[ أهلاً بالضيف الكريم ] 
للتسجيل
أنت الزائر رقم

إحصائيات الموقع

الدول المشاركة
عدد الكتَّاب
عدد النصوص
عدد الكتب
عدد التعليقات
عدد القراءات
عدد التوقيعات
عدد المشتركين
كتَّاب في الانتظار
نصوص في الانتظار
 
منامات الدمام (1) 
التاريخ:  القراءات:(4930) قراءة  التعليقات:(16) تعليقاً  إهداء لصديق طباعة التعليقات أضف للمفضلة

  قصة ، من : سمير الفيل  
منامات الدمام
- 1 -

* * *

خليج

* * *

كان إشفاقا ممزوجا بالألم. رأيت مياه الخليج ساكنة لا تتحرك. كان يحتويه ظلمة. الحر اللافح يفتك بي. نزلت درجات حجرية قليلة . مددت يدي إلى الماء فأحسست سخونته. أتى بدوي يخفي وجهه بشماغ غال ٍ فبانت القسمات قاسية . هزني وهو يمسك كتفيّ : ماذا جاء بك هنا؟

قلت مندهشا: أخاف أن أنسى البحر. جئت لألقي نظرة.

أمرني بنبرة متعالية : اعطني بطاقة إقامتك.

مددت يدي بها ، وفور أن انتهى من فحصها مزقها مزقا صغيرة ، وألقى بالقصاصات في الهواء فطفت على وجه المياه. تجمدت الدموع في مقلتيّ . انشق الظلام على هيكل كأنني أعرفه : أنا مصطفى. سأخرجك من محنتك.

كان أبي بطربوشه الطوبي اللون الذي رأيته في صورة قديمة . مضيت معه وأوصلني للبيت في سوق الحسبة . قبل أن يتركني دق السقاطة الحديدية فأطلت أمي . لم تكن تراه . أخذتني في حضنها ، وهي تطلق زغرودة فرحة.

* * *

الثمن

* * *

كان الرجال جميعا قد ناموا . أسير في حي " الراكة " أبحث عن سكن. تمضي بي القدمان المتعبتان بحركة آلية نحو المباني. أسأل عن غرفة بسيطة لها دورة مياه ، بحوض بسيط من الصاج ، وسرير عرضه 120 سنتيمترا .

وجدته في انتظاري : تأخرت!

أجبته مستغربا : ليس بيننا ميعاد سابق.

قهقه ، وهو يقيس طولي وعرضي بعينين محمرتين : وهذه الصورة ؟

كنت في صورة فوتغرافية قديمة . صرخت فيه بانفعال : هذه صورتي في الشهادة الإعدادية.

صفعني بكف يده : لا تتكلم حتى نسألك.

انشق الجدار ، وخرج سبعة من الرجال الأشداء . قيدني أضخمهم جثة . ظلوا يجلدونني لأن الأوراق التي بحوزتهم تقول أنني قبلت " نرجسا " منذ سنين . لم يكن هناك مفر من الصمت فقد قبلتها فعلا وأنا طفل. بعد أن انتهوا من فعلتهم سلمني كبيرهم حقيبة جلدية . أمرني أن أفتحها ففعلت، والألم يمزق ظهري . كانت دولارات خضراء لم تمسسها يد آدمي من قبل.

* * *

الضب

* * *

إن الرمل بارد وصلد. تحت قدمي يهسهس ، وأنا أسير بحرص شديد. تهب العواصف فتدمي الحصوات وجهي . ترجمني الذرات الصغيرة التي لا تكاد تـُرى وهي تحدث صوتا متكتما كأنه سري . تسقط على نظارتي الطبية سميكة العدسات.

أقترب من تل يفضي إلى جحر . خرج الضب من مكانه زاحفا. تحرك بسرعة متوجها نحو الشمال. قلت في سري : خطر وقد انزاح.

فيما الرياح تواصل إثارة عفارها رأيت وراء الغيمة المتربة صفوفا من الضبان يتقدمها الضب الأكبر . لم يكن هناك مفر غير دخول الجحر ، وقد استلزم ذلك أن يـُبطط جسدي . كنت راضيا لأنني تخلصت من المأزق . لم أدر إلا بنفسي طعاما لجيش جرار من الضبان أتى من الجهة المقابلة للجحر.

* * *

حضور

* * *

تهدج صوتي ، وأنا أنزل حقائبي من فوق السير المطاطي المتحرك . كنت قد نزلت سلم الطائرة ، ومطار الظهران يكتظ بالركاب . أما أغسطس فقد راح يشهق بملل ، وينفث ناره التي احتبست طويلا في صدره.

أوقفونا في طابور طويل. حضر الضابط يحرك السواك بين أسنانه البيضاء ، ويقرض بعض خيوطه النافرة . سدد نظرته نحوي أنا بالذات . طوح بيده : اخرج يا ملعون.

تلفت حولي في ذعر: تقصدني؟

نظر نحوي وأمرني أن أتجه للحائط واضعا يدى فوق رأسي : ومن غيرك؟

ثم أمرني بعد خمس دقائق تحدث فيها هاتفيا بالاستدارة . حضر عساكر بمسدسات مدلاة من الأحزمة التي في خصورهم : افتحوا هذه الحقائب.

تنفست بارتياح فلم يكن معي أية ممنوعات . رأيت أنني قد أتأخر قليلا لكنني سأخرج من المطب كالشعرة من العجين : هل هذه الكتب لك ؟

هززت رأسي : أبدا.

قلبها بين يديه وهو يتمتم: أرسطو ، أفلاطون . ديكارت . نيتشه. لينين . سارتر. خبرك أسود.

حركت يدي المرفوعتين أنفي عن نفسي التهمة : زارتني طليقتي أمس لتطمئن على أولادها . أختلت بهم في غرفة الصالون ساعة . هي التي دست الكتب في الحقيبة.

هز رأسه ساخرا : أتريد خداعنا بكلامك يا زنديق؟!

بإشارة من إصبعه اقتادوني إلى مخفر بعيد يقع في صحراء بلا شجر . لم ترفع العصابة عن عيني إلا وأنا في غرفة التحقيق . تابعت طيورا تحلق من نافذة مفتوحة على الأصفر البليد.

* * *

الحبهان

* * *

هياكل النوق الميتة قابلتها في طريق الرياض. كان لها جيفة تبعث في داخلي خوفا شديدا هياكل ممدة على مساحة لا نهائية من الرمال. تعطلت بنا السيارة فنزل السائق ليصلح موتورها الذي طاله العطب. لاحظت أن الهياكل تتحرك. كانت تجاهد للوقوف على قوائمها الأمامية ثم تنتصب واقفة وقد غابت عنها سنامها . إنها تتحرك نحونا . أشرت بيدي للسائق والركاب أن يهربوا وينفذوا بجلودهم . لم يتحرك أحد ، وفيما أتقهقر جاءت سيارة فنطاس فأطاحت بي . صعدت كروح خفيفة ببعض الأوزار القديمة التي لم أمحها تماما . في المسافة الممتدة من الرمل وحتى السماء قابلني كتاب قصة وشعراء ومسرحيون وفنانون . قال لي " حسن" وهو يخفف عني : أدخل الخيمة .

وجدت أصحابي كلهم يبكون موتي ، فبكيت معهم. مددت يدي أتناول كوب القهوة المحوج بالحبهان.

* * *

شلال

* * *

رأيت شيخا يرفل في ثياب بيض هفهافة. سألني وأنا أقف على الباب الأخضر أود الدخول : لحيتك؟

تصنعت الابتسام : زوجتي تريدني هكذا .

أشاح بوجهه غاضبا ، محركا حبات المسبحة : مكانك ليس هنا.

كنت قد أعددت العدة لتلك اللحظة بالذات . دسست يدي في حقيبتي السوداء التي لا تفارقني : أنظر يا شيخ. تلك كتاباتي أعطيك إياها بيميني.

زفر في ضيق : لا تعطل الداخلين . أخبرتك أنك أخطات المكان.

كانت كلماته نهائية وحازمة. انشغلت لحظة بتفحص النقوش الغائرة التي بالباب النحاسي الضخم : يالها من زخارف بديعة. وضعت يدي على الباب ألمس زهوره المصنوعة من خشب الصندل . صعقتني حدته : أرفع يدك.

قبل أن أفعل هرول السياف من خيمة شيدت جهة اليسار. هوى بسيفه فطار عنقي ،وطرطش الدم غزيرا . لم يكن الألم هو الذي شعرت به لكن الحسرة التي شملتني لأن كتبي غرقت تماما في شلال الدم.

* * *

العتمة

* * *

دون أن يطرف عينيه شيء اتجه ببصره نحو صديقي وكان يرتدي الأبيض ، ويحمل طفلته الصغيرة فوق ذراعه : انزلها.

قال بصوت خفيض : هي ابنتي .

همهم صاحب اللحية الكثيفة وهو يراوغ ببصره: أظنها وصلت سن البلوغ.

رد صديقي : أبدا. هي مجرد طفلة.

تنحنح الشيخ ، ومد يده يمسح استدارة ثدييها النابتين ، وينزل بيده ليلمس سرتها وبطنها المدورة : ستكون أمراة ولود.

استغربت كلام الشيخ ، وفيما أهم بالتثاؤب بانت أسناني الصفراء من أثر التدخين . التفت نحوي ونظراته تكاد تصعقني : هل قلت شيئا؟

حركت يدى نافيا أن أكون قد تفوهت بكلمة. لكن يده كانت أسرع مني في تسديد لكمة لفكي . قال لصبية يتحركون بطريقة بدت آلية : علموه الأدب.

استسمحه صاحبي ،وهو يهدهد ابنته بكلام لطيف : ماهو إلا شاب مخرف قد لحست الكتب عقله.

بصق الرجل بلغمه على الأرض : سنضع العقل في رأسه.

وحدي دخلت الغرفة المظلمة . سمعت أصواتا تناديني باسمي فيما النور غائب والعتمة تسيطر على كل شيء . ربتت على كتفي يد صاحبي الذي علمني الكلام .

* * *

النار

* * *

للبيت رب يحميه. كنت أقصد بيتي الذي تركته خلفي . صوبت نظري للنجوم البعيدة ، وتأكدت أن المجرات تنتظم أجراما هائلة لتلك النجوم . سمعت تسبيح الكروان للإله العظيم في علاه . كانت ليلة رائعة بلا منغصات ، وكنا قد فرغنا من لعب سبعة أدوار " كونكان" ،أبليت فيها بلاء حسنا ، واحتسينا خمس زجاجات بيرة شرعية . جلست مسترخيا أمام شاشة التلفزيون ، وأحمد يحرك الفحم المشتعل ب"الماشة " ، ويسحب أنفاسا متلاحقة بينما قناة cnn تعرض نشرتها الإخبارية .

ماذا ينقصني وخطاباتها الوردية داخل جيب معطفي ، وصوت الأولاد يصلني عبر الهاتف ضاحكا وودودا؟ ماذا ينقصني وكل ما خططت له يتم تنفيذه بالحرف الواحد ؟

أغمضت عيني ، وسحبني النعاس إلى أراض بعيدة . شبت النار فجأة ، وأمسكت بالحشايا الحريرية . في لحظة كنت داخل الأتون . صرخت صرخة مدوية . قفزت من الدور الثالث ولم يمسسني أذى . عدوت لأطلب سيارة المطافيء عند الناصية. قبل بلوغي المكان تم إلقاء القبض عليّ لأنني نسيت بطاقة إقامتي . كان قلبي موجوعا ، خوفا على صاحبي الذي تركته يقاوم النار وحده.

* * *

النسر

* * *

جواز سفري أخضر. يعلو غلافه البلاستيكي نسر باللون الذهبي . نسر فخم ، عملاق ، أجنحته قوية. فور هبوطنا الظهران اتجهنا للدمام ، وهناك أخذوا منا الجوازات.

ليس في ذلك أية غرابة ؛ فهم منظمون ، عمليون ، حريصون علينا أكثر من حرصنا على ذواتنا.

في الصباح الأول الذي رأيت فيه العصفور الصغير يسقط على العشب الأخضر من شدة الحر توجست خيفة. مثل كل الغرباء مشيت بجوار الحوائط التي تلقي ظلالها على الشارع .

نمت ، وخلال تقلبي سمعت صوت صلاح جاهين يدندن برباعياته الآسرة. كنت قد شاركته إحدى ندوات معرض الكتاب ورأيت " الكاسكيت" الأزرق على رأسه ،كما لمحت نظرته التي تفيض بالألم والحنان معا.

ما الذي ذكرني في تلك اللحظة ب" قصاقيص ورق" ؟ مددت يدي أفر صفحات الديوان الموضوع على المكتب الصاج . لمحت جواز سفر . بالتأكيد ليس لي فنحن سلمناه بكامل إرادتنا . قلبت الأوراق فخشخشت ، وإذا بصورتي تلوح ، وأسماء الضامنين لي: محمد علوش وعادل الفيل. قلت في سري : خطأ جسيم سأصلحه إذا ما طلع نور ربنا .

فيما أتهيأ لإغلاق النور والاستعداد للنوم إذا بالنسر يطير في فضاء الغرفة ، ويهبط فينقر رأسي حتى أوجعني . نسر له منقار حاد معقوف. سألته أن يكف عن فعلته . طار حتى وقف على حافة الشباك ، وهو يلومني : لماذا ألقيت بي في الأسر؟

* * *

القرش

* * *

انعكس ضوء الشمس القوي على وجوه المارة . كنت واحدا من الناس الذين يمضون في طريقهم عائدين إلى السكن بحي البادية. أمطوح راسي ، وأشوط الحجار ، والخوف يملأ قلبي خشية معرفتهم أنني لا أردد كلامهم.

وددت أن أستريح من إرهاق اليوم فـشّغلت المكيف ، مما أحدث وشيشا خدر جسدي . تمددت على الفراش ، ولما استدرت وجدتها إلى جواري.

سمكة قرش عملاقة تضع رأسها المدبب على الوسادة التيل ، تفتح وتغلق فكها المخيف ، ثم تحملق فيّ بعينين معكرتين . كانت أقل حركة كفيلة بموت محقق لذا راح عقلي يلق في رأسي كالبيضة الفاسدة . قلت إنه الولد عبده حندق ابن مدينتي الذي يسكن القطيف ، ويعمل في دكان الخط العربي ، ربما اصطادها وجاء بها كي تلتهمني.

بنظرة مستعطفة رمقتها . حدثتها وعرّفتها أنني فقير ، يتيم ، وحيد . في التفاتتها المفاجئة ابتلعتني في لمح البصر . رغم الجوف المظلم الذي بدا كالقبو فقد كنت قادرا على سماع أصوات تتداول الأمر بشأني . سمعت الولد عبده حندق يقول لمن معه : لقد تخلصنا من الفاسق .

* * *

* * *


تم تعديل النص ؛ الإدارة

w w w .    A    r    a    b    i    c    S    t    o    r    y    . n e t

جميع الحقوق محفوظة لشبكة القصة العربية 2001-2007