محاكمة عسكرية . لقد مرقت بسهولة . أنا الآن في كتيبتي . لكن ياالله ، الجرو يتبعني . تعال صغيري ، ستكون معي في أمان !

 

* مشاجرة ( بعد يومين من المشهد السابق ، الضابط يوري جاء متحفزا ومعه مجموعة من الرتب ، في الفاصل بين طابورين ، نفس المكان ، لكنه هذه المرة في معسكرنا الفقير حتى من قلة ماء ) .

 

هب" يوري " في وجهي ، وأخبرني أنه قد علم من مصادره الخاصة أن الكلب معي ، ولا داعي لحدوث مشاكل ستكون نهايتها خسارة جسيمة لي ، وعلي ّ الآن أن أعيده له على الفور .

 نظرت نحوه في امتعاض ، قلت بحدة : الكلب معي ، وقد جاء برغبته ، لم أضربه على قوائمه؟ .

 اتجه للملاجيء يبحث عنه ، منعته بالقوة ، كاد يتطور الأمرإلى مشاجرة حامية  بين العساكر المصريين والضباط الروس ، قلت له : لو أنت عادل ، أتركه يختار !

بالإشارات والإيماءات كان الاتفاق قد أبرم على أن يخرج الكلب ، ويختار صاحبه .أليس هذا من أبسط حقوق الكلاب ؟!

 وافق الجميع ، وطبّ  قلبي من الرعب ،  لا حبا في الكلب، فلم تكن قد توثقت بيننا عرى صداقة ما  ، ولكن خوفا من مرارة الوحدة ، وارتباك الفقد .  لم يكن يمثل لي شيئا سوى الصحبة .  دخل الصول إدوارد ، وأخرجه من قلب الملجأ ، ثم أطلقه في الساحة القائظة .

  الشمس في السماء حامية ، تبخ صهدها، والروس حمر الوجوه ، رأيتهم قد علقوا  ( زمزميات ) مثلجة ، ونحن نكاد نمتص الزلط لنرطب حلوقنا .

   خرج الجرو ، هز ذيله ، وشمشم بأنفه الأفطس قليلا ، واتجه بهدوء إلى حيث يقف الضابط الروسي ، قلت في عقلي : " آه .. ياقليل الأصل.. أهذا ثمن عنايتي بك يومين ؟ " ، وفي اللحظة التي تهيأ فيها خصمي لاقتناص الجرو ، جرى مسرعا نحوي ، وتشبث بي ، وراح يمسح خطمه في الأفرول ، صفق العساكر ، وارتفعت عبارة " الله أكبر " ، أما الروس فقد انسحبوا في خزي ، ولكنهم كانوا شرفاء وعند الكلمة التي وعدوا بها . فلم يشتكوا لقائد الكتيبة التي كان من السهل عليه حبسي ، ونزع شريطي العريف من على كتفي . لثمت الوجه الصغير الذي راح يهوهو هوهوات واهنة ، والعساكر مسهم الفرح فأطلقوا علي الكلب من يومها اسما لاينُسى  " الروسي " .

 

* مشهد يومي متكرر ( الروسي في الطابور / مطار غرب القاهرة / على بعد 40 كم من العاصمة ) ..

 

 مع الوقت صار الكلب رفيقا يعتد بصداقته ، ويبدو أن العساكر لم ينسوا موقفه الشجاع يوم ( حق تقرير المصير )  رغم أنه لم يكن يعي الأشياء فأحبوه ، وإكراما لي صار أنيسهم . كنت أقاسمه طعامي المحدود ، فإذا جاءت سيارة التعيين ، وقف معي في الصف ، أوسار خلفي ، وفي يدي الأروانة ، وهو يهز ذيله فرحا . قاسمني كل ما آكل ، الجراية ، واليمك ، وبعض اللحم المسلوق ، واكتشفت أنه يحب الشاي ، وكان من عادته أن يقوم بنوبة حراسة في أيام خدمتي الليلية ، وعبر أشهر قليلة نما جسمه بشكل ملحوظ ، فدربته أن يختفي وقت طوابير التمام ، وأثناء الاصطفاف في خندق مواصلات كان يصنع له مساحة معقولة من الظل . وبمرور الأيام تم عرفياً اعتماد تعيين له مثله مثل أي عسكري ، فكان يصر أن أحضر له أروانته الخاصة ويقف قبلي في الطابور ، وياويله من ينساه أو ينتقص حقا له . في إحدى المرات جاء التعيين قليلا ، ورفض الصول بركات أن يعطي له نصيبه ، أشاح بيده : كلب أيه اللي يشاركنا أكلنا ؟!

 خرجت من الصف ، ودوّرت الكلب مكتب لقائد السرية .. صفقت بيدي : أفندم . الكلب متظلم .

 ضحك متعجبا : أدخله لأنظر في  الأمر !

 كنت قد دربت الكلب على الحركات المعروفة من" صفا " .. " إنتباه "  .. " إثبت " .  وكافة المواقف العسكرية . دخل خلفي مشدود الجرم ، صرخت فيه : إنتباه . وقف على قائمتيه الخلفيتين كالفرس . قلت للقائد : لم يرض الصول أن يصرف له تعيين . كيف يعيش بلا طعام وهو لا ينطق ولا يتكلم  مثلنا ؟

 صاح بي القائد : إرسل في طلب الصول حالا . وحين حضر ، وبخه القائد بعنف : ألا يوجد في قلبك رحمة ياصول ؟ الفرد  ده يأخذ تعيينه مثله مثل العساكر . وأي تكسير للأوامر معناه سجنك .

 خرجت فرحا ، وأنا غير مصدق . استدعاني القائد وهمس في أذني : ولد يامحمد ياخليل . لا تزودها أكثر من ذلك !

 

* الرحيل إلى عتاقة ( مشهد ليلي / في حضن الجبل .. الكواريك ، والمعدات ، كل شيء جاهز للصعود واحتلال التبة ) ..

 

 جاءت الأوامر أن يتم دفع مقدمة للتجهيز وتم اختياري مع عشر أفراد للصعود بالطائرة الهليكوبتر . كانت الطائرة ضيقة ولا تستوعب أدوات التجهيز الهندسي كلها ، أخبرت الكابتن أن " الكلب " سيطلع معنا ، فهو لن يفارقنا . رفض ركوبه تماما ، ولكي يغلق هذا الطريق، أدار لي ظهره ، وجاءتني كلماته : عشر أفراد  مع المعدات . أختر . أنت أو الكلب !

لم أدر بنفسي إلا أن اخترته ،حملته، ودفعته في جوف الطائرة ، وأوصيت عليه الزملاء ، فسوف نلحق بهم صعودا على أقدامنا في الصباح . أقلعت الطائرة ، ورحنا نصعد ، ولم أشعر بالإرهاق في حياتي مثلما شعرت في هذا اليوم .

حين وصلنا إلى القمة إرتمينا على الأرض ، ولمحته قادما كالصاروخ نحوي ، فاحتضنته ، وقمت بتهدئة خاطره . من الإرهاق نمنا في أماكننا ، وكان "الروسي " يشاركني البطانية الصوف الرمادية  ويدس جسده المرتجف تحت الغطاء ، وينظر نحوي في امتنان أكيد .

 

 * يوم الذئاب ( جبل عتاقة / القمة في يوم ماطر عاصف ) ..

 

 كان يوما مزعجا ً ، فبعد أن انتهينا من التجهيز الهندسي لحفر المدافع ، وملاجيء الأفراد ، كان علينا أن نستريح قليلا ، ويبدو أن الأعمال الشاقة التي كلفنا بها جعلت أفراد الخدمة يغرقون في نوم عميق . كان القمر مخنوقا بالسحب المتكاثرة ، والريح تصرصر في عتو بالغ . ما ندري إلا بنباح الكلب ، وعواءات تتردد في الجبل ، ويرجع لنا الصدى عميقا ، صدى نباح الكلب مشروخا . رغم الظلمة فتح رجال " الكينجي " أعينهم ، واتجهوا من كافة السرايا ناحية النباح المختلط بعواء ونهش ، وارتطام أجساد بدوي مكتوم .

كانت معركة بالغة العنف بين قطعان الذئاب الجائعة التي زحفت بالليل لالتماس ما تأكله ، فتصدى " الروسي " وحده ، وفي شجاعة بالغة حارب ولم يمكنهم من التسلل إلى الموقع .

 رأيناه على ضوء البطاريات الميدانية غارقا في دمائه ، وإحدى قوائمه الأمامية معلقة على عرق رفيع وبقايا لحم قليل . كان يلهث ويخرج لسانه من التعب . توقعنا كلنا أن يلفظ أنفاسه في دقائق . لكن مر في ذهني خاطر : لما لا نحاول إنقاذه وهو الذي تصدى للعدوان في جسارة ؟

   هاهي روحه تكاد تزهق أمامنا . حملته وجريت إلى حيث السرية الطبية ، كان أفرادها قد صحوا على جلبة وضجيج الهجوم المباغت    قام الطبيب بعمل جراحة عاجلة ، وضمد الجروح البالغة ،  والكلب يغالب ألمه ، ويصارع الموت بعزيمة لا تلين .

   حين أشرقت شمس الصباح كانت جثثي ذئبين ممددتين ، وقد ماتا في المعركة  . لم نرها في الليل إذ يبدو أنها زحفت للفرار فلم يمكنها النزيف من ذلك . بعد هذه الواقعة تحول "الروسي " إلى بطل قومي ، وبعد أن استقر بنا المقام جاءت كلاب بلدية أخرى ، كنا نعطف عليها بالجراية الفائضة أما هو فقد كان طعامه معنا في نفس الدشمة !

 

* التوقيع حضور وانصراف ( أيام النزول في إجازة / قمة الجبل / الساعات المتأخرة من الليل ) .

 

 تنبسط سيناء أمامنا كسجادة صفراء من الرمال الموجعة ، والعسكر اليهود في نقاطهم الحصينة ، والعام 1972..

كنت أحصل على إجازتي الميدانية ، وأجهز نفسي في الليل ، لأكسب وقتا ، وأظل أهبط في طرق متعرجة ، والكلب يسبقني ، ويتحسس الطريق ، فإذا ما وصلت إلى السهل المنبسط، كان علي أن أقطع مسافة تتراوح بين 7ـ 10 كيلومترات ، في مدقات جيرية تحوطها حقول ألغام ، وكان الكلب دليلي ، وعندما أصل الطريق الأسفلتي ، ينتظر معي حتى اطمئن أنني ركبت ، فيهز ذيله ، ويظل واقفا حتى تبتعد العربة ( الزل ) الضخمة ، فيعاود الصعود ، ويرتمي على فراشي متحسسا أشيائي ( هكذا أخبرني العساكر ).

 ويوم عودتي من مدينتي  بعد انقضاء ستة أيام هي مدة الإجازة الميري ، كنت أعرف أنه سيكون في انتظاري ، ليس على الطريق الاسفلت ، بل في أي منحنى من منحنيات المدق ، إذ يهبط منطلقا كالقذيفة ، على بعد خمس أو ستة كيلومترات . أشعر بلهاثه ، وجريه المذهل . حينها أجثو على ركبتي ، وأنتظره ليندفع في أحضاني ، وأراه يضع قائمتيه الأماميتين على كتفي ، يتشممني ، ثم يهبط على الأرض ، يدور دورتين قبل أن يسبقني إلى حيث الصعود المرهق . هل تأخر مرة واحدة ؟

  لا أعتقد ، ربما تغير المكان ، ولكن حضوره كان مؤكدا كما الحقائق الكونية العليا .

 

*  يارب .. المغص يقتلني .. إنني أموت ( عتاقة أيضا .. الليل ، شتاء 1972، وأنا أغادر الدشمة وحدي ) ..

 

 لم يكن هذا واردا ًأبدا : أن يتجدد المي ، فقد شعرت بمغص هائل يناوشني منذ الصباح ، فكسلت ، وأكتفيت بكوب من الليمون ، وبرشام الأسبرين ، وراحة في الملجأ من الطوابير وإجراءات التمام . في حوالي الواحدة صباحا تجدد الألم ، وعصف بي ، شعرت أنه سيقضى عليّ  . لم أرد أن أزعج أحدا ، تسللت وأنا أقاوم المغص ، في طريقي للسرية الطبية ، كانت عند الطرف الآخر من قمة الجبل .

 الألم يشتد ، وأنا أقاوم . لم أدر بنفسي إلا وأنا أرتمي صارخا بكل ما أملك من صوت . في لمح البصر رأيته بجواري ، يجذبني ويشد أطراف السترة ، ثم ينبح ، ويلحس بلسانه رأسي ، لقد غلب تردده إذ اختفي ، ولم أره إلا بعد دقائق وخلفه زملائي العساكر الذين أتوا من الطرف الآخر . حملوني وأنقذوني من موت محقق .

  كان الكلب يتبعني مراقبا خطواتي دون أن أشعر ، فلما وقعت ، حكى لي الزملاء ، أنه وقف في قلب المعسكر ينبح نباحا مستمرا ، وكان يسكت لحظة ثم ينبح ، ويسبقهم إلى حيث سقطت . مضوا خلفه حتى عثروا علي .

 لم أقل للكلب شكرا لأنك أنقذت حياتي . كان بيننا حوار صامت لا يعلمه أحد غيرنا . حوار بالعينين ، بلمسات الكف ، بكوب الشاي الساخن نوعا الذي أفتت فيه ربع قالب من البسكويت  . وكان قد تعود على مشاغبتي إياه وحين عدت من السرية . نام تحت الدشمة مباشرة ، ورفض أن يذهب حفرته !

 

* الكلب يلهو ( عتاقة في أيام الإعداد للمناورة الخريف / 1972) .

 

كانت مسرتنا أن نكتشف عالم هذا الكائن الغامض بالنسبة لنا على الأقل . كان له أصدقاء من العساكر وكافة الرتب ، وله أعداء ألداء لا يطيق أن يراهم ، وقد عرفنا ذلك من ترحيبه الحار بمن يحب ، إذ يهرول ناحيته ، ويتمسح في ساقيه ، ويوصله إلى الخلاء إذا ما أراد قضاء حاجته ، أما خصومه ، فهو لايعترف بوجودهم أصلا ، ومستحيل أن ينبح نباحه الفرح المهذب إذا جاءوا لأمر ما . وفي لحظات الصفاء كان الكلب يلهو . أحضر قائم خشبي طويل ، وأسنده على جدار الدشمة ، وأضع حبة عنب ، وأجعل قطعة الخشب تأخذ ميلا لأسفل ، وأصفر بعد تتدحرج الحبة ، وما من مرة إلا وينجح في اقتناصها مهما صعبت المهمة . مرة أو مرتين تغلبت عليه ، فخاصمني ساعة ، بأن توجه لقمة الجبل فهوهو مدة ثم عاد معتذرا ، وطلب العنب بلاهزار .

 كنت أفهمه ، وكان يفهمني . الليل الذي يلفنا بصمته قرب بيننا أكثر ، وكانت الفئران تخشاه ، وهو يقوم بمغامراته الليلية معها بجرأة ، وكانت البغال التي تصعد بالماء قد ألفته ، وحين رفسه بغل حرون ، جاءني للشكوى . فربتت على رأسه : أتعمل عقلك بعقل بغل ؟ أعقلها أنت !

 

* يوم الخروج ( كان بعد الحرب بعام ،خريف / جبل عتاقة أيضا 1974)..

 

 كان اليهود قد احتلوا أجزاء من الجبل خلال الحرب ، وقمنا باسترداد تلك الأجزاء ، وكنا قد فقدنا شهداء ، والبعض دخل المستشفى للإصابة ، وهو باق معنا وقد خاض الحرب مثلنا تماما ، وتعرض للشظايا والدانات . لكنه لم يبرح عادته في أن يحرس الموقع ، ويباشر خدمته التطوعية .

  كنا نجهز أشياءنا للتسليم ، ونعتمد الأوراق ، ونحن في شغل شاغل عنه ، ويبدو أنه كان يرقبنا ويشعر أننا سوف نتركه ويرحل .

 كان  عزوفا عن الطعام في أيام ما قبل التسريح ، وكانت فرحتنا طاغية أن نخرج من الحرب بأرواحنا . صحيح أن أرواحنا تلك ناوشتها الجروح ، وأن شيئا في القلب قد انتهك ، إلا أن فرحتنا لا حدود لها .

وهو يتمسح بساقي في تساؤل غامض ، وكأنه يستفسر عن مشاعرنا التي انقلبت من النقيض إلى النقيض ، لكن ليست هناك وسيلة لأقنعه أنه سيأتي معي ، فلم أخبره بذلك إذ أن العساكر الجدد الذين التحقوا بالكتيبة كانوا قد اعتادوا عليه ، ولم يكن من اللائق أن آخذه منهم مهما كانت درجة ارتباطي به .

 قررت أن آخذه فعلا ، إلا أنني سأكون في حياة مدنية ماذا يمثل لي كلب . هذا آخر ما استقر في عقلي . علي أن أتركه ، وسيجد من يعتني به .

 جاءت لحظة الوداع العصيبة ،وقفنا نسلم المخل ، وأدوات الميدان ، ورداء الكيما . هائنذا أدور بعيني كي ألمحه ، وأتدبر معه أمرنا ، دون جدوى . لم  يظهر أبدا . كان شيئا غريبا ومبهما ولا يمكنني أن أفسره .

    جندت العساكر الجدد وكنت قد أعطيتهم الفائض معي من مهمات عسكرية ، حتى أنهم  قد مسحوا الجبل عشرات المرات دون أن يبدو له أثر . هبطت المنحدر الضيق لأول مرة وحدي ، لم يكن معي ، وكدت أظن أن ظلي ساعة العصر هو الكلب وقد تخفي في هذا الشكل المراوغ ، لكن لم يكن ثمة نباح . جاء من يحمل لنا الماء من بطن الجبل : هــل رأيتم " الروسي ؟ "

 لم يكن الرد إلا كلمة أو كلمتين قيلا في ارتجاف مشوش : لم يعد له وجود .

عند حافة الأسفلت توقعت أن يحضر ، ولقد مرت سيارات كثيرة دون أن أجرؤ على رفع يدي لأوقف أحداها . ملّ  زملائي وقفتي الخرساء تلك ، فمضوا للحياة المدنية الرحبة , أما أنا فقد وقفت أتلفت ، وهبط المساء رويدا رويدا ،وأحاطني الليل من كل جانب.

  لم يكن هناك مفر من أن أمضي وحدي ، وكأنني قد خلفت عمرا كاملا من الوحشة ومراوغة الانتظار ، ومطاردة الشجن الحزين ، والاحساس العارم بأن ثمة أشياء في الكون لم يصل الإنسان لفهمها بعد .

 كنت أمد يدي كالمخدر ، وأنا أصعد سيارة جيش زيتية اللون ، مكتوب على ظهرها بخط دقيق منمق " العين صابتني ورب العرش نجاني " ، ومساحة الأصفر تتمدد في قلبي مع صورة ذلك الكائن الفريد الذي لم يغب عن بالي لحظة واحدة !

 

مفردات :ـ

 الجراية : خبز الجيش .

 اليمك : خضار الجيش .

الكينجي : نوبة حراسة تبدأ من العاشرة  مساء وتنتهي الثانية صباحا .

السرايا : وحدة حربية من وحدات الكتيبة الفرعية .

الدشمة : مكان محصن تحت الأرض ، وهو أنواع : دشمة المدفع ، دشمة الذخيرة ، دشمة أفراد .

الإجازة الميري : هي إجازة الجندي بالميدان من 6ـ 7 أيام كل شهر .

المخلة : هي جوال من القماش السميك بها كل مهمات الجندي ما عدا سلاحه . ويطلق على صف ضابط الذي ترقى حتى وصل لرتبة ملازم اسم  " ضابط مخلة " .

   الزل : ( بكسر الزاي ) سيارة حربية لنقل الأفراد .

 

القاهرة : 19/8/ 2004

 

w w w .    A    r    a    b    i    c    S    t    o    r    y    . n e t

جميع الحقوق محفوظة لشبكة القصة العربية 2001-2007