[ أهلاً بالضيف الكريم ] 
للتسجيل
أنت الزائر رقم

إحصائيات الموقع

الدول المشاركة
عدد الكتَّاب
عدد النصوص
عدد الكتب
عدد التعليقات
عدد القراءات
عدد التوقيعات
عدد المشتركين
كتَّاب في الانتظار
نصوص في الانتظار
 
حزن في ضوء القمر حزن في ضوء القمر
التاريخ:  القراءات:(2353) قراءة  التعليقات:(7) تعليقات  إهداء لصديق طباعة التعليقات أضف للمفضلة

  قصة ، من : نوره سمحان  

 

حزن في ضوء القمر

 

*"الذئاب تفترس النعجة في ظلمة الليل, لكن آثار دمائها تبقى على حصباء الوادي حتى يجيء الفجر" .

 الأفق هذا المساء لوحة فنية.. آية من  جمال خلاب... ليلة الرابع عشر بديعة  القمر  في أوجه... حلقات النور  ترتشف من ضياء القمر  بتمهل وما أن تتوقف  لتتأمل ذلك  الجمال  النوراني تنتهز بعض منها  فسحة من  الحرية لتلقي بنفسها فتتناثر  كشلال نور في السماء .

. –شرعوا جميع  الستائر... إفساحا  للقمر ليتسلل متطفلا بهذه  الليالي البيضاء على جميع غرف المرضى.... رؤيته متألقا ...يبعث على التفاؤل.....  مدير المستشفى يغوص بكرسيه الوثير يمد قدميه على الطاولة يدخن سيجارا فاخرا مستمتعا بألق  الليل من نافذته الرحبة  موجه حديثه لأحد الأطباء الذي يهز رأسه  مستحسنا لتلك البادرة الإنسانية الرقيقة بينما  تداعت له فكرة كريهة  لمشهد أدخنة السيجار في الغرفة  تترنح مع اهتزازات ضوء القمر كغلالة   ضباب فوق مستنقع آسن...  عند خروجه من غرفة المدير وجد أن الضباب يلف المستشفى كلها.

 كان عليه المرور لمتابعة  مرضاه قبل انتهاء نوبته . ثم الاطمئنان على  احد المرضى الذي عقد بينهما  تالف روحي إنساني  خاص ... لتقارب العمر ..كثرة تردد المريض على جهاز غسيل الكلي منذ سنوات ..هذه السنة حرجة لحالة المريض  الصحية أصبح الأمر أكثر تعقيدا الفحوصات لا تبشر بخير.

 ملاك الرحمة سبقه  للغرفة  كسهم افلت بلحظة طيش  مباشرة  نحو النافذة...سحبت الستارة بحيوية فياضة ..انبعث صوت صرير خشن  ...  اقلق راحة المريض. فتح  عينيه بوهن بينما هي صرخت بدهشة طفلة بهرتها أضواء مدينة الألعاب للمرة الأولى.

 – يا الله... ليلة ساحرة...تذوب بجمال السماء. تناست أنها جاءت لمتابعة المريض الذي مازال يتخبط بتأثير الحمى الشديدة التي انتابته بعد نزع جهاز تصفية الكلى.

ضياء القمر الفضي يتغلغل في الغرفة  فينعكس ضيائه شاحبا  على الوجه  المصفر فذابت حلاوة اللحظات الحالمة لملاك الرحمة حال رؤيتها لوضع المريض مقياس الحرارة اظهر أن الحمى تنسحب بحذر اوما لها برأسه اقتربت من وجهه أكثر مما ينبغي فاستطاع التجول  بين قسمات وجهها الجميل التبس عليه أنها تشبه حبيبته فانتابته نحوها عاطفة .. سألها عن طبيبه همست له  برفق انه على وشك الوصول دونت المعلومات اللازمة في الأوراق ..غادرت مسرعة .

لو بقيت لأخبرها عن سر لم يفصح عنه ..في حفل الحناء لأخته قبل  زواجها اختبأ  للتلصص على فتيات العائلة بفضول عجيب وبعد  تلك الليلة استقرت صاحبة الخلخال   الذهبي استقرارا أبديا في قلبه المفعم بالشباب وما زالت رنة خلخالها ترن في مجاهل الروح  قيثارة ...ألحانها لا تخفت بل تزداد عذوبة..المرض قدرا لا  يرحم.

 ابتسامه مترددة بائسة تحاول أن تصمد بشجاعة على شفتيه عند دخول طبيبه. فتهللت أسارير الطبيب عند رؤيته لمريضه مبتسما.

_ مساء الخير... كيف الأحوال اليوم؟  يتمعن بقراءات الملف الطبي .

-  الحمد لله.. يتنهد متألما يحاول رفع جسده .

– احتسب الأجر إن شا ء الله لك  اجر شهيد.. الطبيب يسحب كرسيا للجلوس بجانبه مستطردا حديثه بخشوع .. وان شاء الله لنا صحبة في جنات الخلود .

– اميين رددها بحزن واضح كمن يتلقى عزاؤه بنفسه ثم استدرك بقليل من المرح هامسا ..دكتور هل تصدق إنني هممت قبل لحظات بتقبيل الممرضة ليس قبلة واحدة ولكن بوابل من القبلات.الطبيب بنبرة  مشاكسة

- أمر طبيعي لرجل بمتقبل العمر مازالت دماؤه حارة متدفقة .

- يا دكتور مزحة... لا تصدق...هذيان محموم.. مكملا بشجن... حقيقة يا دكتور لم يعد هناك لذة لأي شيء  ...دم حار ..بتهكم  ...  دم مطارد لا يلبث أن يجري في العروق المتعبة حتى يسحب خارجا لتنقيته بانتهاك سافر فيعود ذليلا حائرا باردا ليس له انتماء.

  مازلت تكتب الشعر ؟ الطبيب مغيرا الحديث لتلطيف الأجواء الحزينة المحبطة.

 – شعر لا يحوي  حكمة الأفضل أن لا يكتب مركزا نظره على سقف الغرفة لا ينظر لجليسه روحه تحلق في خواء كئيب..مكملا بصره مركزا على السقف ...مزقت كل ما دونته من تفا هات ... لم تعد هناك قيمة تذكر لأي شيء.. يهمس أسفا.   انتبه الطبيب إن دموع مريضه تسيل براحة على جانبي وجهه المتقلص  المنهك من المرض العضال  .

 – اذكر الله ...  أعرفك شجاعا ما بك الليلة  ؟

-    لا اله إلا الله .. يا دكتور لا تعرف ما أحس به من هلع عندما تداهمني الحمى أرى أمورا رهيبة رأيت احد المرضى ممن ننتظر معا  الدور لجهاز التصفية  .. يفترسه الذئب كان  منظر الذئب فظيعا و الفريسة تنتفض  بين مخالبه .. هل تصدق إنني للحظات اجزم إنني أرى الذئب هنا يراقبني ..ينتهز فرصة الانقضاض..  اخذ نفسا عميقا ... أصدقني القول يا دكتور هل هذا المريض بخير؟..

.- نعم انه بخير .. بصوت منخفض ...رائحة الكذب تفوح خفيفة من فمه  لان المريض  بالأمس شيع لمثواه الأخير  .. . لمس الطبيب يده ليؤنسه .بينما  روحهما متجهمة حتى الأعماق.

– اذكر الله... ماذا تتمنى هذه الليلة ؟

- أتمنى... وهل بقيت لمثلي أمنيات ؟  أتمنى أن نبول أنت وأنا  واقفين  كما  يفعل الصبيان  دائما في نهاية  يوم لعب صبياني عنيف  نراقب بشغف وتحدي  من يحفر التراب أكثر بقوة بوله ...آه   كم أتمنى إفراغ مثانتي و أتنشق رائحة البول النفاثة الحادة  .

_ نظر الطبيب للساعة  نهض بتمهل يمد  له يدا ليس بوسعها أن تفعل أكثر من هذا .

–   إلى اللقاء...  ألقاك على خير... سأغيب لحضور مؤتمر طبي .

التفت المريض  بسرعة إليه .عينيه يملؤهما دمع ثم انخرط  ببكاء صامت  متشبثا  بيد الطبيب بل متشبثا   بالحياة بأطراف الأصابع و الجسد متحفزا للسقوط بأية لحظة  . قبله الطبيب على جبينه ...بللته دموع وداع الطبيب معزية حارة.

- دكتور.... مرددا بصوت مخنوق من عبرة الحزن التي تضغط على صدره  بشراسة .... دكتور  .. عندما تعود ربما لن  تجدني ..ردد هذا القول لأجلي   في أرجاء هذه الغرفة...

*"الذئاب تفترس النعجة في ظلمة الليل, لكن آثار دمائها تبقى على حصباء الوادي حتى يجيء الفجر" .

 

*جبران خليل جبران

 

w w w .    A    r    a    b    i    c    S    t    o    r    y    . n e t

جميع الحقوق محفوظة لشبكة القصة العربية 2001-2007