[ أهلاً بالضيف الكريم ] 
للتسجيل
أنت الزائر رقم

إحصائيات الموقع

الدول المشاركة
عدد الكتَّاب
عدد النصوص
عدد الكتب
عدد التعليقات
عدد القراءات
عدد التوقيعات
عدد المشتركين
كتَّاب في الانتظار
نصوص في الانتظار
 
الصفعة 
التاريخ:  القراءات:(5150) قراءة  التعليقات:(26) تعليقاً  إهداء لصديق طباعة التعليقات أضف للمفضلة

  قصة ، من : سمير الفيل  

الصفعة

 

بقلم : سمير الفيل

 

* الواقعة كما حدثت بحذافيرها:

لما استند بكوعه على حافة المنضدة لم يحس بالقميص يشيط نسجه ، فيبدو جلده البني لعيونهم البصاصة . كتب التاريخ الأفرنجي أعلى الزاوية اليسرى للسبورة السوداء ، وتأكد من التاريخ العربي في الجهة المقابلة . نظر بعينيه المجهدتين ، بربش في الوهج الشحيح النافذ من سحب رمادية متثاقلة ، وأيقن أن الشهر طوبة . اصطكت أسنانه . وقف يفرك يديه تلمسا للدفء . تنهد ، ولما دخل آخر طالب الفصل ، وصفق الباب خلفه محنيا رأسه بأدب ، فتح دفتره النبيتي . كتب بأصابع مدربة " الحملة الفرنسية على مصر" . وبدأ يتحدث في ثقة ، على حين وقعت عينه على المقعد الخالي في الصف الأول . خمن أنه سيحضر كالعادة متأخرا . بدأ يناقش طلابه ، ويكتب النقاط المهمة على السبورة . نقرات على الباب المغلق . أطل وجه الناظر . ألقى تحية الصباح . دخل . " قيام .. جلوس " . وقع على دفتر التحضير . همس في أذن المدرس : " ابن خال مدير الإدارة .. تعيش أنت " . امتدت يده بتلقائية نحو الجيب الداخلي للسترة المعلقة على ظهر مقعده الخالي . انتزع حافظة نقوده . بحرص انتزع نصف جنيه . مده في برود إلى يد الناظر الممدودة . ابتسم له قبل أن يغلق الباب خلفه : " أكثر الله خيرك!" . الأستاذ حسين عد بقية جنيهاته المطوية . تنهد . أخرج من جيبه منديلا ، ومسح الغبار . تذكر وهو يلمّع العدسات أن موعد كشف نظارته الجديدة في السادسة مساء . حجز منذ يومين ، ودفع جنيهات عشرة . وضعت الممرضة القطرة للكشف على قاع العين ، وأخبره الطبيب أن كشف العدسات بعد يومين . أحس بالبرد يسري في أوصاله . أشار لتغلق النافذة في آخر الفصل ، وواصل حديثه . دقات متلاحقة . دخل الفصل مندفعا : " تسمح لي بالدخول .. تأخرت قسرا! " اندفع إلى الصف الأول . فتح الحقيبة محدثا ضجة و" خرفشة" . انتزع كراسته ذات " السلوفان " الأزرق ، والأستاذ حسين رأى مجيد الشوباشي قد جلس بدون "إحم ولا دستور " ، فأخذته الحمية ، وصرخ فيه أن يخرج ويستأذن ، والولد قام من مقعده ، وقال إنه خبَّط على الباب ، وهذا يكفي . أقسم الأستاذ حسين أنه لن يقول كلمة واحدة في الدرس إلا إذا خرج ، ومجيد هز كتفيه ، وقال لزملائه إن هذا لا يعنيه . دس يديه في جيب بنطلونه " الكاوبوي " ، وصعد البخار من أنفه ، وبان حذاؤه لامعا بالرغم من أن أرض الشارع موحولة ، ونفير السيارة المبتعدة جعل الولد ينفخ صدره ، ويضرب الدرج الخشبي بقبضته : " من الأفضل لك أن تشرح بدلا من أن تضيع وقتنا " . التفت بعض الطلبة حوله يسكتونه ، والأستاذ حسين ارتدى الجاكت وحبك رابطة عنقه ، ونفض الطباشير الأبيض من يديه ، وجلس يزفر . بعض الطلبة التفوا حول مجيد يلومونه . صرخ فيهم : " يضيع وقتكم .. الأمر لا يخصني .. كل هذه الدروس تشرح لي في البيت .. بنقودي أتعلم ! " . كانت صورة طه حسين أعلى السبورة تكاد تختفي تحت ذرات الطباشير الجيرية . راقب عبوسه خلف المنظار ، فغزاه الأسى . احتقن وجهه ، ولأول مرة في حياته ، رغم صبره الطويل ، وحكمة السنين التي عركها ، وجعلته يبلور حكمته المأثورة : " ابعد عن الشر ، وغني له! " يجد نفسه وجها لوجه أمام هذا الشر متجسدا في صلافة وغرور هذا اللعين . كان التاريخ يشير إلى الحادي عشر من يناير ، والثامن من ربيع الآخر ، وطوبة في يومها الثاني ، بلا أمطار ، لكنه الصقيع . استجمع قواه ـ في الثامنة وخمس دقائق كما أشار كل الطلاب فيما بعد ـ ولطمه على وجهه لطمة هائلة ، ثم راح يقطع دفتر الطالب مزقا صغيرة . ألقاها على بلاط حجرة الدراسة ، وغادرها ، بينما مجيد الشوباشي يمسح الدم السائل على فمه بظهر يده ، متخاذلا كفأر ، والفصل ترن فيه الإبرة تسمع صوتها ، والناظر الذي أخذ خمسين قرشا ، كان لحظتها يضع بقلمه الأبنوس خطا عرضيا تحت الأرقام ، ويجمع حصيلة برقية العزاء . أدرك أن المبلغ يتعدى عشرين جنيا ، وهي فرصة لا تعوض للنشر في الصفحة قبل الأخيرة من " الأهرام " ، لكنه عندما علم بالصفعة ترك كل ذلك ، واندفع إلى الفصل كالمجنون!

 

* ما حدث من الناظر كما أجمع الشهود:

أزاح الطلاب من طريقه . في اندفاعه اصطدمت ركبته بمسمار برز من أحد المقاعد فمزق بنطلونه ، وخدش الجلد . أحس بالدم الساخن يسيل فلم يعبأ . وجده في المقعد مكوما . أسالت الصفعة دمه . هو الآخر أخرج منديله الأبيض ، وأرسل ساعيه يحضر كوب ماء . بلل طرف المنديل ، ومسح الدم المتخثر . ربت برفق على كتفيه ، وجعله يستند على كتفه . حدث نفسه :  " خراب بيتك يا حسين "! . أجلسه على مقعده ، وصفق فأطل وجه غزته التجاعيد . أحضر كوب الشاي الساخن : " اشرب . حسين مثل والدك . لا تغضب إلا مني " . وجهه المتجهم ينذر بالشر . يعرف أن أباه له نفوذ قوي ، وعلاقات بأناس كبار ، أما أساطيل سياراته فتجوب المدينة والمدن المجاورة ، ولازال اسمه يلطخ جدران المنازل ، وحتى سورالمدرسة . منذ أسبوعين لا أكثر أتى بالبلاط والأسمنت وعروق الخشب والعمال ، وبنى الجامع ذي المئذنتين ، وحضر حفل افتتاح مشروع البط البكيني منذ أيام مرتديا بدلته الكشمير ممسكا بيده مسبحته الكهرمان ذات الصدف . فكيف حدث ما حدث؟

قال له بتوتر تغلغل في كلماته المنتقاة : " لاداع لأن تذكر ماحدث . قل لهم بالمنزل إنك وقعت من فوق حصان القفز " . هز الولد رأسه ، ومضى تشيعه نظرات وجلة ، وعندما استدعى الأستاذ حسين وبخه ، وأمره أن يسرع بإصلاح غلطته قبل فوات الأوان ، لكنه ركب رأسه ، وقال كلاما أجوف قاله أحمد عرابي يوما لتوفيق خديوي مصر . ورد الناظر بقوله : " إن هذا عبث ، وكلام كتب لا يقدم بل يؤخر ، ولقد أتى بالاحتلال لبلاد الكنانة في قديم الزمان ، وسيخرب بيتك الآن...!" . فبسط حسين يديه المعروقتين إلى السماء التي كانت تمطر ، وهمهم بكلام لم يتبينه الناظر!

 

* تفصيلات صغيرة عما حدث في بيت عائلة الشوباشي :

الرجل ذو الخاتم الذهبي بفص الياقوت ركن سيارته أسفل العمارة بعتبها الرخامي ، وأشعل سيجاره الغليظ ، وضغط على الزر الكهربي ، فانتقل الضوء في الدوائر المتجاورة حتى أشار السهم إلى الدور الأرضي . اندفع إلى المصعد حالما انفتح الباب . خرجت سيدة مسنة عرت ظهرها ـ بالرغم من البرد ـ يتبعها كلبها الصغير يشعره المنفوش . ضحك لها ، فهزت رأسها مبتسمة ، والمصعد أنّ في اندفاعه إلى الدور التاسع . كالعادة نظر في ساعته الرقمية ذات الغلاف البلوري وإطار البلاتين . جذب المقبض الألمونيوم وخرج . سار في الردهة المفضية إلى شقته . ضغط على الجرس . فتحت له " أم عبده" الباب . حملت الشغالة عنه حقيبته " السمسونيت" ، وانكمشت خلفه . أدركت أنه حتما سيرغي ويزبد عندما يرى مجيدا ، وعلى شفتيه المتورمتين أثر الصفعة . أغلقت خلفها باب المطبخ . وقفت وراءه تتصنت.

في دخوله حجرة السفرة وجدها تضع يدها أسفل ذقنها ، والولد مكوم في مقعده ، ونظرته مسمرة على منمنمات " الموكيت" : " ماذا حدث ؟ " . الولد اندفع يبكي ، والمرأة رفعت يدها غاضبة ، وأفهمته أن الولد أهين ، وأن أولاد الباشاوات صاروا يضربون . استوعب الموقف ، وبحث عن تفصيلاته . بكى مجيد ، وقال إن هذا المدرس حقود ؛ لأنه في حصص التاريخ يشير إلى أن " خنفس باشا " قد خان عرابي ، ويضيف من عنده أنه كان إقطاعيا ، وهو حين ينطق هذه العبارة ينظر إليه من وراء عدساته الغليظة ، ويمط رقبته وكأنه يحرض عليه الزملاء .

الرجل ذو الخاتم انتفض ، وأقسم أنه سيقطع عيش هذا المدرس ، وصرخ في ابنه أن يرتدي ثيابه ويخرج معه . الأم هزت رأسها علامة الرضا ، وأم عبده وراء الباب انكمشت أكثر ، وصوت المرأة اقتحم عليها وحدتها : " السفرة تجهز يا أم عبده " . همست في أذن زوجها : " هون عليك .. لابد من الغذاء أولا " . ولما أتت أم عبده بالديك الرومي ، وأطباق الخضر ، نسيت الشوك والسكاكين والملاعق ، فقد كانت تفكر في الأستاذ حسين . صرخت المرأة فيها غاضــــبة :  " تيقظي .. الحساء ينسكب" . راحوا يأكلون في شراهة ، وجلست هي على " كرسي الحمام " تأكل رغيفها اليابس ، وتغمسه بعسل أسود وطحينة . سألت نفسها : " أخشى أن يرفتوه!" . خافت على الأستاذ حسين الذي لا تعرفه . ودت لو تبحث عنه وتحذره.

 

* ما حدث في بيت الأستاذ حسين:

عاد مجهدا . يحمل قرطاس البرتقال أبوصرة ، وحزمة الفجل . فتحت تفيدة الباب ، وحملت عنه أكياسه . لمحت بغتة حزنه الأسيان . عللت الأمر بالإرهاق ، وحين حدقت في يده اليمنى رأت آثار الطباشير مازالت ملتصقة ؛ فعرفت أنه خارج لتوه من المدرسة . ذهبت بلفافة السمك المشوي ، وضعته في طبق الصاج ، وسخنت الماء في " الكنكة " ، وعصرت ليمونة كاملة على الماء ، وأذابت الملح ، ثم قلبت " الشبار " ليتملح . غرفت الأرز في القالب " الميلامين" الأصفر . على السفرة فردت جريدة الأمس وصفت الأطباق . أحضرت محاسن الصغيرة الملاعق ، ونادت أباهها . لم يسمعها فقد كان يبحث في صفحة الوفيات عن أسماء من رحلوا . قرأ " البخت " ساخرا ، وأحس لأول مرة بالرضى عما فعل ، لكنه كان يدرك أن الأمر لن ينتهي عند هذا الحد . عض على إصبعه الخنصر . آلمه ذلك ، والبنت محاسن هزت منكبيه : " هيا لنأكل !".

استند على كتفها ، وسألها عن دروسها ، فتذكرت الشهادة . أتت بها وأرته درجاتها ، وطلبت منه أن تذهب مع مدرستها إلى الجيزة في رحلة لترى الأهرام وأبا الهول . هز رأسه أنه لا جدوى ، وأن الأمر برمته لا يستحق أن تركب السيارة من أجله ، فلن ترى سوى كتل الحجارة المتراصة تطعن الفضاء ، وتحتها كان ينام ملك محاط بأساوره الذهبية وحنطته . أخبرها أنه كان يفضل لو أن هؤلاء الأجداد بنوا للناس بيوتا يسكنونها.

ظنت أنه يمازحها ، فضربت بقدمها الأرض ، وقالت إنها مصممة على الزيارة ، فرجع إلى سترته المدلاة من المشجب ، وأخرج الحافظة . انتزع جنيهين ، وجلس معها يأكل . زوجته تفيدة تقشر السمك المشوي ، وتمد له يدها بالفصوص ، وعيناه تجريان على سطور الجريدة التي تشربت الماء المملح ، وخبر صغير يحتل ركنا مهملا : " التحقيق مع مدير عام اختلس 48 ألف جنيه " . ضحك بمرارة . سألته تفيدة عن السبب . أشار بيده إلى الخبر : " سيخلص نفسه مثل الشعرة من العجين!" . سألته عن عاطف : " هل أرسل خطابات؟ " . توقف عن المضغ . كتم عنها خبر وصول خطاب ابنه الأخير ، طالبا خمسين جنيها لشراء مراجع لكلية الطب . كررت السؤال : " ألم يرسل؟ " . هز رأسه . ما جدوى أن يراوغ : " نعم . أرسل. ويريد أن ندبر له خمسين جنيها !". " وماذا ستفعل؟ " . مط شفته السفلى : " نقترض كالعادة ، لكن المشكلة : هل أجد من يقرضني ؟ ".

مدت محاسن يدها بالجنيهين : " ليس من المهم أن أذهب للرحلة !" . كانت عيناها مندتين بالدموع . ضغط على يدها : " من حقك أن ترفهي عن نفسك!" . قامت الأم من جلستها . وقفت أمام الحوض في الصالة تغسل يديها ، وأسرعت إلى الدولاب . فتحت علبتها القطيفة . أخرجت إسورتها الذهبية على شكل أفعى . تأملتها طويلا . تحسست نعومتها . مدت يدها إليه : " بعها وفك ضيقتك " . مد يده وأخذها صامتا . لم يعقب بكلمة فقد كانت الكلمات محتبسة في حنجرته ، وخبطات غليظة تتوالى على الباب ، ترجه!

 

* ما حدث في القسم :

جلس الضابط في مقعده الهزاز خالعا كابه ، واضعا إياه أمامه ، يفرك يديه في حبور: " أهلا " . مكتب بيضاوي فخم ، وتليفون أبيض كالشمع غير التليفونات السوداء التي يراها في مكاتب المديرين . نظرات المخبرين في الطرقات تخزه . عمل احتياطه للأمور ، فمر على عبدالسلام البقال . اشترى منه علبة سجائر سوبر " على النوتة" بالرغم من انه لا يدخن . مد يده بسيجارة للضابط كما أوصته تفيدة . كانت كلماته كلها يسبقها لفظ " أفندم ! " . قال الضابط إنه لا يغير صنف سجائره ، وفتح علبة " الروثمان" وانتزع سيجارة أشعلها . كان يعرف لماذا جاء . تغابى وسأل : " لماذا طلبتني ؟ " . ابتسم الضابط ، وأمسك الكاب . ضغطه على رأسه ، فبدا أكثر وقارا . كانت تبدو عليه طيبة ريفية يخفيها خلف خشونة صوته : " لماذا أنت عجول؟! " . ضغط بيده على زر مثبت بالجدار خلفه. لمح على الجدار المقابل قيودا حديديا لامعة ، وصور بعض الخطرين تبدو ملتقطة من مختلف الزوايا، وعلى المكتب زهرية ورود من البلاستيك، ولافتة أمامه تماما ، قرأ فيها : " الشرطة في خدمة الشعب" .

 أتى رجل يتلفع بكوفية ، ويرتدي معطفا رماديا كالحا . رفع يده بالتحية منتصبا  كالألف : " شاي ولا قهوة؟ " . هز الأستاذ حسين رأسه معتذرا ، فوكزته يد صلبة : " شاي .. سكر خفيف " . الضابط اتسعت ابتسامته : " هناك بلاغ قدم ضدك . أنت ضربت ابن الشوباشي " بيه " ، والضربة موجعة . مهما كانت الدوافع. فأنت مخطيء . ما علينا . ما حدث قد حدث . والرجل حضر إلى المأمور مصمما على فتح محضر بالواقعة ، وأنت تعرف مثل هذه الأمور . نيابة ومحاكم ، و"بهدلة" . الرجل كان ثائرا لدرجة لا تتصورها . ابنه مفيد يقول إنك تشبه أباه بخنفس باشا ، وتتهمه بخيانة الثورة العرابية . أهذا كلام يا أستاذ ؟ ".

لأول مرة منذ دخل هذا المكان المقبض ، ضحك الأستاذ حسين ، وفتح فمه ليشرح الموضوع من أوله . في تلك اللحظة سمع صراخا متقطعا ، وأنين إنسان يضرب ؛ فبلع لعابه ، وسكت . أتى الرجل بالشاي ، ومد يده يبلل ريقه الناشف بجرعة ماء.

واصل الضابط ابتسامته : " المأمور بنفسه تدخل ، وأقنعه بأنه سيحل الأمور بمعرفته ، وأنت تعرف الشوباشي "بيه" . غامر الناس كلها بأفضاله . أنت بالطبع تعرف أن عنده أكبر شركة استيراد وتصدير في مصر".

تنحنح الأستاذ حسين ، وكح . أخرج منديله ، وبصق . كانت كلمات الضابط تأتي الآن ممطوطة : " بأمواله يشتري بلدا . ألا تعرف ؟ " . فتح فمه ثم أغلقه سريعا : " بالمناسبة ، يقول أنك تشتم رجال الانفتاح في دروس التاريخ الحديث ، وأنك بهذا تقصد أباه . هناك تعليمات اعتبرها نصائح  . لتقتصر في شرحك على موضوعات الكتاب . لن أثقل عليك . لا تحارب معركة خاسرة ". اقترب منه ، وهمس : " هذا رجل رأس ماله 30 مليونا من الجنيهات. أفق ".

للمرة الثانية يفتح فمه ليتكلم فتأتي الصرخة أفظع هذه المرة : " لكن" . ينصت الضابط ساخرا وابتسامته تشي بالثقة . يمضغ الأستاذ حروفه الجوفاء ، والأنين الخافت يأتي . لاشك أنه لص ، وقد سـرق " ذكر بط" أو قص حبل غسيل بما عليه من ملابس . على مضض سكت .

كأنه يفتح كتاب التربية الوطنية ، ويقرأ في الصفحة العشرين : " لكن يا حضرة الضابط كل مواطن حر في ظل الجمهورية ، ثم أن ابن الشوباشي مثل أي تلميذ .  لا يوجد بيني وبينه أي ضغينة. أنت تعرف أن حكومة الثورة الرشيدة تتبنى هذا الاتجــاه ".

أحس أن كلماته خاوية . كان وقتها قد فرغ من شرب الشاي ، وطعمه كالعلقم في فمه، ومن الدور الأرضي جاءت الصرخة هذه المرة أنينا مكتوما ، والرجل ذو المعطف الرمادي الحائل دخل ، ورفع الصينية ، وزغر له ، أما الضابط فقد قال بلهجة آمرة : " لا وقت عندي أضيعه معك . لابد أن تعتذر لتلميذك أمام زملائه . هذه أوامر صريحة وليست نصيحة . إن لم تفعل ذلك ، فلست مسئولا عما يلحق بك من ضرر . تأكد أن المسألة لن تقف عند مساءلتك أمام النيابة " .

 الأنين مسحوب من الروح ، وانسحاق المشاعر كتراب ناعم : " وقد تنقل إلى الصعيد" . الأستاذ حسين نظر إلى حذائه الموحول ، وهز رأسه : " اتركني أفكر . ربنا يفعل ما فيه الخير!". أدار ظهره ، وخرج يجر ساقين منهكتين.

 

* برقية :

السيد/ مدير الإدارة التعليمية.

أرجو قبول استقالتي من وظيفتي كمدرس أول للتاريخ بمدرسة طه حسين الثانوية .. واحتفظ لنفسي بأسباب الاستقالة .                        

                                                                       حسين المصري

 

 

* نشرت هذه القصة بمجلة " إبداع" المصرية في عدد ديسمبر 1984.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

w w w .    A    r    a    b    i    c    S    t    o    r    y    . n e t

جميع الحقوق محفوظة لشبكة القصة العربية 2001-2007