[ أهلاً بالضيف الكريم ] 
للتسجيل
أنت الزائر رقم

إحصائيات الموقع

الدول المشاركة
عدد الكتَّاب
عدد النصوص
عدد الكتب
عدد التعليقات
عدد القراءات
عدد التوقيعات
عدد المشتركين
كتَّاب في الانتظار
نصوص في الانتظار
 
شلن فضة 
التاريخ:  القراءات:(4973) قراءة  التعليقات:(20) تعليقاً  إهداء لصديق طباعة التعليقات أضف للمفضلة

  قصة ، من : سمير الفيل  

شلن فضة

 

بقلم : سمير الفيل

 

الولد منير شقي ونحيف كنواة بلح أبريمي ، لكن دمه سكر ، وهو يقلد مشية مدرس العربي ، الذي يخب في بدلته الوحيدة الرمادية المثقوبة من الأكمام ، أو وهو يحاكي الأستاذ عبد السلام الذي يأتي من " العطوي " راكبا حماره الضعيف المضعضع . ضربه الناظر عشرة عصي عندما فك الحبل المربوط فيه الحمار بجذع شجرة ، ومضى في الميدان يبرطع ، والحمار الماكر عندما نظر بطرف عينه ، ولم ير صاحبه ضخم الجثة ، شعر أن ظهره خفيف ، فأطلق ساقيه للريح فرحا ، ولم يوقفه سوى شط ترعة تغص بالمياه ، خاف أن ينزلها ، فتوقف متحيرا ، وراح يمضع عشبا ً أخضر كان معفرا بالتراب .

جاء الفراش مسعد ، وعاد بالحمار والولد المتهم ، وهو يوم لا ينساه ، ولا يظن أن الحمار هو الآخر قد نساه ، فلو كان له لسان ينطق لصاح : كانت فسحة شائقة !

الولد أسمر ، وقصير ، وشعره مفلفل ، لكن أسنانه المرصوصة تعلن عن ضب خفيف لا يكاد يـُـرى ، وخفته جعلته يفكر أكثر من مرة في أن يطير كالعصافير ، وأن يلامس السحب البعيدة التي تزرقش السماء ببياضها الشاهق ، وقد جرب مرة أو أكثر أن يقفز من على غصن شجرة توت فاردا ً ذراعيه . في مرة أنقذته أفرع الشجرة السفلى المحملة بالثمار اللذيذة ، فخففت من قوة الارتطام ، وفي مرة أخرى وقع على جنبه ، فأصابته بعض الرضوض ، ولما كان يتحمم لمحت أمه الزراق فشددت عليها الخناق ، فزعم أن مدرس الحساب قد رفسه لأنه لا يعرف كم يساوي حاصل ضرب خمسة في سبعة ؟

وحين باغتته الأم بالزيارة في المدرسة ، واشتكت الأستاذ عبد السلام للناظر إتضح لها أن التهمة ملفقة فعاجلته بقرصة موجعة تركت علامة في كتفه ، وفي جمعة الحموم ، أراها إياها ، وحدجها بعتاب مؤلم : طبعا لو حد تاني كنت اشتكيتِ لك . أنا رايح أشتكيك لأبويا .

حين انتهى من استحمامه ، ارتدى قميصه النظيف ، والشورت القصير لفوق الركبة ، وذهب إلى الجبانة ، حيث كانت حدبات القبور مطلية باللون الأبيض . ابتاع خوصا أخضر بتعريفة ، ليضعه على قبر العائلة ، واقترب من القبر الذي كان باب مقصورته تهزه الريح ف" يزيـّـق ". خجل أن يشكو أمه ، لكنه همس بصوت خفيض : لقد وحشتني ياأبي !

لم ينتظر أي إجابة ، فهو يعرف أن الموتي لا يتكلمون ، وحين انتهى من قراءة الفاتحة ، وضع كفيه بميل خفيف على الحافة ، وامتلأت يداه بتراب ناعم خفيف . كان يشعر أن أباه الذي غاب وهو ما زال طفلا ً يحبو قد أمعن في الرحيل ، ومن حق الأحياء أن يطلوا عمن راحوا في غبش الزمن البعيد .

الولد منير لا يكف عن اللعب طوال النهار ، بعد أن يخرج من مدرسته يطير إلى بيته ، كي يحصل على لقمة على الماشي ، ويكون لديه قرابة الساعة قبل أن يذهب لمحل الأحذية الذي يعمل به ، وهي فترة مناسبة تماما لاصطياد السمك بالسنارة ، أو لمطاردة كلب في أرض البرش ، أو الذهاب للمكتبة العامة حيث يجد الجميع يقرأ في صمت ، وهو يكره هذا الصمت المميت ، يستعير كتابا وينطلق نحو المنحدر الهابط للنيل ، الذي يكسوه الدبش الأبيض ، ومنه تطل نباتات شيطانية بلا رائحة . يفر الصفحات ليقيس الزمن التقريبي للانتهاء من القراءة ، وفي أغلب الأحوال يكون تقديره سليما ، فلا يمكن أن يمضي يومان دون أن ينتهي من كتابٍ ، ناهيك عن تجهيز قش شم النسيم ، وصنع "الأليمبي " ، والانخراط في عصابات الهجوم المباغت على الحارات الأخرى لسلب القش من أماكن تخزينه السرية ! .

اليوم أنهى دروسه مبكرا ، فقد كان الخميس ، سأل المارة عن الساعة فكانت الواحدة . أمامه ثلاث ساعات كاملة ويأتي موعد ذهابه للشغل .

سأل نفسه ، ويده تقبض على شلن فضة كان قد ادخره من مصروف الأسبوع : ما أجمل أن تشاهد فيلم السندباد . وقف أمام السينما التي تعرض الفيلم ، وراح يتأمل " الأفيش " الملون ، وصورة السندباد تبدو بالحجم الطبيعي ،وعمامته الصغيرة في احمرارها تجعله غامضا ومريبا .

ربما هو حلمه الذي ظل يلوح في مخيلته ، وقد اقترب الموعد ، موعد حفل الظهيرة ، ومعظم روادها يكونون من أولاد المدارس ، وبقايا حرفيين أنهوا يومهم مبكرا ، وبعض فلاحين يعرفهم من الجلباب الواسع الأكمام ، و"اللاسة "العجيبة التي تغطي رؤوسهم .

قبل أن يمد يده بالشلن الفضة المنقوش عليه صورة الملك فاروق الأول بطربوشه المائل في نزق وأبهة ، سمع طبلا غريبا .

كان يدق بانتظام ، وحماس ، فأدرك أن هناك أمرا غير معتاد سوف يحدث . الطبل لا يعرفه سوى في سيارة مولد النبي ، وفي ليلة الرؤية ، أو في العرض العسكري .

في الميدان كان حاويا قد نصب عدته ، وراح يوسع الدائرة ، ومن خلفه زوجة نحيفة تضرب على الدف ، وفي المنتصف تماما كانت هناك طفلة صغيرة في مثل سنه . طفلة جميلة جمالا شاحبا بضفيرتين قصيرتين وسنة مكسورة ، وجهها فيه ملاحة آسرة ، كانت تفرد قطعة المشمع المنقوشة بألوان زاهية ، وتضبط قطع الزلط على أطراف المشمع الدائري بصعوبة ، حيث تهب الريح فتزيح طرفا ، فتعاود ضبط قطعة الزلط .

كان الحاوي قد بدأ يستعد لفقرته الأولى ، حين راح يرشق السكاكين في دائرة مرتفعة لأكثر من متر ، مرتكزة على قائم من الحديد المطلي بالأسود ، وبين كل سكين وآخر يشعل كرة من القماش المشبعة بالجاز ، ويثبتها في الفجوات .

طلب منهم أن يصلوا على جمال النبي العربي الأمي ، فصلوا جميعا : الكبار والصغار . ومد طوله ، وعاد فقصّره ، وتلوى مثل حنش ، وكخيط يمر من سـَـم الخياط اجتاز الفتحة التي رآها منير ضيقة ، حتى أنه أخفى عينا وترك الأخرى لتبحلق ، وتتابع القفزة .

كانت البنت قد عادت لطبلتها ، بصوتها الهائل ، تدق بالعصا التي تحمل في طرفها رأسا من المطاط : ترم ..دم .. ترم .. دم .. ترم .. دم .

كأنه يستعيد المارش الحزين ، في جنازة ابن الدمهوجي تاجر الأخشاب ، حين غرق الشاب في البحر المالح ، وسارت الجنازة ، والموسيقى النحاسية تصدح في شارع الجلاء ، وفرقة أطفال الملجأ تعزف ، بإيقاع حزين . لما عاد سأل أمه ، وهو يخفي الكتب في مسقط السلم : ليه يا أمي الجنازة دي فيها موسيقى ؟

كانت تغسل ، وتحك الياقات والأساور ، والملابس مبتلة ، فأشاحت بيدها ، ونثرت رغوة الصابون : بعيد عنك . الله يرحمه مات صغير . لسه ما دخلش دنيا .

لا يدري إلا والخاطر يستقر في رأسه ، ويملأ عليه كل كيانه ، ما أجمل أن ينام الواحد في النعش ، ومن خلفه الموسيقى تعزف ، وأولاد زي الفل يسيرون بصواني رصت عليها ورود بتلاتها بكل شكل ولون . أستوعب الفكرة ، سألها وهو يضيق عينيه : بعد الشر . بعد الشر يعني . لو أنا مت دلوقتي ، هتجيبي المزيكا .

حملقت في وجهه مذهولة ، وأدرك من بصتها أنها لو أمسكت به لكسرت عقه ، ودفنته على السكت ، فزاغ .

البنت تدق ، والزوجة تدور بالطار حول الدائرة ، تجمع القروش ، والشلنات ، والبرايز ، والبنت تدق أسرع ، أما الرجل فيستعد للفقرة الأصعب ، سيدع رجلا يقيده بالحبل ، ومهما بلغت صعوبة الربط ، فبمهارته سيتمكن بعون الله من فك نفسه . سأل ، وهو يتفحص الوجوه متحديا : مين راجل ؟

كأن الناس على رؤوسها الطير ، والبنت تندفع أكثر في الدق: ترم ..دم .. ترم .. دم .. ترم .. دم .

هز رأسه واثقا من نفسه ، وهزت المرأة الطار فشخشخت النقود الفضية . ودَّ منير أن يعطي الحاوي الشلن ، فقد أعجبته قفزته ، ولكن السندباد سيفعل ما هو أروع ، سيتصدى للتنين الفضي ، وسطير على جناح الرخ الوحشي ، وسيجتز عنق الديناصور ذي الذنبين .

سأل الحاوي الواقفين ، وهو يتأمل وجوههم : عايز راجل مجدع ، يوريني فتونته .

قبل أن يكمل جملته رأى منير جزار الحتة زقطة يشق طريقه نحو الدائرة ، ثم شاهده يتفحص الحاوي في جسده الضئيل ، وقد غطى صدره بالشحوم ، وزيت الزيتون لزوم الصنعة . لكنه زجر الحاوي في تحد غريب : واد يا حنفي ، هات السلبة !

كانت النقود الفضية تزداد ، والمرأة تلف ، والطبلة تعلو على دقات قلب منير الذي انقبض بلا سبب.

قال الحاوي لزقطة ، وهو يتأمل السلبة في لهجة من يستعطفه : خلينا في الحبل ده يامعلم !

راح زقطة يقيسه بنظره ، وغرس كلماته في جسد المسكين الذي كان يرتجف دون أن يتخلى عن تحديه : خليك راجل من ضهر راجل .

سهم في انتظار أن يقيده الجزار الذي جاء وعلى جلبابه الأبيض أثر طرطشة دماء . فكر . ربما يفلت ، فلا شيء يمنعه من أكل عيشه .

رفع المعلم يده بعشرة جنيهات حمراء تذبح العصفور : وآدي حتة بعشرة ، لو فكيت نفسك ياحلو .

بهمة منقطعة النظير ، كان المعلم زقطة يحكم الحبل على جسد الحاوي الذي حاول أن ينفخ بطنه وصدره دون جدوى ، ثم لفه على يديه بعنف ، حتى أن جلده انشد ، وازرق فيما بين الكتفين ، وكلما حاول أن يتفلفص ، صرخ زقطة في صبيه : شد ياخِـرع .

استمر الشد ، وإحكام العقد ، حتى انتهى الجزار تماما ، فنفض يديه ، وأمر صبيه حنفي أن يسرع ليحضر له كرسي منجد من المحل .

كانت المرأة قد توسطت الدائرة ، واقتربت من زوجها ، مسحت خيوط العرق ، ومسدت شعره بيدها الخالية : شد حيلك يا حسيني .. معلهش يا أخويا . ياما فلتت من مصايب أكتر من دي .

خرج صوته بصعوبة ، والسعال يرج صدره رجا : تعبت يا وجيدة ، والكحة عدمتني العافية .

نظر الحاوي لغريمه بتحد ، وصرخ في السماء : نظرة يا سيدة ، ياطاهرة .

وفيما هو يدور حول نفسه ، تأمل الصغيرة التي انتابها الذعر : جرى أيه ؟ دقي يا لواحظ .

عرف منير أن البنت اسمها لواحظ ، ودار خارج الحلقة حتى صار في مواجهة الحاوي ، وهو متأكد أنه سيتخلص من الحبال ، وسيظفر بالجنيهات العشرة .

التفت الحسيني للجمهور ، وبدأ في التملص بتقليص عضلاته ، إلا أن الحبل كان مشدودا لأقصي درجة ، والجزار جلس في مقدمة الدائرة ، ويده تلوح بالحتة أم عشرة .

جحظت عيون الحاوي ، وهو يحاول أن يتفلفص ، والطبلة تواصل دقها : ترم ..دم .. ترم .. دم .. ترم .. دم . فيما كان منير يلف باحثا عن مساحة تمكنه من رؤية الحاوي لحظة فك قيوده ليمشي وراءه من حارة إلى حارة مصفقا للبطل .

ركع الرجل على ركبتيه ، ورمق مساحة الزراق التي شعر بها قطعة من لهب ، هتف بصوت مبحوح : يا سيدة سكينة .. نظرة ياست!

عادت الزوجة تمسح عرق زوجها ، وتستحثه :

أصلب طولك يا أخويا . شدة وهتنزاح .

ثم وهي ترى عروقه تنفر ، فتشف من خلف الجلد المشدود :

بلاش تكمل يا اخويا ، بلاش . قلبي واكلني ، ياخدوا فلوسهم ، ويغوروا .

خرجت كلماته من فمه الجاف بصعوبة : مش أصول يا أم لواحظ .ما حدش بيهرب من صنعته !

كانت الدائرة تضيق ، فتوسعها الزوجة وهي تدور ، فيما يدها ترتجف بالطار ، وهو يقوم كالذبيحة ، ينتفض محاولا أن يفلت جزءا من الحبل دون جدوى ، ثم سرعان ما يهوي في أنين خافت .

أسرعت الزوجة ، وملأت كوبا من سبيل قريب ، ودفعته في فمه الذي بدا متشققا .

رأته أزرق الوجه ، فاندفعت نحو رجلها محتضنة إياه ، جرت المسألة فجأة ، حتى أنها رمت الطار بما فيه من نقود على امتداد ذراعها .

هجم كل من دفع قرشا أو شلنا أو بريزة نحوالطار ، فصار خاويا ، وتمزق جلده .

سحب المعلم زقطة كرسيه في كبرياء أجوف وسار منتفخا كالطاووس ، وانصرف أغلب الناس بلا صوت . لم يبق إلا العفرة ، والبنت تدق كأنها منومة : ترم ..دم .. ترم .. دم .. ترم .. دم .

كان الرجل قد تحول إلى جسد خائر القوى ، والزوجة أمالت رأسه في حجرها ، وراحت ترقيه بآية الكرسي . ولما فشلت في فك العقد المحكمة ، أشارت لابنتها أن تأتي من الجراب بسكين ، فتوقف الدق الجنائزي الحزين .

كانت الجلبة قد خفت نهائيا ، والمشمع الخفيف قد تحول إلى مزق من أثر الأقدام المتدافعة : سلامتك يا خويا .

سألت لواحظ أمها : أبويا بخير ؟

هزت المرأة رأسها : نحمده !

لم يدر منير بنفسه إلا وهو يعود بالطار الخالي ، أخرج من جيبه الشلن الفضة ، وضعه في المنتصف تماما ، كان الرجل قد بدأ يلتقط أنفاسه ، ويبربش بعينيه في إفاقة مؤلمة .

ربت على كتف الولد منير ، وهز رأسه بامتنان حقيقي : تسلم يا ابني .

من دون أن تخرج من فم البنت كلمة حركت يدها ملوحة له ، و ابتسمت بوجهها المخطوف الشاحب .

قال منير لنفسه ، وقد تبدد حلمه في مشاهدة السندباد : لقد رأيته .نعم . لقد رأيته .

ومضى نحو المحل قبل أن يأتي الموعد ، دون أن يعاود النظر للمكان ، ولو لمرة واحدة .

 

القاهرة 9 / 9/ 2004

 

 

w w w .    A    r    a    b    i    c    S    t    o    r    y    . n e t

جميع الحقوق محفوظة لشبكة القصة العربية 2001-2007