[ أهلاً بالضيف الكريم ] 
للتسجيل
أنت الزائر رقم

إحصائيات الموقع

الدول المشاركة
عدد الكتَّاب
عدد النصوص
عدد الكتب
عدد التعليقات
عدد القراءات
عدد التوقيعات
عدد المشتركين
كتَّاب في الانتظار
نصوص في الانتظار
 
ماذا قال المارد ؟؟ 
التاريخ:  القراءات:(2614) قراءة  التعليقات:(14) تعليقاً  إهداء لصديق طباعة التعليقات أضف للمفضلة

  قصة ، من : نوره سمحان  

 

ماذا قال المارد؟

 

 

هذه المرة الأولى التي  ينظر فيها لوجهه في مرآة منذ أن وطئت أقدامه  هذه الأرض حمل المرآة ذات الإطار الذهبي الملقاة بالقرب من صندوق القمامة الأسود -  مشروخة ..لكنها تفي بالغرض ...  يتمتم  حروف كلماته جافة... تنبعث من أعماق الصمت البليد  فتضمحل على  الشفاه المتشققة. سبقته  الشمس المتوقدة بالحياة فأسبلت رموشها الذهبية بتألق لتتأمل أنوارها البديعة على  مرآته  فتجمعت الأشعة  متلألئة  متراقصة...  انكسرت عند الشرخ الممتد في المرأة  فانعكست بوميض  مبهر... رمش عينيه بسرعة خوفا من ظلام النور الذي اجتاح كيانه بسحابة سوداء أعمته للحظات ثم مباغتته بألوان متعددة انطلقت بشغب مرتدة تريد حريتها من جفونه المطبقة بقسوة جلس.. هربا من حصار الحياة متواريا عن أشعة   الشمس  فوق بقايا النفايات..القاذورات أحنى  ظهره بحذر للبرميل  الأسود المتخم بأنواع الفضلات المنتنة الرائحة  مستند على ركبتيه الناتئتين. يتلمس ببشرته الكالحة التي كستها طبقة بيضاء خشنة.. يده ترتعش بنفور ضغطها بقوة – أنت التي تسببت بموتها قالها بقسوة فتداعت ذكرياته للامس الساكن بالموت ماثلة أمامه بصفاء.. عندما ضمن عقد العمل راودته أحلام الثراء فاضحي كل ما حوله بائسا... قذرا. يتقزز من الفقر و ما يدل عليه ..  بيته المتواضع .. زوجته الناحلة من الفاقة  ..  يشير على صورة لعارضة أزياء فاتنة..- هذه انثى  ... وانت . .قهقهته  عالية مصحوبة بدموع الضحك المؤلم.  ..متحسسا ساق زوجته  التي تشبه جذع  شجرة جاف متقشف  ثم يكمل   بكثير من التهكم  السخرية..- وأنت أيضا أنثى... أمطر الصورة بوابل من القبلات    – فقرا...قبح  يا لسخرية القدر من البؤساء .  قبل سفره بيوم لملمت زوجته الصور الكثيرة للجميلات التي اقتطعها من المجلات بعناية. سألته عن البقية منها أحضرها بنفسه دون أن   يسألها لماذا؟  وبينما هو منهمك في جمع حاجياته للسفر بتماسك غريب سكبت على نفسها ... الصور بنزين.. لم تبدي أية صرخة ..أنة.. النيران محيطة بها .. اللهب  يزداد اشتعالا كلما دنا منها أكثر تفحمت .. انتهى الأمر بسرعة . ما زالت تلك الحادثة ماثلة بكل تفاصيلها مع إنها لم تعد تثير فيه شعور...  حزن...  خزي .. عار.كل ما يفكر فيه منذ أن وطئت  أقدامه هذه الأرض لقمة العيش عامل نظافة يجوب الشوارع.. الطرقات باجر زهيد لا يتقاضاه إلا بعد أن  تمر الاشهرمتباطئة مثقلة بالحاجة.. الشقاء...        

   أحلام الثراء سرابا يتلاشى هاربا من أمامه   في الأزقة..الحواري وفي أفق حياته الفارغة من كل معنى  .الجوع قاده في المرة الأولى إلي صناديق القمامة بحثا عن أي شيء يسد به معدته الخاوية... مد يده في البرميل الأسود يتحسس..  انقض عليه قطا سمين كبير الرأس   أسقطه أرضا وجلس على بطنه الضامرة مزمجرا غاضبا متوفرا بمخالبه القوية لتمزيق وجهه – ميو ميو مقلدا صوت القط السمين ممعنا النظر  في القط هلعا ... أرجوك أنا جائع أعطني من فتات طعامك... اعذرني لتجرئي على صندوقك...لم أذق الطعام منذ يوميين أرجوك.. بمسكنة ذل الضعف ... فهم القط الأمر فتنحى عنه...و جلس بجانبه

...ساد بينهما صمت طويل كل منهما يتأمل في عالم الآخر وينسى نفسه بينما الكون حولهما مرحا يزخر بالحياة صخبا دون مبالاة.  مسح بيده على رأس القط بامتنان ..منذ ذلك الوقت ...يتقاسمان بقايا الطعام  كصديقين حميين

تذكر القط ..وضع المرآة جانبا... نبش كيس القمامة بهمة ... نشاط.. اخرج عظاما ..بقايا طعام.. منتظرا قدومه – حياة  نتنة .. حياة قذرة.. يرددها  كلحن حزين يجوب آفاق الوجود يشجب.. كل قسوة   . أحس بالرعب من صوته الذي تفجر من أعماقه خشنا صدئا كصوت المارد الذي خرج من القمقم.. فارتعب من رحابة المحيط... السماء النائية.. الكون  المهيب ...  بطيوف القسوة المرعبة .. فتقوقع علي الشاطئ باكيا يندب حظه..  يتمنى عودة..لقمقمه الضيق .

 

w w w .    A    r    a    b    i    c    S    t    o    r    y    . n e t

جميع الحقوق محفوظة لشبكة القصة العربية 2001-2007