[ أهلاً بالضيف الكريم ] 
للتسجيل
أنت الزائر رقم

إحصائيات الموقع

الدول المشاركة
عدد الكتَّاب
عدد النصوص
عدد الكتب
عدد التعليقات
عدد القراءات
عدد التوقيعات
عدد المشتركين
كتَّاب في الانتظار
نصوص في الانتظار
 
في انتظار عبدالله في انتظار عبدالله
التاريخ:  القراءات:(7108) قراءة  التعليقات:(4) تعليقات  إهداء لصديق طباعة التعليقات أضف للمفضلة

  قصة ، من : ظافر الجبيري  

                

                                   في انتظار عبدالله

                                                     إلى أبي في ذكرى رحيله الـ 27

 

  باغتي السؤال ،أعادني من طرق بعيدة وصلتُ إليها .. التفتُّ إليه جالساً بجواري على نفس الخط من الكراسي وسط ممر مزدحم في مستشفى عامة.. وجه أصابته السنون بسهامها ، لحية بيضاء طويلة في وقار ، الممر مليء بأقدام تدبّ  الهوينى، وأخرى سريعة، وثالثة تتوقف فجأة بوحي من مؤخرات مكورة تسدّ الممر، تتوقف الحركة ، فلا فارق كبيراً بين الجالسين ( نحن) والعابرين (هم )  تكسوهم  ألوان حمراء للرؤوس والملابس البيضاء لبقية الجسد ، و أخرى سوداء بالكامل، شريط ضيق مليء بالإنسان في أعمار يكشفها الوجع  .. كانوا خيالات  تعبر أو تقف ، خيالات  تنوس مبهمة تتجه لأمكنة لا تعنيه .

فوجئت بالسؤال من العجوز بجواري : "لماذا نحن هنا؟"

لماذا أنا هنا  بالفعل؟ ..تراجعت إلى الداخل.. وأشرتُ – ضاحكاً في سرّي - إلى عيادة النساء أمامه مباشرة. تراءت لي علاقة ما بين مشكلتنا في هذا الممر الضيق ، وبين اللوحة التي لم يكن العجوز ليراها ، ولم ير بالطبع  البطون المنفوخة والرجال الداخلين مطأطئين أو ملثمين مع نسائهم  أو مادين كروشهم نحو الفراغ !

 تبسّم شابٌّ  بجواري من حركة يدي ، واصل الشايب  إشارته للعيادات بحركة من عصاه :

- "وهذي ؟"

- "عيون "

- "وذِه؟"

-أنف وأذن وحنجرة"

-"بُنجرة ... وتيك؟"

- تيك ، الله يسلمك ، المخ والأعصاب " هنا صمت عن المزيد، وأرسل بصره في الفراغ .. أصاخ لذكريات قديمة تمر به أو تحدث  أمامه  للتو .. لم أكن المقصود بأسئلته لكن اللعبة الزمنية أعجبتني .

بعد قليل ، لكزني بيسراه ، وصاح بتثاقل –" عبدا لله ، هيا نروح!"

تذكرت اسمي بصورة ما ، فلزمتُ مكاني ، ولمحتُ أحدهم من بُعد عدة أمتار يحرضني على تمرير الأمر لأجل السن والشَّيَبَات التي تُساقطُ عمْراً جنياً . عاود تثبيت نظراته في اللاشيء، كيف يتذكر الكثير، وقد نسيتُ أنا القليل؟ ولأنه واصل الصمت، فقد تأكدتُ أنه لن يلحظ كثيراً أي يد تقوده إلى داره ، هل يمكنني أن أعود اليوم إلى داري مسنداً ذراع أبٍ نسيتُ رحيله !

 الشاب بجواري عاد للتشاغل بما في يده، لكنه، في انتظار معركة الذاكرة أين تصل ؟ كان صامتاً كجيل مستقل عما حوله، لكنه يتسمّع إلى ما يدور .

عاود العجوز يسأل: " هُو رجع غِرمان من الحج ؟" لو سكتنا لأجاب شهر رجب عنا، واصل:" الله يسامحه ظاهر الدنيا وباطنها !

تبادلتُ مع الشاب نظرات خاطفة، وبضحكة كأنما كانت متفقاً عليها في وقت واحد بيننا، قلت:

 -" استلم المهمة، أنا ذاهب "

-"إلى أين ؟"

- "ابحث عن أية عيادة ! "

  ابحث عن الرقم وعن العيادة وعن المفتاح وعن الطريق، وعن الحياة  !!

 دحرجتُ خطوي عبر الممر مخلفاً ورائي رجلا قاربَ القرْنَ من العمر.. استمتعتُ بلعبةٍ مفاجئة كشفتْ خواء ذاكرتي، لم أكن سعيداً بها، بقدر تأكدي من أن اسمي ليس عبدا لله !!

  كان نسياني يتحرك دون اتجاه، بينما العجوز بقي صامتا ينتظر عبدا لله الذي ليس أنا.. كان بلا ذاكرة حاضرة ، كان منقطعا عن الحاضر .. بينما كنتُ في الحاضر, أسير وراء ممرضة تحمل أوراقاً تشبه أوراقي، وتغمغم باسم يشبه اسمي.

                                                9/2008م

w w w .    A    r    a    b    i    c    S    t    o    r    y    . n e t

جميع الحقوق محفوظة لشبكة القصة العربية 2001-2007