[ أهلاً بالضيف الكريم ] 
للتسجيل
أنت الزائر رقم

إحصائيات الموقع

الدول المشاركة
عدد الكتَّاب
عدد النصوص
عدد الكتب
عدد التعليقات
عدد القراءات
عدد التوقيعات
عدد المشتركين
كتَّاب في الانتظار
نصوص في الانتظار
 
في الخدمة 
التاريخ:  القراءات:(5154) قراءة  التعليقات:(14) تعليقاً  إهداء لصديق طباعة التعليقات أضف للمفضلة

  قصة ، من : سمير الفيل  

في الخدمة

 

أين تختبيء الريح؟

لا أحد يعرف . العسكري بسطاويسي  منكمش في معطف صوفي حائل . متداخلا مع بندقيته العتيقة ، مستجمعا الدفء بالنفخ في كفيه الباردتين كقطعتي ثلج.

الريح تصفر خارج الكشك الخشبي الذي يحتمي به . عبرت سيارة الميدان . أطفأت فوانيسها ثم أضاءتها وهي تمرق باتجاه الكوبري المعدني القريب.

ألقى نظرة سريعة حوله وتمتم بعبارات غير مفهومة حتى لنفسه . موال قديم حفظه في طفولته عندما كان يجلس مدليا ساقيه في الترعة التي ضربت جسمه بالبلهارسيا.

نوبة حراسته بدأت منذ ساعة فقط . عليه أن يحرس البنك ببندقية تكاد أن تكون تالفة ؛ فالخزنة الصلب تثبت في مكانها بصعوبة . تحمل مشط الطلقات ، وهو حذر كقنفذ عجوز جمده البرد .

حين صرفوا له المعطف من مخزن مديرية  الأمن أكتشف وجود ثقب كبير تحت الإبط الأيسر ، لكن صعب عليه تغييره فرتقته أمه الست عزيزة ببصرها الكفيف. من ناحية الرتق يأتي البرد مضاعفا . ربط قلة ماء من عنقها بحبل قصير ، وأخفاها وراء الألواح الخشبية التي يتمترس في أعلاها الصقر الحكومي العتيد . أشفق على البواب الذي يجلس على عتبة البيت المواجه له. ينتفض من نومه ليفتح الباب الحديدي الثقيل للباشا وأولاده ثم يعود لمكانه والنعاس يغالبه. البلاط بارد ، أما الأرض فمبتلة بعد أن سقط المطر غزيرا قبل نوبته مباشرة .

أول أمس جاءت خدمته في الصباح . رآهم ينزلون حقائب كبيرة من عربة مصفحة ، ويحملونها إلى داخل البنك. حقائب ثقيلة كالمصيبة مليئة بأوراق البنكنوت . أغمض عينيه للحظات . تصور نفسه في حلم يمكن أن يحدث له بالذات . فقد ماتت أمه راضية عنه ، وقبل أن تغمض عينيها للمرة الأخيرة دعت له بالستر.

يأتي الضابط المهيب وعلى كتفيه عصا وسيف متقاطعان . يسلم عليه ويهبه أثقل الحقائب وزنا .  بعد أن يخيره بين هذه وتلك يأمره بالانصراف والعودة إلى قريته.

كيف يمكنه أن يحمل حقيبة بمثل هذا الحجم كل تلك المسافة ؟

خمسون كيلومترا وأكثر المسافة بين نقطة حراسته ومدخل القرية. كيف يقطعها ؟

هل يجرجرها أم يحملها على كتفيه ؟ إذن أين يضع سلاحه الميري؟

لو ضاع لبهدلوه ، ولجروه لمحاكمة عسكرية ، تحكم عليه بالحبس مدى الحياة. في زنزانة رطبة تنشع منها الرطوبة ولها سجان أعور ومأمور أخرس .

ألقى بالحقيبة بعيدا ، وعاد إلى مخبأه داخل الكشك. أحس بالجوع يقرص بطنه فراح يتحسس كسرة خبز متيبسة وجدها على سور نافذة سفلى بالبنك ، مشغولة بحديد على شكل فراشة تفرد أجنحتها الشفافة وتوشك أن تطير .

يشعر أن الدم تجمد في عروقه ، وفي أقل من ثانية يجد نفسه بين أحضان نوال . تغمره بقبلات متتالية. القبلة وراء الأخرى . قبلات ترد روح الميت في قبره فما بالك بالحي؟

بعد أن يخرج من الخدمة ستمنحه الحكومة مكافأة معقولة . سيشتري دولابا من خشب السويد ، وسريرا بلا زخارف . سيكتفي براديو ترنزاستور صغير يذيع القرآن وأغاني أم كلثوم والنشرة الجوية.

ستكون دخلته بلا ضجة لأن نوال تحب الهدوء وهي مدبرة ، تعرف أنه بلا ورث أو مال . ليس له سوى المقهى الذي يشتغل فيه بلقمته .

عاد المطر للهطول . صوت ارتطام القطرات بسقف الكشك يثير أساه. طالما تمنى لو أن أمه حية لتحضر زفافه. لو أنه يعمل في المقهى كما كان قبل الخدمة لأتى بقطع الخشب ، وأشعل فيها النار كي تجلب له الدفء . ممنوع أن يفعل هذا هنا . ممنوع أن يغمض عينيه. عليه فقط أن يكون يقظا لأن الدورية يمكن أن تداهمه في أي وقت. تتأكد من صحوه والتزامه ويقظته . لقد جاءت نوال في اللحظة التي توقعها بالضبط . مدت يدها بالأطباق ولما راح يمسح البلل من على رأسها وكتفيها خافت أن يقبلها ، وهو الجريء المتهور فاختفت .

وجد الريح تصفر من حوله ، وهو مقطوع في هذا المكان وحده . في خدمته التي تنتهي لحراسة البنك في السادسة صباحا.

 

فجر الأربعاء 22/10/2008.

 

 

 

w w w .    A    r    a    b    i    c    S    t    o    r    y    . n e t

جميع الحقوق محفوظة لشبكة القصة العربية 2001-2007