[ أهلاً بالضيف الكريم ] 
للتسجيل
أنت الزائر رقم

إحصائيات الموقع

الدول المشاركة
عدد الكتَّاب
عدد النصوص
عدد الكتب
عدد التعليقات
عدد القراءات
عدد التوقيعات
عدد المشتركين
كتَّاب في الانتظار
نصوص في الانتظار
 
تيه غيمة 
التاريخ:  القراءات:(2711) قراءة  التعليقات:(7) تعليقات  إهداء لصديق طباعة التعليقات أضف للمفضلة

  قصة ، من : نوره سمحان  

 

     (  الأسى طير يمتص غيمة التيه )

كان يا ما كان في زمان وما زال..  موغل بالجمال..متشحا بالنور والكمال عاش بشر بالحب والسلام فرشوا قلوبهم بيقين راسخ ... أمل زاهر  .....  فنبتت ورود الحب..  الود...شجيرات وارفة الظلال من مشاعر إنسانية  شتى  جعلت حياتهم مزدهرة بالعدل والأمان  فلذلك انسل  الأسى من القلوب جزءا  جزءا  ولولا انه يمتلك طلسما سحريا لما استطاع  جمع اشلاؤوه المبعثرة من كل بقاع العالم . أصبح الأسى  هائما على وجهه يتوارى من انشراح  قلوب البشر

...حبور أرواحهم..و أيقنوا   أن حياتهم في هذه الدنيا ما هي إلا نغم الهي دائم متجدد من   حياة..موت.. ثم بعث.. فلماذا الأسى على ما كان يكون..؟؟ الجهد منهم مبذول لا تقصير ... لا تفريط.. والأمور كلها تعود لتقدير الهي حكيم.  لذلك لم يألف الأسى مكان ليستقر به إلا عشا حقيرا في مكان قصي في مسالك العالم المترامي ... ينشد السكون..بين فترة وأخرى يفتح إحدى عينيه بلؤم عدو مهزوم مصغيا لنعي.. الريح الهائم الحزين... و لضجر الحياة المفتعل من تعاقب الليل والنهار. ذات فجر ابيض أنفاسه العذبة أيقظت الحياة  فتح الأسى جفونه المنتفخة..تلمس جسده فأصابته قشعريرة.. رجفة من قدر جديد ..  نبت للأسى جناحين فغضب غضبا شديدا– لا..... جناحان صوت رفرفتهما ينتشلان الحياة من ضجرها الغبي...  حاول نزعهما ثم رضخ لهيئته و صورته الجديدة... الأسى.. أصبح  طيرا  .  مكث في عشه وقتا طويلا طاويا جناحيه يتقلب كما تتقلب الليالي...الأيام بنظام عجيب  ..في الجانب الآخر للحياة .  كان الشتاء يلملم  اشياؤوه مستعدا للرحيل فساق غيومه  الفضية ...  سحبه الرمادية  صائحا يا حادي العيس سر... انطلق  مضى الجميع مطرقي الرؤوس ... الغياب يلف القافلة  بشجن المشفق.. قائلا – إلى لقاء   لولا أمل العودة ما خلدت الأرواح..القافلة تسير بتمهل و صمت جليل ..  ارتفع صوتا مجلجلا محذرا  – لا يلتفت أحدكم  للوراء ...للإمام  فقط ....  سار الجميع  بانصياع. إحدى الغيمات مترددة في سيرها ...خوف يسكنها ينقض على  أفكارها.. هواجسها بضراوة ..  الرحيل عبور قسري من ضفة إلى ضفة ومن حال إلى حال  همست لإحدى الغيمات –    النظر للخلف ممنوع  لماذا؟ – آه.. آه منك  ربما  ساورتك أفكار التمرد...أليس كذالك .؟؟ تقترب منها لتستشف من روحها المضطربة خبرا... صمتها المريع سد.. ابتعدت عنها مسرعة  مكملة بتحذير..تخويف .. الخروج عن رأي الجماعة  جريمة يستحق فاعلها العقاب  .رائحة الربيع نفحة عطر ندي تسللت بخفة  بين ذرات الكون  المتراقصة  بعثت رائحته  نشوة    تنتشر يستجيب لها محبوا الحياة فتشرئب الأعناق حبا ..تطلعا لقدومه . الغيمة الفضية  من هؤلاء الذين أسكرهم  عبير الربيع فسرى شوق رؤيته في أوصالها استدارت .. نظرت شهقت لربيع فاق جماله التصور.. من بعد شهقتها التي تردد صداها مدويا  ليبلغ الأفاق  حكم عليها أن تبقى معلقة في السماء... تواجه مصيرها  ولتأخذها دروب التيه إلى مجاهل الغربة... استيقظ الأسى هاله كيف احتفى الكون بالربيع..مظاهر الفرح .. الزهور.. البسط الخضراء... غناء الأطيار... صفاء الأجواء... إلا من غيمة فضية وحيدة  تسبح متأرجحة في السماء الزرقاء تتأمل بإعجاب ساذج ربيع الكون الزاهي  ..عندما اقتربت من عشه الصغير حكى للمرة الأولى قصته التي استغرقت روايتها وقتا ليس بقصير النعاس يطبق عليه فيستجيب له فيجدها تنتظر بقية الحكاية. لم تلاحظ الغيمة أن الأرض امتصت الربيع احتفظت به في أحشائها خوفا من رحيله دفنته كنزا بينما الغيمة  مازالت تنتظر نهاية الحكاية فوق عش الأسى . هجم الصيف على الأرض بأنفاسه الحارة اللاهثة حاملا أكفان جرداء للأرض الصامدة .يجول ثائرا ينفخ سمومه غضبا يبحث عن كنز الكون المفقود...تسكنه روح مستعمر مستبد. تفككت أوصال الغيمة والصيف يلقي الظما بسخاء على الجميع . استيقظ الأسى عطشان بادرته واهنة تذوب- مازالت انتظر نهاية الحكاية..  مد منقاره المتخشب .. ارتشفها وصلة وصلة مرددا بسخرية –من هذه اللحظة تنتهي الحكاية وتبدأ.  أمتصك رحمة بك من مصيرك المحتوم فلتروي عطش و جدب أيامي. منذ ذلك الوقت ...الأسى يترصد  أشلاء ..أوصال غيمات التيه ليرتوي من غربة كومضة التذكار .   العش صار  قصرا ...الأسى طيرا عظيما لا يزور النوم أجفانه  أبدا.... فوق سماء البشرية يطير  خفاقا ..يحط بآهات تنساب انهارا  في  قلوب  البشر الذين  سلكوا دروب التيه ثم سكنوا مجاهل.. ديار الغربة الموحشة المظلمة .  وما رجفة القلوب انقباضها إلا خفقة  من  صوت جناحيه  . هكذا استعاد الأسى مكانه ومازالت حكايته أساطير ترويها الأجيال المتعاقبة  التي  تهوي في فراغ  الأسى والصمت .

w w w .    A    r    a    b    i    c    S    t    o    r    y    . n e t

جميع الحقوق محفوظة لشبكة القصة العربية 2001-2007