[ أهلاً بالضيف الكريم ] 
للتسجيل
أنت الزائر رقم

إحصائيات الموقع

الدول المشاركة
عدد الكتَّاب
عدد النصوص
عدد الكتب
عدد التعليقات
عدد القراءات
عدد التوقيعات
عدد المشتركين
كتَّاب في الانتظار
نصوص في الانتظار
 
مخابيء 
التاريخ:  القراءات:(5057) قراءة  التعليقات:(20) تعليقاً  إهداء لصديق طباعة التعليقات أضف للمفضلة

  قصة ، من : سمير الفيل  

مخابيء

 

بقلم : سميرالفيل

 

النوى

 

ندس النوى في الثقب الذي لا يكاد يـُرى . نوى المشمش بلونه الذي يجمع بين الأصفر والبني . حين تمتد يدي لأتحسس نعومة الحبات ، وهي في سكونها أشعر بها وقد ابتلت بندى رقيق لا يكاد يحس. هنا نبتت حشائش باخضرار زاه واعشوشبت الحواف.

من يمكنه أن يعثر على مخبأي ، وحركاتي كلها وسكناتي تتم في سويعات الليل . ربما كشف ضوء القمر ظلي ، وأنا أتسلق الشخشيخة صاعدا بخفة قط فوق السور باتجاه الأعمدة التي تحمل أسلاك الراديو ووصلات التلفزيون . ربما مرت سحابة فأظلم المكان كله ، وتوحدت مع كتلة الظلام الصامتة . مثل هذه العتمة تمسح وجهي المتعب من شغل ورش الموبليا في حارة النفيس ، حينما أقضي اليوم بطوله في حمل عشرات الأطقم المذهبة جيئة وذهابا .

مابال تلك الارتعادة تتسلل إلىّ وتملأ كياني ؟

 كانت يد تحط على كتفي . بهدوء متشح بالريبة . همس جاري ابن الحاج فرج النعسان مصلح الساعات في أذني : إن سرك في بئر .

أعلمني أن مخبأه أعلى السطوح المجاورة ، وهو ليس بجبان ليشي بالسر . لكنني اقتنعت بضرورة أن أبحث عن مخبأ آخر لا يعرفه أحد غيري .

 

غارة

 

لما ضربت صفارة الإنذار اندفعت أمي وضغطت زر النور بإصبعها . شدتني مع أخوتي ونحن ببيجامات النوم إلى الدور الأرضي.

وجدت الظلمة شاملة فيما أصوات الارتطامات البعيدة تتوالى ، ونحن نحبس الأنفاس . جهزت البلدية المخبأ على عجل ، وتركت طاقتين صغيرتين في السقف ليتجدد الهواء . طاقتان تسربان زفرات حارة موجوعة.

انتفض قلبي ، وجارتنا سلوى تمد يدها المرتعشة لتمسك بيدي في الظلام . تهمس أمي وأنا أصغر أخوتي : لا تخف . الضرب بعيد.

لم أكن خائفا بأي حال . كنت فقط أفكر في أبي الذي تركنا منذ أعوام قليلة قبل غارات عدوان1956 . ماذا يفعل وحده داخل حفرته الأبدية في آخر شارع صلاح الدين ؟ من يمد له يد طرية تونسه لو أن الخوف ملأ روحه ؟ ماذا لو أن شظية مسنونة سقطت على قبره ، واهتز لها الشاهد بهلاله الخشبي .

 

نظرة

 

السحالي التي عشت أخشاها ظهرت لي ثانية في هذا المكان المترب . شعرت بها تتحرك ، وتتسلل تحت البلاطات. الزاوية التي يتقاطع عندها عامود الخرسانة بلوح الخشب السويد الذي نخره السوس صار مكانا آمنا لمبيتها.

سحالي لا أخشاها لشكلها ولا لملمحها بل لذلك الملمس الذي أشعر به يشطرني نصفين كلما تصورت أنه قارب صفحة وجهي ، ومسه برفق آثم .

أحجمت عن تتبع السحلية وهي تدخل مخبأها . ما أغاظني هو أن ذنبها ظل خارج الثغرة ، وبامتداد نصف سنتيمتر.

فكرت مرات أن أحضر سكينا وأهوي على الذنب فأنتقم لخوفي القديم . في لحظة التفكير وجدتها تستديراستدارة كاملة ، وتنظر لي بعينين مدورتين صغيرتين مترعتين بالأسى ألا أفعل . وقد أطرقت متخاذلا بينما أهم بمغادرة المكان كله، لأصعد السلمات المفضية لبيت العائلة القديم.

 

مخالب

 

اكتشفت اليوم فقط أين اختفت قطة بيت العدوي . كانت تحبنا ولا تخشانا . تنط من فوق السور لتأتي وتتشمس ناحية سطحنا.

تتمسح في أقدامنا ، يتقوس ظهرها ، وهي تتشمم ملابسنا ، فيغرق أخي الأكبر في الضحك ، وهو يقول لي هامسا، غامزا بعينيه : هي أنثى.

تحمي سطحنا ليلا من فئران المسقط ، وفي غيابها يخلو للفئران الجو فتخرج هنا وهناك غير مبالية بجلستنا ، حيث كنا نصعد كي نلتمس نسمة هواء في ليالي الصيف.

قبل أن تختفي بفترة سمعنا مواء متقطعا، واصطدمت في عدوها بالصفائح الخالية فسمعنا الارتطامات وكان الذكر يتتبعها ، وهي تمرق بين الكراكيب حتى سكن كل شيء فجأة.

اختفت ولم تعد تظهر إلا بعد أن تكور بطنها، وتدلى حتى كاد أن يلامس الأرض ، فيما انتفخت حلماتها المحاطة بشعر بني غزير .

اليوم أبصرت قطيطاتها بين الكراكيب . حاولت أن أمد يدي لأتحسس ملمس الشعر الناعم . بخت ، وهبشت يدي بمخالبها المسنونة. سال الدم قطرات صغيرة . سددت نحوها نظرة معاتبة مبقيا شيئا من العتاب القديم . كانت القطيطات مغمضة العيون . أكثر من خمسة ، وهي ترقد حذرة ترمقني بنظرة أودعتها ود شاحب وقلق عظيم.

نزلت شقتنا ، وأحضرت طبقا ملأته بالماء حتى نهايته. راقبتها وهي تمد لسانها مرات حتى ابتل ظمؤها .

 حين مددت يدي مرة أخرى ابتعدت بجرمها قليلا مفسحة ليدي ممرا ضيقا . تموء مواء أودعته كل النداءات المتمسكنة . تركتها بين صفائح الجبن الصدئة والقوارير المتربة وألواح الزان المهملة ، وكتب الدراسة القديمة المصفرة بفعل الشمس . نزلت ؛ فسألتني أمي عن الطبق . كذبت عليها ، وأخبرتها أنني فصّصت بعض حبات البلح الرطب عليه وتركته ليجف ، وعندما أعود من الورشة سأشوحه في زيت التموين الذي أفضله عن السمن البلدي الذي يخلو منه مطبخنا . وأظنني لمحت طيف القطة الأم تبتسم لي في انسجام وألفة ، وهي تنصت لكذبتي .

 

ضبط وإحضار

 

وراء شجرة جميز ضبطتهما. كان ينحني عليها مقبلا شفتيها ، وهي مغمضة العينين كالنائمة. كان هدفي في هذا اليوم أن أهرب من الورشة ، وأصعد شجرة البامبوظا ، وأملأ سلة الخوص بحباتها اللذيذة.

دون ضجة تحركت في الاتجاه المضاد . لمحته يتركها ، وهي تسوي شعرها ، وتعتدل واقفة ثم تعاود جلستها المنحنية على العشب. كان متدثرا في معطف رمادي فضفاض كذلك الذي يأتي مهربا من بورسعيد حيث يخبئه السائقون تحت المقعد الجلدي أسفل عجلة القيادة فيخفونه بذلك من الجمارك.

كنت قلقا أن يرسل الأسطى صبيانه هنا ، فيعثرون عليّ،  ويرجعونني الورشة التي زهقت منها . رأيت يده تشير لي أن آتي . هززت رأسي رافضا. ضحك وأشار بيده لقطعة " سميط " طازجة . كنت جائعا ولكنني لم أستجب له. فقط التففت حول المكان متوجها لشجرة البامبوظا التي رأيت أغصانها تذوب في الشمس البعيدة.

قضيت اليوم كله حتى المغرب أرقب الطيور تتنقل بين الأغصان . آكل الباموظا وألفظ النوى فيسقط على الأرض المبتلة بصوت كأنه الهسيس .

في المساء عدت للبيت والبقع البنفسجية تملأ قميصي وبنطالي . يثقل رأسي المنظر الذي رأيته مع عودتي . كان الشاب ممددا على العشب ويد البستاني تهزه برفق ثم بعنف كي يصحو من رقدته . لم يكن ليستجيب لهزة اليد الخشنة التي تحركه . أطمأن قلبي وأنا ألمح صدره يعلو ويهبط بعد محاولات مستميتة من البستاني الطيب  الذي ركن منجله الحديدي . دخلت البيت وعلا صوتي : إنه لم يمت . صفعتني أمي وهي تشخط فيّ  : كنت فين يا ابن الكلب؟!

 

 

الكسوة

 

راحت تفيدة إلى الحجاز لتزور بيت الله الحرام ، ولتضع يدها على شباك النبي العربي الذي أجار غزالة الوادي ، وهو حلمها بعد زواج البنات وسترهن .

أوصلنها للسويس ، فصعدت العبارة ، وعدن إلى بيوتهن ، يدعين لها الله أن يقبل حجها ويجعله مبرورا .

حين اقترب موعد العودة اتفقن أن يعددن لها مفاجأة تسر بها . سيغيرن فرش التنجيد بآخر جديد . إلى السطح صعدن بالمراتب والوسائد والألحفة . جاء المنجد بصبيانه ، فنفضوا القطن القديم الذي تلبد . ظلوا يعملون من طلعة الشمس حتى غروبها في جوف البحر المتوسط.

حين عادت تفيدة بلقب حاجة جر البنات حقائبها الثقيلة ، وترجرج ماء زمزم في الأباريق . ضربت صدرها بيدها ، وهوت مغشيا عليها حين رأت الفرش الجديد .

يؤكد يسري القطان أسطى التنجيد أنه لم يجد داخل المراتب " رزم" النقود التي تدعي أنها حوشتها من ثلاثين عاما بين طبقات القطن الذي اصفر من الزمن ومن بول البنات عندما كن رضيعات .

تقسم لهن أن المبلغ كان في الركن الأيسر للمرتبة القطيفة ذات الخطوط الطولية داكنة الزرقة ، وقد تأكدت من ذلك قبل سفرها بيوم واحد حين جست بيدها الركن الطري فوجدت يدها تصطدم بشيء جامد تعرفه تمام المعرفة .

لا أحد يعرف حقيقة ماحدث . المبلغ تبخر ، أما هي فقد رقدت عليلة بعد ضياع تحويشة العمر. كلما شربت ماء زمزم شعرت بالظمأ أكثر ، أما يسري القطان فلم تبد عليه أي مظاهر للثروة.

الصبي عرام خرج عن طوع الأسطى بلا مناسبة ، وبعد عامين اثنين اشترى سيارة بيضاء . كان يطلق نفيرها في الشوارع الخالية من المارة لكنه عندما يمر من تحت هذا البيت بالذات يمضي في هدوء ، بينما بصته تصعد للدور الثالث ، وتتشعلق على خطاف يطل بزاوية من السطح . كانت معلقة عليه المراتب القديمة بعد إكمال الكسوة.

 

دهس

 

ارتقينا التبة ، ثم هبطنا في حضنها الذي يخفي زرقة القناة بالقرب من طريق المعاهدة . أمرنا الصول عبدالخالق أن نحفر الملاجيء بعمق متر ليتمكن أفراد المشاة من الاختباء داخل الحفر في وضع القرفصاء .

لم تكن المهمة بالسهلة خاصة وشمس أغسطس الحارقة تنصب على الأبدان المنهكة . أخذنا نضرب الكواريك الحديدية بالأرض فيتسرب الرمل . نرفعه فينهال ثانية حتى نجحنا في مهمتنا التي استمرت أكثر من ساعتين . ارتمينا بجوار الحفر ، وقد هدنا التعب . كانت بالقرب منا بركة راكدة . جاءت الزنابير من أعشاشها وحطت علينا . أما النمل الأبيض فقد خرج من بيوته متجها في خطوطه المتعرجة نحو خنافس سوداء ماتت بضربات الكواريك . دونما اتفاق أغلقنا عيوننا وارتمينا على الرمل هامدين بلاصوت.

قلت لنفسي بعد فترة راحة يمكننا أن نحتل حفرنا استعدادا للمناورات.

اكتشفت أن دائرة العرق تحت الإبطين اتسعت لتتماس مع دائرة أخرى زحفت من الصدر باتجاه البطن .

دخنوا سجائرهم بتلذذ غريب. رحت أهش بيدي الدخان بعيدا . لم يأت التعيين بعد فزادنا الجوع إرهاقا . سمعنا صوتا مناديا : اجمع السرية. صدرت الأوامر بالاتجاه إلى فايد . اتركوا حفركم البرميلية .

عضضت أناملي غيظا :  سنبدأ هناك من جديد .

لطم بعض العساكر خدودهم . أشفقت عليهم ، ولم أدر إلا بنفسي أضحك أضحك بقسوة وغل ، وأنا أرقب أسراب النمل لا تنقطع عن المرور من بين أقدامنا رغم الدهس الذي لا ينقطع.

 

 

 

 

 

 

* كتبت هذه النصوص مساء يوم الثلاثاء 21/10/2008.

 

 

w w w .    A    r    a    b    i    c    S    t    o    r    y    . n e t

جميع الحقوق محفوظة لشبكة القصة العربية 2001-2007