[ أهلاً بالضيف الكريم ] 
للتسجيل
أنت الزائر رقم

إحصائيات الموقع

الدول المشاركة
عدد الكتَّاب
عدد النصوص
عدد الكتب
عدد التعليقات
عدد القراءات
عدد التوقيعات
عدد المشتركين
كتَّاب في الانتظار
نصوص في الانتظار
 
فرعونية فرعونية
التاريخ:  القراءات:(7353) قراءة  التعليقات:(4) تعليقات  إهداء لصديق طباعة التعليقات أضف للمفضلة

  قصة ، من : عبد الجليل الحافظ  

فرعونية

تمايلت بِرِقَةِ غُصنٍ من الزيتون حملته رياح الصَبا ذات فجر سعيد، ترقص تحت أضواء القمر المختلطة بأضواء النيون في أحضان سفح الهرم، ورمال صحراء الجيزة بهولها وجبروتها وما تخفيه من أسرار تحيط بنا لتبعث من ترابها طمأنينة الدفء في قلوبنا، وصوت عبد الحليم يخرج من مسجلة عتيقة زاد الكون رهبة في تسبيحه للملكوت الأعلى.

أتأمل رقصاتها وفتنتها الساحرة وهي تبث فيها كل إغراء الفرعونيات وسحرهم ، لتثبت أمجاد مصر القديمة، كنت فاتحًا فاهي مشدوهًا  لجمالها كعالم مصريات قديمة اكتشف للتو مقبرة لم تمسها يد اللصوص على مدى التاريخ فكانت نسيًا منسيًا.

أثارتني إيماءات يدها حينما ترفرف  بها من الجانب لتبين سحر النهد المتفجر في صدرها كالرمان، أخذت في الدوران حول نفسها ثم هبطت فجأة على الأرض لتعلن انتهاء وصلتها مع آخر كلمة في أغنية حليم...

حملت ما رمته من بدلة الرقص وجرت كظبية تريد الاختباء في الأجمة ... وماهي إلا لحظات أتت في حلةٍ جديدة لتلقي على الحاضرين ابتسامتها، كنت أريد الغوص في أهرام الجيزة من خلالها وسبر أغوار التاريخ المصري المحبوك على خصرها ومعرفة سر الجبروت المتكئ على زندها، أشرت إلى النادل برغبتي في الحديث معها بعد أن أنفحته من الجنيهات ما جعله يترك كل شيء ليذهب لإقناعها بتشريف طاولتي بالجلوس عليها ...

* * *
* * *

 

بعد محاولات معها وأخذٍ ورد جاءت إليّ في كلِّ تمنع  لعذراء بدوية تزف لعريسها، جاءت إليّ بلباسها الأبيض ليسلبني عقلي ويجعلني أظن أن نفرتيتي بعثت من مرقدها لأجل أن تُحييني، ارتمت بكل نعومة الحياة الفاتحة يدها لاستقبال طفل جديد على الكرسي الوثير المتسع لكلينا، فشممت عطرها حتى كِدتُ أن أسكر ولا خمر كان بيدي سواها ..

أخذت في أطراف الحديث معها فهالني عَذْبُ حديثٍ كان يخرج من بين جواهر فيها وضحكاتها الموسيقية.

طلبتُ منها أن نسير قليلاً على الرمال بين جنبات الهرم الأكبر وحارسه الوفي الذي لم يفارقه على مر الدهور فكان آية إعجاز أخرى تضاف لآباء هذه الأرض النابضة منذ فجر التاريخ.

تشابكت الأيدي وبعد أن ابتعدنا قليلاً ولم يبق إلا ضوء القمر وقليل من أضواء مصابيح ليلية قَرَّبتُ وجهي إليها لأشتم رائحة أنفاسها وأطلب منها مشاركتي الرقص لعل الموتى القابعين منذ أمد التاريخ يسمعون خطوات أرجلنا ويرون سحر الفراعنة الشداد في عينيها ويشاركونا رقصنا ليعيدوا نسج كتاب التاريخ الضائع ويخبرونا ما فُقِدَ من البرديات العتيقة...

* * *
* * *

نبشتُ معها الأرض بأظافرنا لعل سيلاً من الكلمات ينهمر علينا أو فرعًا من النيل العظيم ينبجس من ثنايات الرمال فيخبرنا كيف أن التاريخ بنته سواعد هذه الأرض  المسماة مصر؟، حتى تعبنا فاستلقينا على ظهرينا ثم ملنا لبعض ونحن نضحك حتى التقى بصرنا فغرقنا في صمت لتكمل العيون بقية الحديث الذي لم يقطعه سوى كلام الشفاه الغارقة بين عذب اللمى ترشف منه رحيقَ الحياة، لتذكرني شفتيها الحمراوتين بأصباغ المعابد الفرعونية...

وبنعومة انسحبت من بين يديَّ الملتفتين حولها، وجرت بكل عبث الطفولة وجمالها، تركض كمغناج تتدلل على حبيبها لتثيره، وتشعل ناره تنورًا يحرق كل ما يلقى فيه، كأنها كيلوباترا وهي تثير غضب أنطونيوس. تبعتها على الرمال الصفراء حتى التقطت يدها ورميت نفسي عليها، لنسقط من على ربوة لنتدحرج أسفلها، فالتفت الساق بالساق، وهمست بأذنها: لي ملك مصر وها هي الأنهار تجري من تحتي.

 

عبد الجليل الحافظ

الأحساء – الحليلة

23/ 3 / 1430 هـ

20 / 3 / 2009 م

w w w .    A    r    a    b    i    c    S    t    o    r    y    . n e t

جميع الحقوق محفوظة لشبكة القصة العربية 2001-2007