[ أهلاً بالضيف الكريم ] 
للتسجيل
أنت الزائر رقم

إحصائيات الموقع

الدول المشاركة
عدد الكتَّاب
عدد النصوص
عدد الكتب
عدد التعليقات
عدد القراءات
عدد التوقيعات
عدد المشتركين
كتَّاب في الانتظار
نصوص في الانتظار
 
رأس البر 
التاريخ:الاثنين 3 نوفمبر 2008  القراءات:(5415) قراءة  التعليقات:(18) تعليقاً  إهداء لصديق طباعة التعليقات أضف للمفضلة

  قصة ، من : سمير الفيل  

 

رأس البر

بقلم : سمير الفيل

 

الطفطف

 

في كل مرة تقف فيها السيدة بيضاء البشرة في شرفة عشتها المطلة على الشارع العمومي ترتكز بمرفقيها المكشوفين على الحافة الملساء المائلة . تسمع نفير الطفطف يأتي من بعيد . زغرودة تنطلق في الفضاء مبتهجة بالحياة ، وهيكل العربة الصيفية مفتوحة الشبابيك يتأرجح .

تقف السيدة وفي يدها وردة . تبتسم للعم " رنجو " الذي يحييها بنفير متصاعد فيما يرفع لها قبعة سوداء كأنه " دون جوان" حقيقي من بلاد الإنجليز . التجاعيد تغزو وجهه ، وتتكاثر تحت الجفنين . ابتسامة سكر مذاب في نسغ الأيام ، وهو يلوح للأطفال هنا وهناك . يقود بيد واحدة فينخلع قلبها هلعا . يرفع يديه من فوق المقود الدائري ، يضحك لخوفها الطاغي ، والعربة تندفع في طريقها المألوف.

نسيم الشمال اللطيف يدخل رئتيها ، وهي تعب منه ، وتنتشي بإطلالة على الأزرق .

 عروس ، وبطنها تكورت ، وسرتها تمددت تنتظر أن تضع مولودها في أي وقت.

آه ، لو أن الصيف يكون موعد وضعها إذن لحملت طفلها عندما يكبر ، وجلست مع الصبيان والبنات على المقاعد المصنوعة من خشب الزان لمشاغبة " رنجو " الذي يضع سيجارته في طرف فمه ، ويبتلع الدخان ثم يخرجه حلقات من أنفه ، ويخدعهم بأن يخرج من أذنيه كالحاوي.

في ليلة متأخرة من أغسطس جاء مخاضها صعبا . حاولوا إنقاذها بكل السبل . الطبيب الذي استدعوه على عجل نقلها لمستشفى مجهز للحالات الحرجة .

 فاضت روحها ، وكانت ثياب عرسها مازالت جديدة لم تمس إلا بمقدار .

تمكن الأطباء من إنقاذ الجنين . وأ وأ وهو يرفس الهواء فلم تقابله إلا نظرات مسهدة حزينة.

عامان مرا ، وفي نفس الشرفة يقف طفل صغير ينتظر الطفطف . يقبل عم " رنجو " فيطلق نفيره من أول المنعطف . يخلع قبعته السوداء ويلوح له .

كثرت التجاعيد تحت عينيه ، وتصاعدت حلقات الدخان منعقدة فوق رؤوس الجالسين على أعواد الزان. يرفع يديه تماما من فوق المقود ، والعربة تمضي في طريقها.

 

اللسان

 

إنها لا تعلم الموعد تماما . أخبرها بالمكان ، وكان قرص الشمس يغطس في الأفق أو يكاد . طائر السمان رأته يأتي مجهدا . خدره التعب فارتطم بالشباك القريبة من المكعبات الأسمنتية .

 سقط متخبطا في الكمين المحكم لكنه بقى يحاول الخروج من مأزقه محاولا معاودة الطيران. ودت أن تخلصه من الخيوط لكن الأمر ليس بيدها .

مكعبات متداخلة ، ومن بين الفراغات يتسرب الماء بعد أن تنكسر الموجات انكسارها المخيف ، متراجعة لتواصل زحفها الأبدي .

إنها لا تعلم الموعد تماما لكن المكان هو هو لم يتغير . تدرك أن صبرها قد نفد ، وكان مفاجئا ومبهجا لها في آن أن يتمكن الطائر من تخليص نفسه من شبكة الخيوط  . لقد انطلق في الأفق بلونه السماوي . راقبته يذوب في الظلمة التي كانت قد بدأت زحفها حثيثا . ظلمة تهبط ببطء شيئا فشيئا دون أن يحس بها أحد . قامت من مكانها ولم يكن قد أتى بعد ، وهي تعرف الشيء الذي كان عليها أن تفعله منذ زمن.

 

البحر يضحك.

 

قبة السماء زرقاء ، وساخنة . الهواء يتمدد ، وهو بين رفاقه يغطس ويطفو . لقد ارتفعت الراية السوداء ، وهذا معناه أن الأمواج عالية .

 تقدم من العمق ، وأغمض عينيه حتى لا يلتهب البؤبؤ من شدة حرارة الشمس .

عافر واللطمات تضربه في جسده ووجهه . أستأذنه أصحابه في الخروج لأن الموجات عالية بشكل لم يسبق له مثيل . فضلوا الجلوس أمام الشاطيء ليختلسوا النظر للحسان ، وليقزقزوا الترمس المملح والفول المحمر.

نام على ظهره فوق الماء كسباح متمكن ، واثقا من قدرته على مجالدة البحر. موجة لم يعمل لها حسابا قلبته رأسا على عقب . سحبته نحو العمق في ثوان معدودة ، ولما اعتدل وقاوم فوجيء بالمايوه ينفك ، ويضيع منه.

كاد يصرخ من هول الصدمة . راح يشير إلى أصحابه بإلحاح . بادلوه الإشارة دون أن يفطن أحد للمصيبة التي راح يتخبط في شباكها : عاريا وخجلا.

إنه الآن كما ولدته أمه ماعدا سلسلة ذهبية تتدلى من صدره حاملة الحرف الأول من اسمه . تمر من أمامه فتيات ، وشباب ، وكهول ، وأطفال فوق عوامات مطاطية بألوان مختلفة. يبتسمون له ، أو يلوحون وهو لا ينبس بكلمة . جسده مغمور في الماء المالح . انقطع نفسه من الصراخ فيهم ، لكنهم سبقوه للكابينة كي يستريحوا وسوف يلحق بهم عندما يشبع من البحر.

لم يجد مفرا من أن يواصل السباحة في منطقة لا هي بالقريبة ولا هي بالبعيدة .

 فكر في أن العري شيء مهين للإنسان خاصة وانه قد يكشف سوءته للناس وتلك صفعة على وجهه .

أنتظر حتى هبط الليل ، فتغطى بسواده ، وتسلل إلى العشة التي كان بابها مفتوحا ، ودخل متسللا.

كان أول شيء فعله أن ارتدى جلبابا واسعا على اللحم ، وخرج إليهم في الشرفة ليراه أصحابه في ثوب قطني يعطيه معنى الستر. إنه لم ينكشف قط. سألوه عن سبب التأخير فكذب عليهم : من الذي يمكنه مقاومة سحر البحر يا جهلة ؟

لكنه البحر . كان قد تتبعه ، وراح يضحك ، ويضحك ، ويضحك.

 

جمبري طازج

 

تموج الضوء . شعرت أن العرق قد ألصق ثوبها على بطنها وصدرها . كانت ترتدي ثوب شيفون أحمر خفيف . تأتي هبات الهواء فترفع " الكلوش " ، ويتعرى الساقان .

ـ جمبري طازج.

يدفع العربة الخشبية أمامه ، فيما ينظر إلى الشرفات حيث تجلس النسوة وعجائز الرجال وكثير من الأطفال . من كل جنس وشكل ولون زبائنه ، وهو الفتى الأصلع في الثلاثين بعضلات مفتولة ومزق تشمل قميصه التيلي السميك . الشمس تطس يافوخه ، وهو لا يكف عن النداء .

ـ جمبري طازج.

خرجت لتلقي نظرة على الكائن البحري المسالم بقشرته الصلدة ، ولونه الرمادي الضارب إلى الزرقة . كائن له شوارب ، وزعانف وفيرة.

ـ جمبري طازج.

كان يحس بعطش هائل ، فطلب كوب ماء مثلح . ساومته في الثمن فخفض جنيهين لا أكثر.

مالت تنتقي ما تريد . تركها حيث انفتحت طاقة الصدرعن نهدين صغيرين يرقدان كحمامتين أليفتين . شرب جرعة الماء ووضع في الكفة المثقال الحديدي فطب الميزان أكثر من المطلوب . مدت يدها تخفف حبات الجمبري . أمسك رسغها ، وهز رأسه كي تترك الميزان يطب كيفما شاء ؛ فالجمبري السويسي الطازج لم يخرج من جوف البحر إلا من أجل هاتك النسوة المرمر.

 

رمال صفراء

 

رمال. رمال صفراء. تتلاصق حبيباتها في انضغاط مثير ، وحفرة صنعها الشيخ ريحان ليدفن مرضى الروماتيزم .

كلما كانت الحفرة عميقة ورمالها جافة كان الشفاء أقرب .الشيخ ريحان أصم ويتفاهم بالإشارة. لكن ربنا عوضه في حواسه الأخرى فنظرته نظرة صقر ، وأنفه يشم الطيب على بعد ميل وأكثر أما يده فتعرف الملمس الناعم من الخشن ، وتجيد لعب الأصابع بلغة فصيحة لا قلقلة فيها .

أومأ لها أن تتخفف تماما من ثيابها ، وهو سيدير وجهه إلى الناحية الأخرى . لاحياة في الطب ، وهي ست العارفات.

رمال تزحف تحت سرتها ، وتنحشر بين فخذيها ، وفي منطقة الخصر . تملأ الفارق بين النهدين ، وتصل إلى منتصف العنق  .

 يده تغطس بمهارة لتزيح الرمل الرطب ، وتدفع بدلا منه حفنات رمل أصفر كأنه الجمر ، وقد أتى توا من جهنم. جسدها يسترخي والسخونة تمتص الرطوبة ، وتدغدغ كل خلية من خلاياها .

 ضوء وريح فوقها ، ونجوم تومض في الظهر ، وهذا غريب ولم يخطر لها على بال .

كل يوم تأتي الهانم ، وبعد أن تنتهي من دخولها الحفرة بسهولة ، والخروج بمشقة تتمدد على مساحة من الرمل وهي عبارة عن متر في متر . يمسد الشيخ ريحان جسدها باحتراف ، ويضغط بأصابعه المناطق المعطوبة ليستحيل جسدها إلى عجينة من اللحم والرمال.

إنه أصم ، وهي هانم ، والنجوم تومض في عز النهار .

 

طائرة ورقية

 

في الساحة الواسعة وقف شاب يطير طائرته الورقية . طائرة ضخمة جهزها بأعواد بوص ، وشفاف ملون ، وخيوط سميكة ، تربط الهيكل الذي صمم على شكل مخمس . تعلو الطائرة وذيلها يتحرك حركة لولبية عجيبة .

 هل يمكن أن يمتلك خيوطا أطول لتصل إلى نهاية الأفق الأزرق ؟

بجوار فنطاس الماء يقف طفل صغير يطير طائرة صغيرة تشبه الكف المعروق ، وإلى جواره أخته الفارعة الطول تساعده ، وتفك الخيوط المعقدة . فتاة بعينين سوداوتين تشبهان حبتي بمبوظة . تقف بقدمين عاريتين ولا تلتفت إليه فعيناها معلقتان على طائرة الولد الصغير.

 هبت عاصفة قوية فانفلت الخيط من يد الولد وتاهت الطائرة بين البيوت بعد سقوطها في غلالة غبار. بكى الولد وتمرغ على الأسفلت الذي يؤطر الفنطاس .

 كان هناك حل وحيد وهو أن يسمح الشاب للولد بمشاركته في اللعب بطائرته الضخمة التي تعلو صفوف النخيل في أقصى الناحية بمحاذاة البحر، لأن الرياح قوية ولا يقدر عليها إلا شاب عفي مثل هذا الواقف غارقا في صمته.

أمسكت الفتاة الخيط بقوة ولكن الجذب كان أشد. لم يكن هناك مهرب من أن يضع الشاب يده هو الآخر فوق أيديهم حتى لا تفلت الطائرة الورقية الضخمة ، وتتوه في السماء .

حدث أن تضرج وجهها بحمرة خفيفة وهو يجذب الخيط . وكان أن سكنت العاصفة بعد فترة ، وسرت نسائم رقيقة لطفت الجو تماما ، وبقيت الأيدي متحاضنة.

 

قنديل البحر

 

البحر واسع بلا انتهاء . تصله موسيقى تتهادى من الشاطيء . على بعد كيلومترات أقيم الميناء ، ومن عمق البحر انبثق الغاز الطبيعي فهجمت على الناحية الشركات متعددة الجنسية لإقامة المصانع السامة لكن البنات لم يكففن عن نزول البحر ولا الشباب .

 أن يسبح الإنسان كالسمك ذلك حلم قديم . حلم قابل للتحقق . وفكرية نزلت البحر هذا الصباح ولم تكن وحيدة . كان أبوها الحاج نصحي النجار يرقبها بنظراته المتوجسة ، وكانت أمها بلبلة تدلدل قدميها بين الأمواج الزاحفة ، وتصيح كل دقيقة بابنتها ألا تندفع إلى عمق البحر .

 البحر غدار . هذه مقولة صحيحة تماما ، ورجال الإنقاذ يقفون على أهبة الاستعداد على سلالم برج المراقبة الحديدي الذي أكل الصدأ قوائمه . الصافرات تنطلق محذرة كل من ابتعد عن البراميل . شباب يحوم هنا وهناك لالتقاط أي ذبذبة حب شاردة مبتعدين عن البر الذي أضناهم بزواجره ونواهيه وعبوسه.

قنديل البحر أفرز مادته المخاطية المهيجة فشعرت فكرية بالتهاب شديد في جسدها الذي لم يكن يظهر منه إلا وجهها وذراعيها. كانت منطقة الظهر المغطاة ببلوزة وردية اللون هي التي تعرضت للإصابة .

 وبخها الحاج نصحي النجار لأنها لم تحترس ، وذهب لورشته في حي الشرباصي مكان أكل عيشه.

صحبتها أمها إلى المستشفى البعيد في 101 وهناك تمددت على الأريكة في قسم الاستقبال . أريكة من صاج أبيض في حجرة ضيقة بنافذة واحدة ، والمطهر عالق في الجو قوي ونفاذ.

سمحت للطبيب أن يفحصها ؛ فوجد أن الالتهاب قد امتد إلى منطقة الصدر كله. إحمرار داكن ورغبة في الحك المستمر . وراء ستار أبيض خلعت " السوتيان " ورأى الطبيب ثلاثيني العمر أن المرهم يفيد هذه الحالة. نصحها أن تدهن المنطقة بحذر ، ثم تأتي ليعاود الكشف ثلاثة أيام متتالية .

 في اليوم الرابع شفيت تماما ، وفي خامس الأيام كان الطبيب يقرأ الفاتحة على عروسه فكرية ويده في يد الحاج نصحي النجار ، وفوق الأيدي منديل المأذون . منديل أبيض بياضا شاهقا.

 

 

كتبت هذه النصوص ظهيرة يوم الأثنين 25 / 8/ 2008

 

 

w w w .    A    r    a    b    i    c    S    t    o    r    y    . n e t

جميع الحقوق محفوظة لشبكة القصة العربية 2001-2007