[ أهلاً بالضيف الكريم ] 
للتسجيل
أنت الزائر رقم

إحصائيات الموقع

الدول المشاركة
عدد الكتَّاب
عدد النصوص
عدد الكتب
عدد التعليقات
عدد القراءات
عدد التوقيعات
عدد المشتركين
كتَّاب في الانتظار
نصوص في الانتظار
 
على باب المدرسة ! على باب المدرسة !
التاريخ:  القراءات:(3169) قراءة  التعليقات:(3) تعليقات  إهداء لصديق طباعة التعليقات أضف للمفضلة

  قصة ، من : حسن حجازى  

                             على  باب المدرسة !!

                                حسن حجازي

 

كنت جالساً فى مكتبي كالعادة  أتفحص بعض السجلات عندما هرول العامل يطلب مني  سرعة الحضور بسرعة للسيد مدير عام المدرسة لأمرِ  هام  وعاجل , توجهت على الفور وكان جالساً فى حديقة المدرسة برفقة بعض المدرسين والعاملين يستمتع بأشعة شمس الشتاء الدافئة , ليخبرني  عن وجود مشكلة بين حارس الأمن على بوابة المدرسة وأحد الطلاب بالمرحلة الإعدادية حيث أتولى الإشراف عليها ,  كنا في اليوم الأخير من إختبارات نهاية الفصل الدراسي الاول وكان من المفترض إنصراف الأولاد مباشرة عقب نهاية إختبارات اليوم لكن لتأخر وصول السيارات التي تقلهم  وكان من الأفضل عدم تركهم للإنتظار خارج أسوار المدرسة  خوفا ً عليهم من المشاكل والسيارات التي احيانا تمر من أمام المدرسة ..

طلبت ُ بسرعة أستدعاء حارس الأمن  الذي أتى مهرولاً وحاملاً على كتفه العديد من أعواد القصب النضرة التي تغري بمصها في مثل هذا الجو البارد ,  وسمات الغضب مرسومة على وجهه وقال :

-        الولد هذا يجب فصله ! يا أنا يا هو هنا !عيال آخر زمن !صوته يعلى وسشتمني ويمسكني من ثيابي !

سألته :

-ما هذا ؟

- بعض أعواد القصب التي تمكنت من ضبطها مع الأولاد !

أمرته بوضع القصب وانصرف وهو يهمهم بكلمات لم أفهمها .

كان الداخل للمدرسة حيث أعمل , ينبهر بتلك الحديقة الغناء المقسمة إلي جزأين  تم تنسيقهما بمعرفة نخبة من مهندسي كلية الزراعة وتم الإنفاق عليها ببذخ من ميزانية المدرسة وتبرعات السادة أولياء الامور فظهرت بهذا الشكل المميز وحوت من شتى أنواع الزهور وأشجار الزينة التي وقفت شامخة على أرضية من العشب الأخضر الذي يشبه سجادة من حرير تفنن صانعها في زخرفتها ونثر عليها بحنكة ومزاج شجيرات مرصوصة ومنظمة لكي تأخذ بالألباب ..وضع الحارس أعواد القصب كما قلت له ثم عاد مسرعاً ومعه الطالب وكل واحد منهما يمسك بتلابيب الأخر  ..لكن التلميذ كان في حالة هياج وثورة بحيث لا نكاد نفقه حرفاً من صياحه وثورته وتمرده ..أسرعت على الفور وخلصت الولد من الحارس وأخذته تحت جناحي وتركت المكان كله وأنا أهدأ من روعه

وأمتص من غضبه ..طلبت منه أن يغسل وجهه ثم اصطحبته لمكتبي وأغلقت الباب وأجلسته وطلبت منه أن يحكي لي بالتفصيل عما حدث

بعدما أخبرته بألا يخف ما دام يقول الصدق ..

كان َ كباقي إخوانه من التلاميذ ,وأخواته من التلميذات , يدرك مدى حبي لهم دون تمييز ودون أي اعتبارات ...

نظر في ثقة ومودة وبدأ يحكي عما حدث :

-        يا مستر  أنتهينا من الإختبارات  وكثير من الأولاد أشتروا قصب ..أنا أخبرته أننى سأخذه للمنزل لكنه لم يصدقني ورفض دخولي بالقصب من البوابة  ..قال أرميه من السور من الخارج وادخل خذه لكن لن تعبر به من بوابة المدرسة !

أبتسمت وقلت له :

-        أظن أنه ليس هناك مشكلة  لهذه الثورة وهذا الشجار ؟

رد بسرعة :

-        يا عمو  أنا رضيت لكن عندما رأيته  يسمح  لإبن المستر بدخول القصب جن جنوني هو أبن المستر أحسن مني ولا  على رأسه

         ريشه ؟

قلت في نفسي كلام معقول و أستدرك قائلاً :

-        نمص القصب داخل المدرسة ولا نجلس في الشارع ؟

فقلت له:

-        وأنت َ رأيك إيه ؟

فقال في هدوء :

-        تحت أمرك يا مستر !

 

أخذته معي وذهبت إلى مدير المدرسة وهو مازال جالساً في الحديقة ولدهشتي وجدته يمص القصب مع المستر الذي سمح له الحارس بالدخول

فضحكت وقلت له أن الموضوع أنتهى وأبننا العزيز سيعتذر للحارس

لكنه قال في إصرار :

-يجب إستدعاء ولي امره ويفصل لحين إنتهاء التحقيق معه !

نظرت تجاهه وقلت :

-        حضرتك تتكلم جد ؟!

قال :

-        نعم تلميذ يعتدي على الحارس ويرفع صوته عليه ويمر الموضوع هكذا ؟!

 

هنا ثرت ثائرتي وخرجت عن شعوري  وسألت عن القصب الخاص بالتلميذ الذي أخبرني أنه  عند الحارس في غرفته فذهبت أعطيته إياه

وقلت:

- أجمع أصحابك عند الطرف الآخر من الفناء وأمام الجميع  وعندكم  سلة المهملات أفعلوا ما شئتم ولكن يجب المحافظة على نظافة مدرستنا ! انفرجت أسارير الأولاد وأحضروا سلة المهملات وبدأوا فى مص القصب .

 

عدتُ  للسيد مدير المدرسة الذي قال غاضباً :

-        أنت بتخرب عقول الأولاد وبهذا لن تستطيع السيطرة عليهم أبدا ً !

أبتسمت وقل:

-        أنا مسئول عنهم !

رد بحزم:

-        وأنا مسئول عنكم جميعاً !

 

قلت :

-        لو كنت مسئولاً  بحق لم تقم بمص القصب هكذا أمام الطلاب بل هو نفس القصب الذي دخل به أبن الأستاذ الفاضل من بوابة المدرسة على مرأى ومسمع من الجميع والطلاب يتغامزون ويتندرون عليكم !

لم يرد وإنما وقف وغادر المكان واتجه لمكتبه والحزن  باد ِ على وجهه وأحسست أنني  كنت قاسياً في ردي عليه  فتبعته  بسرعة وأغلقت الباب خلفي  فنظر ناحيتي وقال:

-        أنا هنا في آخر أيامي  قاربت على بلوغ سن التقاعد وليس هنا أحد هنا لي سواك , أعتبرك أحد أبنائي  ما كنت أتوقع ردك يكون هكذا ؟ أمام الجميع ..

سكت ُ برهة ونظرت ُ إليهِ ملياً  قبل أن أقول له :

-الطالب على حق ..ليس فى محاولة دخوله بالقصب داخل المدرسة ..

لكن عندما يرى أحد أبناء العاملين بالمدرسة  يدخل بالقصب على مرأى ومسمع من الجميع ..ونفس السلوك عندما يصدر من أحد الطلاب نمنعه ونوبخه ..بل ونقول له نفصله من المدرسة ونستدعي ولي أمره ..هذا لا يرض ِ أحد ..

نظر ناحيتي ولم يرد ..فأكملت :

-        إذا كنا نعاني من الظلم وعدم المساواة قي الكثير من شئون حياتنا ..بل ونلعن التفرقة بيننا وبين كبار المسئولين  وشتى قطاعات المجتمع الذي يتشدق بالتندر على المعلمين ..والحط من شأنهم .. ثم بعد إذنك العامل هو الذي  يستحق التوبخيه والخصم من راتبه ..كيف يسمح لنفسه بنصح الطالب بأن يلقي يالقصب من أعلى السور ويذهب الطالب لإخذه من مكان آخر بعيداً عن البوابة ؟

      رد في جد :

-        وماذا في ذلك ؟

-        بهذا نغرس في قلوب تلامينا مدخلاً للأبواب الخلفية التي للأسف تملأ

حياتنا في الترقيات في المناصب الكبرى في دخول كليات القمة ..في الحصول على الوظائف  العليا في العديد من مجالات حياتنا ..هل يُعقَل طلاب ثانوية عامة  قسم أدبي يدخل طب ؟!

سأل باهتمام :

- كيف ؟

- الأمر في غاية البساطة  يسافر تركيا أو قبرص يلتحق هناك بكلية الطب أو الهندسة  ثم يحول هنا إلى الكلية التي يرغب بها !

تنهد في حزن وقال في مرارة :

-        ولماذا تركيا  الجامعات الخاصة بدأت تنتشر ومن معه يلتحق بالكلية التي يريدها ..بفلوسه !

-        وأولاد الناس الغلابة .. ذنبهم إيه ؟ والعدالة الأجتماعية  والمساواة ؟

ضحك وقال

-        يا بني  أنت ما زلت في أول الطريق هل تعرف كم راتبي ..راتبي وأنا مدير عام للمدرسة  وعملت بالتدريس والتوجيه وخدمت في القوات المسلحة وعبرت من عبروا القناة  فى حرب أكتوبر وذقت مرارة النكسة والآن راتبي لا يقارن براتب أقل عامل في الكهرباء أو الإتصالات أو العدل أو حتى صبي حلاق ! مكافأتي لنهاية الخدمة لا تتعدى بضعة آلاف من الجنيهات بينما مكافأة عامل السنترال تتعدى مئات الآلاف ..منتهى الجحود والنكران ..من الجميع مجتمع وحكومة وأكمل غاضباً :

- ومعاش لا يكاد يكفي  نفقات الأولاد ولا للعلاج  هل هذه هي النهاية  لمن يحملون مهنة الأنبياء رسل المعرفة هل فعلا كاد المعلم أن يكون رسولا ؟ !

ثم أردف  في مرارة :

- هل تتذكر زميلنا  عندما كرمته نقابة المعلمين الأسبوع الماضى عندما قال :

-        ليتني كنت  فتلة  في عمامة أزهري ..مقارنة بالمعاش بين ما يتقاضاه العاملين بالأزهرو الأوقاف  ومن يعمل بالتربية والتعليم  !

 ثم قال لي في جد واهتمام :

-        فى البيت عندي الأولاد تخرجوا والآن بلا وظيفة ما زالوا يأخذون مصروفهم  من الراتب الهذيل .. لقد تغيرت الأمور ولكن للأسف إلى

الأسوأ !

طلب مني الرجل الطيب ذو القلب الكبير أن أعفو عن العامل وقال يكفي ما يعانيه من الغلاء وكثرة الأولاد بعدم خصم أي جزء من راتبه و أن  أكتفي بلفت نظره وأن أصطحب التلميذ ليعتذر إليه ِ  ولا داعي  للمشاكل ..تركته وانا أفكر بجدية فى كلامه  يعمل حوالي أربعين عاماً في التربية والتعليم وراتبه لا يقترب من راتب عامل في السنترال  أو عامل في الجامعة ..ونريد إصلاح التعليم ونسأل عن سر تفشي ظاهرة الدروس الخصوصية  والمشاكل المزمنة .. قلت هذه هي العولمة و هل هذا هو الإقنصاد المفتوح .. المفتوح على الخارج ليس للداخل ..من أين يبدأ الإصلاح .. لابد ان يبدأ من المدرسة من بوابة المدرسة وليس عبر سور المدرسة  ولا من بوابتها الخلفية  .. لا بد أن يمر الجميع من الباب , وليس من الشباك , وإن اردنا أن نقيم العدل في مجتمعاتنا فلنطبقه نحن داخل فصولنا وقاعات جامعاتنا وقبل أن نطلبه من قياداتنا وقضاتنا من هنا يبدأ العدل ..يبدأ الإصلاح ..المساواة .. والحرية ولنأخذ من إبننا النجيب الذي مسك في رقبة العامل عندما منعه من دخول المدرسة من الباب ورفض الدخول من الشباك وتمرد على سلطة النظام الذ ي يسمح لإبن المعلم  بعمل ما يريد ويمنع غيره من التلاميذ .

وصلت للحديقة ووجدت الأولاد قد أنتهوا من القصب ووجدت المكان نظيفاً والسلة في مكانها فتوجهت ُ إليهم مداعبا ً :

-        وانا فين نصيبي يا بُخلا من القصب ؟

ألتفوا حولي وأمسكتُ  تلميذنا النجيب من يده وقلت له ما رأيك أن تعتذر لعمو .. نظر وقال في أدبٍ  جم  أنهُ  اعتذر فعلاً  له منذ قليل من تلقاء نفسه  ..سعدت ُ به  كثيراً  وكان  والده  قد حضر بنفسه بعدما اتصل به أحد الأولاد من جهاز المحمول , معظم أولادنا لديهم أجهزة  محمول , وتفهم  الموضوع وقال كلهم أولادك هنا وهم أمانة عندكم وثقتنا بكم كبيرة .

مررت وأنا عائد من المدرسة  ببائع القصب الذي كان  فيما سبق , قبل إحالته للمعاش يعمل فراشا ً في المدرسة المجاورة  والذى فضل عدم الجلوس على المقاهي   بل استأجر محلاً صغيراً لبيع الفاكهة والخضروات وبيع القصب ليساعد أولاده وأهل بيته في مواجهة  بحر الغلاء الذي يشبه الغول ملتهماً اليابس والأخضر كأننا الآن في السنين العجاف ولكن بدون " يوسف "!

 

عدت ُ للمنزل وانا أتفكر في هذا اليوم الحاشد وما كان به  لكنني شعرت ببعض الرضا ..قلتُ  في نفسي وأنا أتذكر موضوع البوابة والعامل ومدير المدرسة وقلتُ  في نفسي ..لماذا نعلم أولادنا الدخول من خلف الأسوار ولماذا نذيقهم مرارة الظلم الذي نعاني منه ونلوم غيرنا ..لماذا نغضب عندما نسمع أن ابن الأستاذ الجامعي  يُعين معيداً ..وابن القاضي

يصبح قاضياً  وابن الوزير يصبح وزيراً وابن رئيس المدينة يصيح رئيساً  للمدينة .. البداية للإصلاح هنا من هنا من المدرسة 00 من  بوابة المدرسة !

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

w w w .    A    r    a    b    i    c    S    t    o    r    y    . n e t

جميع الحقوق محفوظة لشبكة القصة العربية 2001-2007