[ أهلاً بالضيف الكريم ] 
للتسجيل
أنت الزائر رقم

إحصائيات الموقع

الدول المشاركة
عدد الكتَّاب
عدد النصوص
عدد الكتب
عدد التعليقات
عدد القراءات
عدد التوقيعات
عدد المشتركين
كتَّاب في الانتظار
نصوص في الانتظار
 
البلكونة 
التاريخ:  القراءات:(4921) قراءة  التعليقات:(13) تعليقاً  إهداء لصديق طباعة التعليقات أضف للمفضلة

  قصة ، من : سمير الفيل  

البلكونة

 

 

بقلم : سمير الفيل

 

حبست أنفاسي وأنا أتأمل وقفتي في البلكونة . لا أتذكر كيف دخلت هنا والبيت بالداخل يحف به الصمت والشيش مغلق وخلفه ألواح الزجاج . كان المطر يسقط ، والجو يدمدم برعد بسيط أما البرق فكان يظهر فجأة قبل الرعد فيضيء المكان لجزء من الثانية كانت كافية لأدرك محنتي .

قربت وجهي من الواجهة ، واستندت على حافة البلكونة فإذا بالطبقة السطحية من الصدأ تتفتت لذرات ، وتلتصق بمرفقيّ . حاولت أن أستوعب الأمر فقلت إنه مجرد كابوس ، وسأصحو منه حالا . كل الشواهد تدل على ذلك ، وما تعلقي بفيوليت جارتنا الرقيقة بمعضلة فكثير من قصص الحب تنتهي نهاية حزينة ، والدنيا لا تتوقف عند قصة حب فاشلة ، بل إن الفصول تمضي كعادتها ، والأنهار تفيض ، وحين يأتي الربيع تكسّر الكتاكيت قشرة البيضة ، وتخطو إلى الدنيا ، وهي تطلق صوصوات واهنة.

بالله مالي ومال الكتاكيت ، ففي تلك اللحظة بالذات مرقت عرسة بجسدها المسحوب من تحت ساقي فارتعدت . قلت لنفسي : والله لن انتظر أكثر من ذلك.

خمنت أنني ربما  تعرضت للاعتقال بعد أن وقفت إلى جانب المرشح المعارض ضاربا عرض الحائط بالتحذيرات المتكررة التي كانت تصلني عبر مدير المصلحة ، لكنني تيقنت أن هذا كان في زمن سابق فاللافتات التي تظهر في الواجهات المقابلة تحمل صورة لرئيس آخر غير الذي رفتني ، ولم يكن هناك بد من دق باب البلكونة المغلق بقبضتي بكل قوة امتلكها . رحت أهمس أنني محبوس وهناك خطأ في التقديرات. أنا على ثقة من أنه بيت العائلة القديم المطل على شارع البدري ، وهاهو مقهى شاهين مفتوح الأبواب ، وأغنية محمد فوزي " طلع الفجر"  تتردد بلحنها الفاتن رغم أننا في منتصف الليل تقريبا .

 لست بموسوس ولا بمجنون كي أجد نفسي هنا بدون كابوس أو حلم أو اعتقال . حاولت تذكر آخر يوم انقضى قبل وجودي في هذا المكان الموحش فلم تسعفني ذاكرتي . لو أن الأمر يتعلق باعتقال أو سجن فهناك عشرات السجون والزنازين والأقبية المعتمة يمكنهم إيداعي إحداها . وهل يوجد أكثر من السجون لدينا ؟

جرني المأزق للنبش في ذاكرتي ، فلم أجد فيها ما ينقذني من عجزي عن اسـترجاع حقيقة وضعي  . تصاعدت صيحات من المقهى الكائن أسفل البيت المواجه . رأيت لافتات حمراء لفريق الأهلي ، ولكنني كنت في الطابق الرابع ومهما صرخت فلن يسمعني أحد. جربت زاعقا بكل ما أوتيت من قوة  : " ياعالم.. ياهوه . ليصعد أحدكم ويفتح الباب ويخلصني " .

لم يسمع أحد صرخاتي ، وحتى صوت محمد فوزي سكت ، وخيم الصمت على الشارع أسفل البيت وكف المطر عن الهطول . الليل يهبط برفق ، وخلفي كان جدار باهت النقوش تسير عليه عناكب رمادية غير عابئة بوجودي . كففت عن التساؤلات ، وركزت فكري للخروج من البلكونة التي حاصرتني كأنها المصيدة  .

في آخر أحلامي قفزت قفزة واسعة عبرت بي من ضفة نهر للضفة الأخرى . هنا الوضع مختلف . القفزة لنهر الشارع معناها الموت الحتمي . بدأت أشعر بالجوع ينهش معدتي . لم أكن مدخنا لكنني كنت على استعداد لأن أدفع مال الدنيا كي أحصل على كوب شاي كشري.

آه يا فيوليت. حين سرت معك على الكورنيش وجدت الحياة تتفتح كزهرة ربيعية، ورأيت الشموس تشرق مع ابتسامتك . لم تسمحي لي بلمس يديك ، ولكنك أظهرت لوحتك برتوش فرشاة توزع البقع الزيتية بدربة وإتقان. بسطتِ اللوحة على مكعب البازلت ونحن نستقبل البحر بوجوهنا. قلت وأنت مؤرجحة بين الشك واليقين : " هاه . حلوة "  ؟

حدقت في اللوحة . كانت لسجين وراء قضبان حديدية ، وهو يصرخ ويده ترتفع في الفضاء الذي بدا بلون شديد الزرقة. رأيت الوجه وكان يشبهني ، والتوقيع يحتل الركن الأيسر . هززت رأسي : " الصرخة مفزعة يا فيوليت" ؟

أومأت برأسك :" إذن لقد نجحت" .

الحائط خلفي بارد جدا ، وقطرات المطر تتساقط من السقف . لقد كف المطر،  وما كف قلبي عن الخفقان. كنت السجين في هذه اللحظة تماما. واستغربت أنني لم أجد عساكر ولامخبرين ولا أدوات تعذيب، ولا أساور الحديد المشبوكة بقفل صغير . طرقت باب البلكونة من جديد . وجدت في ركن مهمل بعض زجاجات المياه الغازية مهملة ، وفوقها طبقة من الغبار. فكرت بسرعة . مددت يدي وأخذت زجاجة ، قربتها من الحافة الحديدية ، وكسرت حافتها . أصبح بيدي سلاح مهلك . يمكنني الآن البدء في تحطيم القطع الخشبية القريبة من المقبض . رحت أعمل بحماس شديد ، وجدت النتيجة مشجعة ؛ فقد طال الخشب كل عوامل التعرية ولم يكن بحاجة إلى أكثر من ضربات متوسطة القوة ليسقط في دوي مكتوم .

مددت يدي لأحرك المقبض فوجدت ألواح الزجاج . بقعر الزجاجة ضربت اللوح فتناثر بصوت أرعبني ، وكأن الفاعل غيري. فكرت أن أتحرك وأنهض من على الوسادة فربما شارف الكابوس على الانتهاء . لم يكن التوقع صحيحا إذا لم يكن هناك غير العلامات التي أعرفها في صحوي . كلها حاضرة ولكن لزمن انقضى ، فبيت العائلة لم أدخله منذ موت أمي ، وتفرقنا في بيوت الزوجية . لقد اتفقنا جميعا على إغلاقه ، وألا يدخله أحد إلا بحضورنا جميعا .

انفتح الباب ، وأنا أدير المقبض بهدوء وتريث . خطوت للداخل فإذا بهـواء ثقيل راكد يصدم وجهي . وجدت الأشياء كما تركناها آخر مرة : الأغطية القطنية المشجرة تغطي كراسي السفرة ، والصور الفوتوغرافية بنفس ترتيبها ، " الفازة " الخالية من الزهور ، ولكن الثـُّـرية  لا تضيء الصالة رغم أن يدي امتدت لزر النور.

أعرف أن كل شيء لا يستخدم يتلف. هذا هو قانون الحياة . يصدق على الأشياء والبشر. فلو أنني توقفت لسنوات عن التفكير فسأصبح غبيا , أطلق أسئلة لا تليق بطفل صغير في السادسة. وجدتني في نفس الموقف. طفل يرتدي " الشورت " ، ويسأل عن البديهيات. سألت نفسي عمن ألقى بي إلى الشرفة ؟ لماذا تعمد أن يغلق الباب خلفي؟ هل هو الذي فصل تيار الكهرباء؟ ولماذا أنا بالذات الذي اختير للتأديب ؟  ومن جاء بصورة فيوليت ووضعها على "الكومدينو" ؟

آخر مرة أخرجت فيها  الصورة من حافظتي الجلدية يوم أريتها أمي ، وطلبت منها الذهاب لخطبتها.. قالت بتجهم أن اسمها يدل على أنها مسيحية وأنا لا أقبل!

 رددت بثقة أنها من أسرة مسلمة لكن أباها عاش فترة في اليونان، وأطلق على بناته أسماء أفرنجية ليكن جميلات : فيوليت ، اليزابيث ، مارجريت.

صممت أمي على رأيها ، وقالت أن الأسماء تلتصق بالشخصية ، ولو تزوجت هذه الفتاة اللعوب بالذات فسوف تدور على حل شعرها ولن تحكمها أبدا !

قلت بمنتهى قوة الإرادة : سأتزوجها وأجبرها على الصلاة !

 سبقتها ضحكتها الساخرة : " صل أنت أولا. لم تأخذ من أبيك غير الجري وراء النسوان ، وسلاطة اللسان" .

تدخل أصحابي الذين يزورونني من حين لآخر . قالوا لها محاولين إقناعها أن فيوليت فتاة مرحة ومثقفة وجميلة.

 رفعت يدها منهية الحديث: " حتى لو جاءت لي وتحت إبطها سجادة الصلاة" .

فشل مشروع الزواج ، وأعطيتها خطاباتها في رابطة من ستان أزرق وغلاف وردي ، فيما أبقيت صورتها بعلمها ولم تلح في إعادتها ، تنهدت حزينة : أحببتك ، ولم أحب أمك.

إنني الآن في الصالة ، وعلي أن أجلس لأرتب أموري ، ولأحسب الموضوع من أوله. مَن مِن مصلحته أن يقيد حركتي ويحبسني في هذا المكان؟

 لنفرض انه خصم لي ، فلماذا اختار بيت العائلة أصلا ، وهناك أماكن أخرى كان يمكنه اللجوء إليها.

لم تعد لي صلة بفيوليت ولا أهلها منذ انفض مشروع الزيجة. لقد خطبت فتاة مؤدبة جميلة من عائلة ذات شهرة وصيت ؛ فخالها عضو بمجلس الشعب لدورتين متتاليتين ، وعمها يتاجر  في حديد التسليح ، وابن خالتها لواء في شرطة مكافحة الإرهاب ، وابن خالة لها عقيد في المباحث الجنائية . كل هذا عرفته ، وفهمت منه أنني قد اقتربت من دائرة السلطة والنفوذ حتى لو كان أبي قد قضى عمره مفتشا في سلك التعليم ، ولم يحظ في نهاية خدمته سوى بمبلغ بسيط ودرع من النحاس الأصفر عليه اسمه .

هل يمكن أن يكون لسوسن زوجتي علاقة بالأمر؟

 هذا مستحيل، فالمرة الوحيدة التي تشاجرنا فيها تهورت وصفعتها على وجهها ، وبعد ساعتين جرجروني إلى القسم وأفهموني بطريقتهم أن بنات الناس لسن لعبة . خرجت مقتنعا برأيهم تماما . لا يخص الموضوع اللكمات أو الركلات أو الصفعات التي كالوها لي من كافة الزوايا بل تخص المبدأ ذاته، فضرب النسوة عيب خاصة إن كن بنات ثروة وجاه ومباحث !

 من يومها قلت إن الله حق فعاملتها معاملة راقية ، رقيقة ، وأصبح من واجباتي أن أنشر الغسيل ، وأنقي الأرز ، وأجهز الرضعة ل"بسبسة" .

نعم ،  ابنتي التي سميت باسم قطة سنجابية اللون نكاية في أهلي الذين ينفرون من الطيور والحيوانات والزواحف لعيب جوهري في جيناتهم . وحتى في المرات التي امتنعت فيها سوسن عن المعاشرة تفهمت الأمر فالمرأة ليست دمية في يد الرجل ، وفي المرات القلائل التي نسيت فيها إعداد الطعام تلمست لها ألف عذر وعذر ، فربما عاودتها آلام العمود الفقري والعادة الشهرية ، وربما سهرت حتى الصباح أمام قناة الأفلام الأجنبية لأنني كنت أتقلب في بيتي وهي تسخسخ من الضحك.

 أستبعد زوجتي تماما ، ولا أستريح لأن أتهم الحكومة في ذلك لأنني بعد المشكلة التي يعلمها الجميع من رفتي سنة ميلادية من الخدمة لمناصرتي المرشح المعارض الذي كان لا يجد في الورد عيب فيقول أنه أحمر الخدين ، أدركت خطأي وتهوري وقلة فهمي للسياسة التي لها ناسها .

 الحكومة معروفة بملاحتها ، ولو أن لها وجه لكان أحمر الخدين وبامتياز عظيم ، وقد علمتني الحياة أن أحني رأسي للعاصفة  حتى تمضي الرياح فلا تكسرني باعتباري شجرة.

لي أن أتجول في حجرات البيت. لكن الدنيا ظلام ، والكهرباء لا تسري في السلوك . قالت لي زوجتي مرة  ، وهي ترفسني بقدمها اليمنى بعد انتهائي من مباشرتها ، وسعالي المتصل ثم بصقي في منديل أخرجته من تحت الوسادة : " سلوك الزوج هو محصلة تربيته " . لم أجد علاقة بين الرفس وبين التربية .

كانت " بسبسة" طفلتي تحبو وهي في طريقها للحمام فأمرتني بإحضارها وقد كان ، ولما وجدت يدها مختلطة برغاوي  الصابون ، وهي تقضم قطعة منه في تقزز رمتني زوجتي باتهام معيب. قالت لي وهي تصرخ : " أنت أيه .. كلب" ؟

بالطبع توجد أنواع للكلاب ، فهناك كلاب ضالة وكلاب حراسة ، وكلاب زينة . لم تحدد النوع فلم أجد حرجا في تمرير الجملة حفاظا على المصالح العليا. دخلت حجرتي واختطفت كتاب " أصل الأنواع" لتشارلز دارون ، وشايعته في رأيه أن الجد الأعلى للإنسان ينحدر من سلالة قردية. جاءت سوسن وانتزعت الكتاب ، طلبت مني وهي تنزل حمالة الصدر قليلا أن اتبعها كي أمنحها حقها الشرعي بدلا من تبديد الوقت في قراءة الكتب التافهة التي تلحس العقول وتذهب بالنظر.

يبدو أن الأمور قد اختلطت في ذهني ، وما يقال عن مرور الشخص بتجارب قاسية تصلب ظهره تنطبق علي ّ في هذه المحنة ، وأنا أدرك أنني سأخرج منها أشد عودا فمن المستحيل أن أبقى فريسة هذه الهواجس ، ممتلئا بالمرارة لما أصابني على يد أصهاري بالرغم من أنهم أعادوا لي اعتباري ، وأرسلوا لي بعد " الواقعة " بدلة جديدة بدلا من التي تمزقت ، وطاقم من القمصان بأزرارفضية ، ونظارة شمس فاخرة ، وجورب ألماني أصلي مع قنينة عطر فرنسي عرفت ماركتها بصورة برج إيفل ، ولو أنها أتت بدون الصورة لقلت إنها من سوق الموسكي ، وهذا يعطي فكرة بسيطة عن نذالة الإنسان حتى في موضوع الهدايا التي تقدم في الغالب كعربون محبة أو رمز للصداقة الدائمة ، وهديتي تجمع بين الصفتين.

استبعد أن يكون أحد من أشقائي وراء المؤامرة الدنيئة فثلاثتهم لا يحمل لي ذرة حقد واحدة ، وكلهم يعاملونني بالحسنى .

 أخي الحاج يحي منشغل دائما برحلات العمرة والحج بالبر والبحر والطيران ، وجدول أعماله مشحون بالسفريات والتأشيرات والمقابلات ، وهو يعيش بعيدا عنا في حلوان ، والتي أصبحت محافظة لها محافظ ترفع على سيارته الأعلام وتضرب له التشريفة بروجي الحضور والانصراف. ليس لديه وقت ليدخلني في البلكونة ، ويجعلني فرجة للجيران. غير أنني لا أعرف المدة التي قضيتها هناك، ولا علم لي بطريقة الدخول ؟

أخي الثاني فتوح حصل على بطولة دولية في المصارعة الرومانية  ، ومثـّـل مصر دوليا خمس مرات ، وهو مدملج الجسم وعضلاته لو نفخها فستشق أكمامه . لديه قبضة لو ضرب بها واحدا من الناس لحوله حطاما . بالعقل والمنطق لو أنه مازال يحمل ذرة كراهية لي ما ساورته نفسه لهذه الطريقة في الانتقام . صحيح أنني أكبره بثلاثة أعوام ، ودأبت على سرقة البلي المزركش ونوى المشمش منه وإخفائه في طفولتنا المشتركة ، وأعترف بسطوتي عليه أيامها .

هل هذا يكفي لأن يترك بطولاته ، ومبارياته فيطمس ذاكرتي ويدخلني في بلكونة رثة مليئة بالعناكب والعرس وجراد البحر ؟

 أظن أنه اتهام معيب ، ونضيف إليه أن زوجته محاسن تقدرني جدا ، وتضعني في مرتبة أخوتها ، وترسل لي طبق البصارة حسب وصيتي لها كلما عملته فأنسفه نسفا بلقيمات العيش البيتي.

 لو أن فتوحا هو المجرم لأخبرها ، وهو لا تـُـبل في فمه فولة .  لم تكن تعدم وسيلة كي تثنيه عن قراره الحقير ؛ فما بيننا من سوء فهم حول البلي ونوى المشمش قد تم نسيانه وسقط بالتقادم .

إلا إن كان قلبه أسودا وحقودا ، وهو ما كانت تنفيه أمي التي اعتبرته أكثر أبنائها رحمة بها ليس فقط لكونه يأتي لها باللبن الطازج من المنبع أي من الجاموسة التي تحلبها حماته في قريتها " ميت الشيوخ" بل لأن قلبه رقيق ، ولا أنسى يوم بكى على قطة ضالة حبسها جار نجار في المسقط فكان يرفق بها ، وينزل ليرمي لها قشر السمك " البلطي " من نافذة مطلة على المسقط . مستحيل أن يفعل البطل الرياضي بي ّ هذا.

أخي الثالث عوض هو أكثر واحد يمكن أن تحوم حوله الشكوك ؛ فهو منذ لمسه جني يهودي ، وهو يتصرف تصرفات غريبة . لقد أصابه المرض وهو في السنة النهائية بكلية السياسة والاقتصاد فأودعناه المصحة حسب رأي الأطباء الذين حصلوا من أبي على جل ثروته ، ولما تبددت مدخراته باعت أمي مصوغاتها ، ومنها ثعبان بذيل ملفوف ذهب عيار 24 قيراطا، ورغم ذلك خرج عوض من المصحة ، وفي جيبه علبة سجائر أمريكية ، يدخن بشراهة ويشتم كسينجر وزير خارجية أمريكا لأسباب منهي عنها بحكم " قانون العيب " ، منها أنه كان سبب الصلح بين مصر وإسرائيل ، ومنها أيضا ولع كسينجر بالرقص الشرقي ، وقد فصلته الكلية لأنه كان في كل امتحان يتجاهل الأسئلة المقررة ، ويضع لنفسه الأسئلة المفترض طرحها على الدفعة ويجيب عليها إجابات نموذجية .

كان عوض هو الوحيد الذي تستريح له فيوليت زمن الحب الرومانسي ، وكانت ترسل معه باقات زهور "عصفور الجنة"  قبل مرضه بالطبع فيأتي بها ، ويضعها في زهرية من البلور ، ويسقيها بالماء حتى لاتذبل.

بكته أمي ، وتأسفت على شبابه الضائع ، وانزعجت حين طلب نقودا لشراء بندقية ، ولما أوشك على الانهيار ثانية خشى الجميع عودته للمصحة . استشارت الأطباء فوافقوه على طلبه ، واشترت بندقية آلية ، رخصوها له غير أنهم اتفقوا مع المتجر ـ بعيدا عنه ـ برفع إبرة ضرب النار ، ومنحوه ما شاء من الذخيرة ، ولم تستعمل البندقية غير مرتين وفي ظروف يصعب بسطها هنا.

هل يكون هو الذي فعلها ، وهش في وجهي وبش ثم سقاني عصيرا حتى خدرني تماما ، وسحبني للبيت وأدخلني البلكونة ، ثم أغلقها عقابا لي على ضعف شخصيتي كما كان يقول دائما حين أذعنت لأمي وطردت فيوليت من حياتي؟

الحقير ، المراهق ، المجنون ، المعروف في الحي كله بضياع عقله  ، ذهب وطلب يد فيوليت من أسرتها ، ولما بكت بين يديه رافضة الفكرة هدد بإشعال النار في البيت فأخذته من يده كالطفل ، وذهبت معه لمحل جنة الزهور ، قبلته في جبيته قبلة حانية ، واشترت من هناك باقة من " عصفور الجنة " فحملها بيده للبيت ، ووضعها في المزهرية وسط ذهولنا . وضع الماء ، وبعد يومين وجد بعض البتلات تذبل فأطاحت يده بالباقة ، وهو يصرخ : كلكم خائنون. أنتم وكسينجر والسادات وفيوليت!

لما ماتت أمي بعد غضبة  دورية من أبي الذي أحيل للتقاعد ، قرر بعد الأربعين مباشرة الزواج  من ممرضة نصف جميلة جربت حظها في الزواج مرتين ولم توفق . كلنا وقفنا ضد رغبته ، ووصل الأمر أن تصدت له ثريا أختي الوحيدة التي يعمل زوجها " المرشدي " في الكويت منذ ثلاثين عاما . كانت وجهة نظرنا أن زواج أبي مغامرة غير مأمونة العواقب ، فهو عجوز ومصاب بعدة أمراض منها ارتفاع ضغط الدم والسكر والتهاب المثانة، وكل مرض بمفرده كاف لإيقاع أبلغ الضرر بصاحبه .  رأت ثريا أن زواج أبي من الممرضة فيه استهانة بالغة وازدراء أكيد بذكرى أمي، وأن من في مثل سنه عليهم قضاء وقته في قراءة القرآن والأوراد ، والذهاب إلى الجوامع .

الحاج يحيى رفع يده بامتعاض وقال إن الزواج شـُـرع لتحصين المؤمن ، وأبوه غير خاضع للنظرية فهو محصن طبيعي ، ولا ينقصه سوى قليل من الورع.

أما فتوح فقد خاف على المعاش بالرغم من تجاوزه السن القانوني للاستفادة منه لكنه وضع الأمر في نصابه الصحيح حين صرح لنا في جلسة عائلية ـ على الضيق ـ  أن ما يقرب من خمس البيت الذي بناه أبي بالجهد والعرق سيطير لو أنها أنجبت ذكرا ، والعشر سيضيع لو أنها جاءت بأنثى ، فاسودت وجوهنا من الاحتمال الأول ، وكظمنا غضبنا إحراجا.

 قال المرشدي زوج أختي الذي حضر طرفا من الاجتماع التشاوري قادما من الكويت : " أبوكم يخرف ، وهو لن ينجب ، وزواج من هو في سنه عيب ".لاحظت انه ينطقها بشماتة وينظر في وجه أختي التي أنشبت نظراتها في زخارف السجادة المتربة والتي اشترتها أمي من سيدة قابلتها في موسم الحج قادمة من أصفهان .

أما أنا فقد كنت في صف أبي ، ولما وجدت التيار الكاسح ضده استخرت الله ، وقلبت أفكاري رأسا على عقب . انحزت لرأي الجماعة خاصة بعد أن زرت المستوصف البلدي ، ورأيت العروس في عملها . كانت في حوالي الأربعين وهي تضحك لصويحباتها ، وتتقصع في ضحكها ، وتسير في طرقات المستشفى تهز ردفيها هزا ، وهذا ما أخافني لأنني متخوف منذ " حادثة المقعدة " من هذه الحركات.

ولمن فاته ذكر " حادثة المقعدة " عليه أن يلم بالموضوع بسرعة ، فقد كانت لنا جارة اسمها شهندة ، تبيع البصل والثوم والبطاطس والطماطم على ناصية الحارة ، ولم يكن لها أبناء مذ طفش زوجها ، وذهب مقاتلا في صفوف الأخوة المجاهدين في أفغانستان. يقال أنه انضم لتنظيم القاعدة،  وهو خبر بلا سند أو توثيق. المهم ، كان من عادتها أن تشطب بضاعتها مبكرا ، وفي مرة كنت ألعب الكرة مع أصحاب لي ، وحدث أن سقطت الكرة في صحن منزلها. تسلقت الجدار ونزلت من فوقه متسللا نحو هدفي ، وإذا بها تمسك بي ، وتسألني : " ما الذي جاء بك هنا يا ولد" ؟

أشرت للكرة غير أنها هجمت علي ، وأردتني أرضا ، وجلست فوقي بمقعدتها اللحيمة الشحيمة العظيمة. كاد نفسي ينقطع فقلت بأنفاس متهدجة : " والنبي يا ست شاهندة أتركيني " .

فخففت ضغط المقعدة وأمرتني أن أقوم وأحني رأسي وأقبلها . كانت تشير للمقعدة التي راحت تهتز اهتزازا مرعبا حتى أنني فضلت الموت على تقبيل المقعدة لأسباب متنوعة منها أنه عمل رخيص ، يخلو من اللياقة والأصول . صممت وهي أيضا صممت ، وما كان مني إلا أن أشرت لها بالسماح لي بتنفيذ رغبتها خلاصا  من مقعدتها المخيفة  . اقتربت مهموما لفعل ما أرادت ، وفي لحظة ملهمة قمت بعض المقعدة بكل غل وقسوة  . انطلقت أعدو نحو الجدار  . تسلقته وشتائمها تطاردني ، وهي تحلف بأن تذهب بي للسجن . كان صراخها يملأ الدنيا : " يا ابن العضاضة" !

مستحيل أن يقدم أبي على حبسي فهو من الآباء طيبي القلب ، وخلال تربيته لي لم يضربني إلا عند الأفعال المؤثمة والمجرمة حسب اعتقاده ، مثل : نزول النيل في الصيف ، والسفر للقاهرة تسطيحا ، ورؤيته لي أقبل البنت عطيات ابنة بائعة الفول النابت في حوش السلم وأنا في الصف الأول الثانوي ، وبعد مصادرة مجموعة صور لممثلات إيطاليات حصلت عليهم من عم محمد الأسكندراني الذي كان يقف بصور الممثلات عند ناصية التجاري. كانت أكثر صورة حزنت عليها للممثلة " راكيل وولش" فقد كان لها صدر عظيم ، وكانت هناك صورة لهند رستم في فيلم تعري فيه ساقيها ، وصورة أخرى لممثلة هندية تنظر نحوي في وله وعشق ، وقد عرفت جنسيتها بالزبيبة الحمراء على جبهتها وهي غير زبيبة الصلاة التي كان يفتخر بها الرئيس المؤمن محمد أنور السادات الذي كان كلما زار ميت أبوالكوم حدثنا عن أخلاق القرية فأحس بالدونية والتصاغر فأنا ابن مدينة . وابن المدينة يختلف عن ابن القرية بأنه شخص قليل الاحتشام ، عاشق للسينما ، يضع سلسلة من الفضة في صدره ، يعرف البنات ويضع الفازلين على شعره وكثيرا ما يغامر بوضع كحل حول عينيه ، وأحيانا يمضغ اللبان ، ويبسبس للبنات اللائي يسرن في خفر ودلال  ،  في طريقهن إلى المدارس .

بعد أن استبعدت كل هؤلاء بقيت مطرقا في الصالة ، وكان أبي قد ترك البيت بكل عفشه واستأجر شقة في ناحية السنانية أسكن فيها زوجته التي لم تنجب ولا أحد يعرف هل هو رحمها المعيب أم أن أبي قد فقد الصلاحية ـ مثل بضاعة السوق ـ  وامتنعت عنه الخصوبة.

عاشت معه ، وعاش معها ، وبدا بعد أشهر متبرما بزوجته الجديدة ، وكان كلما فضفض لثريا ببعض متاعبه  تشير عليه بالتخلص منها ، وسرعة  طلاقها ، فيرد برفع قميصه حتى تظهر بشرته القمحية . يقول غاضبا، مشيرا لبطنه المتهدلة : تطبخي لي ؟

كانت تسكت ، وكنا نكتفي بالنظر إليه ، وطلب بعض المعونات القليلة فلم يعش إنسان بلا معونة . مصر تفعلها بتلقي معونة غير مشروطة من أمريكا ، وإسرائيل تفعلها والأردن والسودان وساحل العاج ، ودول أخرى محترمة. لكن معونة أبي كانت دائما مشروطة ، فبعد أن يمنحنا رزمة مال في ظرف أصفر يذكرنا بمرتبات الحكومة يطلب منا زيارته في شقته ، وتقديم الشكر والعرفان للممرضة التي هي منبع الحكمة عنده.

بعد سنتين فتح الله على الممرضة وولدت ذكرا اسمته ممدوح ، فكسرت أعيننا به . منا من لطم الخدود لأن خمس البيت أو يقل قليلا قد طار ، ومن أفعال أبي أنه أقام " سبوعا " ، ورشت فيه حماته المكحكحة الملح ، ووزعت الأكياس مملوءة بالحمص والفول والشموع ، ولما جاءت لنا حصتنا حملتها أختي ورمتها من نفس البلكونة التي حـُـبست فيها ، وقالت قولتها المشهورة : " يا آخذ القرد على ماله..  بكرة يروح المال ويفضل القرد على حاله"،  وهو مثل شعبي غريب لم يكن ينطبق على حالتنا فليس أبي قردا ولا الممرضة نسناسا لكن رصيد ثريا من الأمثال الشعبية لم يسعفها لانتقاء مثل ينطبق على الحالة أو حتى يحف بذيلها .

دخلت الحمام أتحسس الحوائط .  فتحت ماء صنبور يعتلي الحوض فنزلت مياه شحيحة ، غسلت يدي من الذرات الصدئة التي صادفتني في البلكونة . قضيت حاجتي خطفا ، وفيما أنا أنهض من على القاعدة توصلت لحل يرضي جميع الأطراف. هو الحل الممكن والأقرب للصحة. لاشك أنني أتيت هنا لأبحث عن صورة فيوليت بعد أن أنذرتني زوجتي أكثر من مرة أنها لو وقعت في يدها فلن تتركها إلا مزقا صغيرة ، وربما وشت بي كي يستضيفونني في القسم ليلة مثل الليلة إياها . بالتأكيد أتيت إلى هنا ، وبحثت عنها ، ووجدتها ، تأملتها شاردا ، ودمعت عيناي لما كان بيننا من حب عفيف ، وهوى عنيف . خرجت استنشق بعض الهواء وأطل على المارة من عل ٍ كما كنت أفعل أيام الهوى والغرام . هو ترتيب إلهي فقد هب الهواء قويا  فأغلق من خلفي الباب الزجاجي الداخلي ،  ثم تكرر الأمر مع الشيش ، وهو ما أدركه الآن واستجيب لمغزاه .

لحظة واحدة . كل ذلك كذب وتلفيق ، فالهواء يمكنه بالفعل طرق الأبواب والنوافذ لكنه ليس من سلطاته إدارة المقابض ، وهو ما يرجعنا لنقطة الصفر من جديد.

لماذا هذا الإصرار العجيب على رفض الحلول المنطقية لحالتي ؟ إنه كابوس سقيم من كوابيسي الأخيرة التي تحدث دائما بعد امتلاء البطن بالطعام الدسم ، وفي أقرب تفسير قد تكون طبخة " المسقعة " التي تغريني بأن أكون مبطنا أكولا هي السبب . بعدها تنمل أطرافي ، وأفغر فاهي ، ثم أذهب في " الباي باي" .

 هب أن ذلك حدث وان الكابوس لم يغادرني فعلي أن أخبط يدي في الحائط أو أن أشد الوسادة ثم أصرخ عاليا كي تشدني سوسن من الهوة السحيقة السوداء .لم أفعل وكنت في مواجهة مادة تسري فيها الحياة. الهرب بتلك الوسائل البدائية مرفوض . هناك مرض الزهايمر وقد أوشك على الإحاطة بي ، ورمي بي  في مفازات النسيان . أي زهايمر هذا الذي يحبسني في بلكونة ، ويعيدني لبيت غادرته منذ حوالي سبع سنوات أو يزيد؟

 فبعد موت أمي وزواج أبي بتنا لا نحضر هنا ، وهو اتفاق حرصنا على تنفيذه ولم ننقضه سوى مرات قليلة ، وباتفاقة العائلة كلها.

التليفون لا يعمل ، أمد يدي لأحدثهم في البيت حتى لا يقلقوا . التلفزيون هو الآخر يبدو كالجثة الهامدة. آه. لاشك أن سكين الكهرباء مرفوعة . سأتجه حالا لتنزيلها فيعم النور ، وتعود لنفسي السكينة ، ويغزو قلبي الصفاء.

فيما أنا متجه إلى هناك وجدت ضوءا شحيحا قد تسرب من البلكونة المفتوحة مع تيار هوائي بارد ، وكأن هناك حفيف شخص يتحرك في الغرفة الداخلية . هذا غير معقول بالطبع. تغيرت نبرات صوتي وأنا أتحدث مع نفسي . قلت متمتما " أعوذ بالله من.." . لم أكملها إذ وجدته ينتفض فوق السرير الحديدي ذي الكرانيش ، ويتمتم : " قل أعوذ برب الناس ".

 كان مصعوقا من المفاجأة. يبدو بشعر مهوش وعينين حمراوين مذعورتين . رفع يده كأنه يمنع شرا قادما. في نفس اللحظة شعرت بشعر رأسي ينتصب. أردت أن أطلق صرخة رعب. كان المكان رغم الضوء الشحيح يظهر بعضا من ملامحه . يقف مأخوذا بثياب رثة مهملة ، وقد طالت لحيته ، وكادت تصل لنصف صدره . هززت رأسي رافضا ما أبصرته ، و هز رأسه متمتما بكلمات تلجلج فيها التوسل مقترنا بالغضب.

لم يحتمل أي منا أن يجد إنسانا آخر في نفس البيت. انحشرت الصرخة في حنجرتي . شملتني رعدة كادت تقعدني . رأيته يغالب يأسه كي تنطلق صرخته المتحجرة في حلقه . كان كل منا يندفع في اتجاه الآخر ، ثم يعود لجر ساقيه ليبتعد مهزوما . كعرائس الماريونيت عبر عرض مخيف.

لم يكن هناك فرصة للكلام ، أو تفهم المشكلة ، أو بحث عن حلول . من الواضح أن كلينا لا يعرف الآخر. ليس واحدا من أخوتي ولا أصدقائي ، ولا جيراني ، وهو أيضا لا يعرفني بتاتا . بكل ما في عينيه من ذعر اندفع نحو الباب ليهرب. كان مغلقا ويبدو أن رتاجا غليظا قد أغلقه من الخارج ، وصدأت المفاصل . أنا بدوري اتجهت إلى مهربي حيث بدأت المحنة. قست المسافة بين حافة الشرفة وبين أسفلت الشارع . شلني عجزي المثير للحنق .

عدت باحثا عن منفذ آخر فوجدته يضرب الباب برأسه ضربا عنيفا والدم يسيل . دموعه تنحدر على خديه المصفرين بوجهه الهضيم .

كنت أرتعد من وجودي معه في مكان معتم تشغله العناكب والسحالي والرطوبة، وذرات التراب العفن والهواء الثقيل الراكد الذي يوشك أن يخنقني .

عدت أدور في فراغ  البلكونة ، وأرقب الطريق المبلول بالمطر . ليس لدي القدرة على المغامرة فقفزة من أعلى تعني الموت المحقق.

 كان ما زال في محاولاته المستحيلة لكسر باب الشقة فيما يوالي ضرب رأسه بالشراعة. تهتك جلد وجهه ، وشملني يأس قاتل. بقينا متواجهين والعيون تتطاير منها الشرر . سمعت صوت المطر في الخارج وقد عاد من جديد للهطول.

 

دمياط في 12/5/2009

 

 

 

 

w w w .    A    r    a    b    i    c    S    t    o    r    y    . n e t

جميع الحقوق محفوظة لشبكة القصة العربية 2001-2007