[ أهلاً بالضيف الكريم ] 
للتسجيل
أنت الزائر رقم

إحصائيات الموقع

الدول المشاركة
عدد الكتَّاب
عدد النصوص
عدد الكتب
عدد التعليقات
عدد القراءات
عدد التوقيعات
عدد المشتركين
كتَّاب في الانتظار
نصوص في الانتظار
 
منامات الدمام (2) 
التاريخ:الخميس 27 اغسطس 2009  القراءات:(4966) قراءة  التعليقات:(7) تعليقات  إهداء لصديق طباعة التعليقات أضف للمفضلة

  قصة ، من : سمير الفيل  

* * *


                                                   العملية

* * *


هالات من السواد أحاطت بعيني حبيبتي. جمد الحزن قلبها بعد فراقي. قالت لي وهي تحيط عنقي بطوق فل : انتظرني . لن أغيب.

لم تعد كوثر وكنت أظنها صادقة . لم تخاطر بإرسال خطاب واحد يفسر أمر غيابها. سألت شقيقتها عن أخبارها حينما قابلتها في السوق تشتري الطماطم وحبتين من القلقاس .

ردت في عبارة خلتها حفظتها طويلا لتكون حادة وحاسمة : تزوجت ، وأنجبت ، واستقرت.

كنت أراها في منامي مرتدية معطفها الأبيض الشاهق الذي يميز الممرضات واضعة على رأسها غطاء أنيق بتموجات لطيفة . تأتي كل ليلة لتخبرني أنها اقتيدت بغير إرادة منها لتلعب دور الزوجة والأم والممرضة .

حين دهستني سيارة النقل في طريق الخبر السريع نقلت إلى مستشفى " أرامكو " . حقنت بالمخدر . غامت الدنيا في عيني . تحركت المشارط لتصل الشرايين المقطوعة . كانت هي التي تسلم الطبيب الأدوات المعقمة . تضغط بيدين مدربتين قفصي الصدري وتطمئن على اسطوانة الأكسجين.

رأيت كوثر تتحرك بنشاط مفعم بإيمان حقيقي . العرق الذي تصبب على جبهتها نشفته فور انتهاء العملية . سألتني وهي تخلع قفازيها المطاطين بنبرة أودعتها لوم الدنيا : من كان يمكنه أن يساعد الطبيب في نجاح العملية الجراحية غيري؟!

* * *


                                                  كبسة 

* * *


تراءى لي كل شيء بارد ، ساكن ، وغارق في الاعتيادية . الضوء المحايد قاتل للعواطف النبيلة. هند التي طالما كلمتني في التليفون قررت أن تقابلني . كانت ترسل قصائدها الرقيقة فتنشر في صفحة القراء ، وحولها زهور وزنابق . في سوق " الدانة " وقفت حائرا مترددا فكل العباءات السوداء بلا عيون . قطع من السواد تتحرك بانسيابية ونعومة ، وأنا واقف في مواجهة السلم المعدني الكهربائي المتحرك درجة درجة . كنت قد أخبرتها بأنني سأحضر ببدلة بنية اللون مع رابطة عنق زرقاء بورود صغيرة حمراء . وجدت يدها تجذبني ، وميزت صوتها ينساب كالحلم : مساك الله بالخير.

نسيت نفسي ، ومددت يدي أسلم فوجدت القفاز الأسود يتحرك أن أكف. أما الرجل صاحب اللحية الهائلة فقد برز فجأة بيننا . أشار بأن توصد الأبواب ، وهو يطلب مني أن أثبت أنها زوجتي. لم تكتمل المصافحة وكان علي أن أجري بأقصى طاقتي نحو بوابة الخروج، لأنجو بنفسي.

وقعت في قبضتهم القاسية بعد أن هرب جسم الجريمة . رغم موقفي المشين الذي يفضح جبني عرفت أنها لم تشي باسمي أبدا. توقفت هند تماما عن قرض الشعر، وطالني الخزي والعار.

* * *


                                               الجرة

* * *


عاد الهدوء إلى قلبي بعد أن طلبت العفو من الخالق العظيم. أستطيع الآن أن أرمم جرتي المكسورة. يمكنني أن أضع فيها كنوزي ، وأذهب بعدها إلى الضريح ذي الأعمدة الأسطوانية كي أشكو من عذبني . لم أجد في هذا المكان أضرحة ولا أولياء فتوكلت على ما لا يغفل ولاينام . قلت : لأعيد الجرة إلى مكانها.

في دخولي سمعت صدى دقات الطبول ، وحين دلفت للساحة شاهدت الأجساد تتطوح ، وتصل إلى قمة النشوة. وحدي ملأت صدري بالبهجة ، وتسللت داخلي نور وضاح . علقت الجرة في خطاف بالباب. مد الرجل الأخرس يده ، وأشار لي بالدخول. رأيتهم يدقون بأرجلهم العارية على الأرضية الصلبة . يدورون في حلقة محكمة . بقيت أرقبهم ، وأستغرب أن الدقات تزيد تزيد كلما كان الهلال ساطعا.

في وقت المحاق وجدت الصوت يخمد. كنت على وشك الجنون حين صار الصمت جبارا عتيا. قلت لنفسي : أخرق صمتهم وليكن ما يكون. وجدت حنجرتي خرساء . قلت : آه.آه.آه.

طلعت بصعوبة معطوبة ومخزية. جاء الشيخ الأكبر وعلى رأسه عمامة بالغة الكبر والاستدارة فربطني إلى عامود جامع ولوح بالسوط دون أن يضربني . كسر أتباعه الجرة فوق رأسي . هوت أحرف كثيرة بكتابة هيلوغريفية رأيتها في كتاب العلامة سليم حسن . لما ازداد بكائي وجدت " إيزيس " تعبر فتمس شعر رأسي بيد حانية . أدهشني أن وجدت الكسر يجبر ، والأحرف تعود لجوفها مكتملة البهاء . كان قلبي رطبا ، وروحي في غاية الخشوع .

* * *


                                                الجسر

* * *


كأنه الصباح. إنه النور الذي فاض على الكون كله ، وأنا أركب إحدى السيارات الحديثة المتجهة إلى الجسر. بعد أن نعبره سنهبط المدينة الموسومة بالجمال . سنستقر ب" الشاليه" الفاخر ذي الحديقة الزاهية الخضرة . يدور الشريط السينمائي فتغني سعاد حسني بانشراح ، وترقص بفستان أحمر بكالوش واسع :" خلي بالك من زوزو" ، فيرد شفيق جلال مرقصا حاجبيه بخفة وسلطنة : " زوزو النـــازك والنوزو" .

تعطل كل شيء إلا ذاكرتي التي راحت تستعيد أفلام الأسود والأبيض . فإذا بوجه عبدالحليم حافظ المضروب بالبلهارسيا يغني هازا رأسه : " بتلوموني ليه؟ " .

كانت نجوى تركب بجواري ، والسيارة في طريقها إلى البحرين. سمعت صوت ناي عفت وهو يرطب الهواء ، وكان أن انفكت صواميل وانحلت عواميد الصلب . سقطت السيارة تتهادى في الماء . صمت طويل ، وانتظار مرعب : بق . بق. بق. بق..

صوت الماء والفقاعات تصعد لأعلى . تتجاوز سطح الماء . نصعد بصعوبة إلى الشاطيء . يد تمتد نحوي ، وفيما أمي تسند رأسي على الوسادة القطنية المشغولة بورود صفراء كبيرة حتى لا أشخر بقى الجسر ممتدا . كان سائق سيارتنا هو الذي هوى بها عن عمد ، محوقلا مبسملا : على بركة الله!

* * *


                                                طيران   

* * *


أن تذوق قبلة في تلك الأمكنة المغلقة فهذا هو المستحيل . انحنيت على الأرض ، مخفيا لوعتي ، وأنا أعود لأفرد طولي ملتقطا ريالا فضيا كان يلمع على السجادة . مددت يدي بزهور الأوركيدا نحوها ، فالتقطتها بخفة ، ثم وضعتها في فازة كريستال تسر الناظرين .

الفتاة الفلبينية ذات السحنة الهادئة والبشرة الصفراء والجلد الناعم الأملس . هي التي فتحت لي وطلبت مني أن أبقى هادئا حتى يأتي " السيد" . أحسست بوخز في أعماقي ، وهي تميل وتضع صينية الشاي . سألتها بإنجليزية ضعيفة أن تنطق اسمها . ردت بنصف ابتسامة : تومي .

في الزيارة التالية حضرت مبكرا ، فأمكنني وأنا أعدل شريط شعرها أن أختلس قبلة . رأيتها تهش بيدها نوارس بيضاء . وقتها طفرت من وجهينا سعادة مختلسة. سقط قلبي في مكان ما بجنوب شرق آسيا. آمنت أن الحضارة غالبا ما تأتي من الشرق.

أشعر بقلق مبهم ، وأنا في انتظار أن أذهب لزيارتي الثالثة . رأيت أنها الأهم بالنسبة لي . سأخبرها هذه المرة بحبي ، وأصارحها برغبتي في الزواج منها حتى لو استمرت على البوذية . سيكون صعبا أن أقيم معها في مانيلا ، لكن للضرورة أحكام.

ملأ قلبي فيض من حنان ، والباب يدق عليه بأصابع رقيقة. قمت لأفتح فوجدت فتاة أخرى أصغر سنا ، شاحبة الوجه لكنها باسمة الثغر . سألتها عيناي عن الأخرى . أخبرتني بإشارات من يدها أن " تومي" : "خلاص .. ما فيه " !

رفعت يدها على هيئة حمامة ، بينت بإيماءات وصلني معناها بوضوح أن " تومي " قد ذهبت إلى بلدها ، ولن تعود أبدا !

* * *


                                                 القارب

* * *


قطفت زهرة متفتحة من فرع مائل من تلك الشجرة . قربتها من أنفي لأتشمم رائحتها . بدت خرساء بلا أية رائحة . تذكرت زهور التمرحنة التي كنت أفركها بين أصبعين ، وأضع النثير بين نهدي تغريد.

تلومني وهي تخبرني أن الزهر الأبيض المعطر سيترك بعض البطع على السوتيان. أعود لأسحق الزهور فيفوح شذاها . أنطلق إلى حقول تحف بمدينتنا جهة " السنانية " فيسبقني محروس الصياد لشجرة معينة يعرفها . يقطف منها حبات جوافة لذيذة الطعم كأنها السكر. نركب زورقا بحريا ، وهي تجذف معي. أدلي يدي في ماء النيل ، وأشهق عندما ترشني بحفنة ماء كي تثير غضبي أو لتجعلني أقوم من مقدمة الزورق لأمسك يدها وأجذبها نحوي مقبلا وجنتيها الورديتين . أتصنع عدم الفهم وأترك ذلك لجلستنا تحت شجرة النبق.

أنا الآن في الطابور الطويل . أنتظر دوري ، والبنك مكيف الهواء . ألصق صدغي بكسوة الرخام الذي يعطي ملمسا ناعما وباردا . مؤسسة الراجحي للصرافة . هنا يتم تحويل النقود . أخرج قلمي وأجري حساباتي . الرصيد يرتفع ، والتمرحنة تضيع رائحتها نهائيا ، أما تغريد فرأيتها تقفز من القارب ، وتتركني أجذف وحدي.

* * *


                                                  المكيدة

* * *


في برميل صغير قديم صديء أضع مدخراتي الاحتياطية . أغلق الغطاء بإحكام شديد . أهبط إلى العمل في هدوء طاردا من عقلي كل الأفكار السيئة التي تحوم فوقي كبوم شرير واسع الأعين . أنتظر العودة بنفاذ صبر . فتحت حقائبي الجلدية وعدلت السيور واختبرت متانة الأيدي . رصصت الهدايا للمرة الألف : سبح كهرمان ، جلاليب رجالي بيض ، طرح حريمي مشغولة بالخرز سجادات صلاة ، بدل أطفال ، كمبلوزنات بستة ألوان منها الأحمر ، قطع أقمشة ستان طول 2,5 متر وعرض 1,2 سنتيمترا .

حين تبدأ لشمس في تسلق قبة السماء سأكون داخل التاكسي المتجه لمطار الظهران . سأرمي الكتب التي أحضرتها في مقلب قمامة عند الناصية. سأمزق الجرائد التي عشت ـ هنا ـ أرصها بعد تدوين تواريخ دقيقة في الهامش . لاحاجة بي إلا إلى المال وحده ، وقد كدسته بكل الطرق الممكنة .

مددت يدي فاصطدمت بالبواكي محزمة ففرح قلبي أو هكذا خلته سعيدا. قلت في نفسي : سأتشممها ففعلت .كانت الرائحة مبهمة وعصية على التفسير : شحم وعرق وعطور آفلة .

موعد إقلاع الطائرة في السادسة صباحا . أتهيأ للمغادرة . سيارات التاكسي لا تقف. لقد قطعت صلتي بكل زملائي الذين عاشوا يحسدونني على النعمة وسعة الرزق . سيطقون غيظا عندما يعرفون أرقامي . أرتجف غضبا والعقارب تتحرك مسرعة . إنها السادسة إلا ربع وأنا أقفز بين الجنون والرعب ، فيما أشير بعصبية للسيارات التي تمرق على الإسفلت بطبقة القاراللزجة . أكاد أتمرغ في تراب الشارع . لاسيارة تقف لي في تلك المدينة التي تواطأت لتغدر بي ، وتقتلني باتفاق أكيد مع مكائدهم اللعينة.

* * *


                                                أصابع العازف

* * *


هناك موسيقى تطرب لها الأرواح. شقتهم بجوار شقتنا ، والعتبة مشتركة تفضي إليها شقق أخرى لا تفتح أبوابها أبدا لسعوديين جاء أغلبهم من الجنوب ليعملوا في سلاح الحدود . في هدأة الليل يأتينا صوت الجيتار ، والشاب الهندي بوجهه الذي يميل للصفرة الداكنة يقابلني في المصعد حينما أهبط لشراء البقالة ، أو أصعد لرفع جراكن المياه الحلوة التي نأتي بها من محطات تحلية المياه بعد أن ندفع في العبوة الواحدة 75 هللة.

لا وقت للثرثرة مع الغرباء . من المفيد أن أهديه شيئا مما معي قبل السفر . يفتح لي الشاب الهندي الباب بابتسامة تأخذ في الاتساع شيئا فشيئا . استوعب اختلاف ثقافتي عنهم . أكاد اسأله عن البقر الذي يمر بالشوارع : هل تعبدونه حقا يا صاحبي ؟

يبدو مبتسما طول الوقت . لما طرقت الباب مرة ليعطيني كيس الملح الذي اقترضه فوجئت بأصابعه تحرك أوتار الجيتار بنظام عجيب . في زيارة المساء مددت يدي بصورة الأهرام وأبوالهول . ثمة جمل بارك في مقدمة المشهد . تناولها في حميمية وبتمتمة استحسن المنظر . قال بعربية متكسرة : " شوكرن.. شوكرن" .

المائدة التي جهزت لاستقبالي كضيف فوق العادة صفت حولها مقاعد خشبية فقيرة بلاطلاء . رفعت الشمس في لوحة عريضة بإطار بنفسجي فوق مائدة الطعام . شمس صفراء ومتوهجة بلون الذهب.

أرادوا أن يحسنوا وداعي . كانت الأطباق مصفوفة في منتهى النظافة بنفس الطريقة التي اعتدتها في بيتنا القديم . الشوكة والسكين مائلة لجهة اليسار بزاوية 45 ، والملعقة مائلة جهة اليمين بنفس الدرجة ، وفي المنتصف مناديل حريرية برتقالية على شكل مروحة.

اعتراني وجوم مفاجيء . تأملت قسماتها فكانت هي نفسها أختي فريدة التي تزوجت مرتين وطلقت ست مرات من رجلين مختلفين ، وبقيت في بيت العائلة . تسللت على أطراف أصابعي محتجا : من جاء بك إلى هنا ؟

ردت باقتضاب: لقد تبعتك !

جذبني عازف الجيتار من ياقتي . أعادني إلى حيث كنت أجلس . أشار إلى فمه ، وقد وضع أصبعه في وضع عمودي أمام شفتيه بما يعني الامتناع عن الكلام . حين قررت أن أقاومهم وأخوض الصراع تكاتل الجميع عليّ . لطموني بكفوفهم الصغيرة ودهسوني بأقدامهم الدقيقة فيما راح عازف الجيتار يغني بحنجرته المبحوحة غناء يطغى على صرخاتي الواهنة المتقطعة .


* * *



                                                الكلاب

* * *


لا تدع الكلاب تنبح. هي نصيحتها التي زودتني بها حين أقدمت على السفر . تأملت الكلاب في تقاطع الطرق تهز أذنابها فرميت بعظمة . كنت قد أعددتها ليلتها ، وانطلقت في طريقي . أردت أن أشاهد بعض القوارب الخفيفة في هذه الناحية ، فشددت الرحال إلى تاروت. وجدت الكلاب تنبح لأنني غريب أما الصيادون فقد رمقوني بارتياب وأنا أمر من بينهم ، وأذهب إلى مقهى فقير يديره عجوز مصري بلحية رمادية شعثاء . تجشأ وهو يقاوم النعاس . أخبرني أن أجهز كوب الشاي لنفسي لو أردت .

كان الجو صحوا ومقبولا . جاءت جلستي تحت تعريشة صنعت من سعف النخيل.عمتنا النخلة التي أحبها وأعشق جمارها الذي كتب عنه محمد مختار قصتين دون أن يقدم لي قطعة جمار لها طعم الخشاف . إن النباح يخمد رغبتي في الحديث مع أي أحد . من بعيد يتردد فيحرك ذبذبات الهواء . تذكرت النصيحة . تمددت فيما غلالة رقيقة من غبش الفجر تشملني . واجهتني دون أن أستعد لها . جارية البحر التي لا يوجد مخلوق في جمالها . صحيح أنني محروم من النساء الجميلات لكنني لا آمن العاقبة . حلت ضفائرها ، وتعرت شيئا فشيئا فبان الرمان ، وانكشفت كنوزها . شهقت مأخوذا : أين كنت؟ ألم أتركك في عزبة البرج فوق صخرة من صخور اللسان؟

تهادت أصوات الكلاب تنبح . نسيت وصية أمي . مددت يدي مشجعا . جاءت، وتمددت على الأريكة المبسوطة تحتي . في عناقي وإياها نسيت الدنيا كلها . لم أشعر إلا والمدية الثلمة تجز عنقي فيما النباح يزداد ، والدم ينسرب على قماش الأريكة ، فيغمر المكان كله.

* * *


                                            الحفل

* * *


بذلت كل ما في وسعي ليكون الحفل مختصرا بسيطا تلقائيا. لقد حدثته عن سأمي من الكلمات الرنانة والعبارات الممطوطة . نقل الميكرفون من المنصة إلى حامل جانبي . ردد الجميع النشيد الوطني. دخل حاملو الأكسلوفونات ونافخو الفلوت وعازفو الكمنجات من باب جانبي . قبل العزف مباشرة جاءت الأوامر بإلغاء الفقرة لأن الموسيقى حرام ؛ فاكتفى العازفون بشرب عبوات مثلجة والتهام لحم ضأن لذيذ يفوح ببخار شهي في "كبسة " عبقرية . الزي السائد هو الجلباب الأبيض . لم يكن هناك شخص حليق اللحية والشارب سواي، ومتعاقد فلسطيني ، ولاجيء عراقي .بدا ثلاثتنا نشازا في حفل رسمي .

وقف الرجل الأعلى منصبا بجلبابه الأبيض وبشته المشغول بخيوط ذهبية ،ورفع نظارته عن عينين قاسيتين سوداوين . جأر بصوت نحاسي : بارك الله في هذا الرجل.

كانت سبابته تتجه نحوي . كنت قد احتطت للمفاجآت فوضعت تحت إبطي سجادة صلاة ذات لون نبيتي ومصحف الملك فهد بلونه الأخضر منعا لأي سوء تفاهم متوقع.

دخل الرجل الذي أحبه وهو من عشيرتهم . كان يعرج في مشيته ، أومأ برأسه محييا فانشرح صدري وهززت رأسي أشكره. من بعده دخل حاملو الأقلام والمساطر والأمواس . لوحوا لي وبعضهم همس في محبة لا تخفي على أحد : حياك الله.

في اللحظة التي قدم الرجل الأعلى منصبا هديته الملفوفة طوقنا الحرس مصوبين بنادقهم نحو رأسي . اندفع حملة الأقلام لحمايتي. في تلك اللحظة حدث شيء لم أتخيله. فـُـتح الباب الكبير وتهادت منه فتاة حجازية رائعة الجمال كانت تبدو كفلقة قمر.

في سجادة شيرازي غاصت قدميها . حين رأوها وجموا . كانت رشيقة ورقصتها في غاية الدقة والاتزان . تراجع قائد الحرس . شملهم ارتباك مفاجيء . وقفت في مواجهتي مبتسمة . قدمت لي تذكرة الطيران مؤكدة الحجز. عانقتها أمام الحشد مستسلما لعواطفي القديمة. فاح منها المسك والعنبر . همست لي وهي تتخلص من احتضاني لها : أسرع من السلم الخلفي . ستجد سيارة سوداء مضببة الزجاج في انتظارك .

حين تقهقر الحرس تقدم أصحاب اللحى المسترسلة . بغترهم المسدلة على الأكتاف أشاروا في الهواء إشارات ذات مغزى . أخذت طريقي للهرب من السلم الذي حددته الفتاة الحجازية . سمعت أصوات كؤوس ترتطم بالسجاد، وألواح زجاج تتحطم .أدركت والسيارة تعبر الشوارع المتعامدة والمتقاطعة أنني قد نجوت . وأسلمت وجهي للذي خلقني بشرا سويا.

* * *


                                              الذهب

* * *


أخذت حبة الاكتئاب قبل أن أصعد " المنفاخ " ، واستقر بمقعدي بجوار النافذة الزجاجية المزدوجة في الطائرة الجامبو السعودية . مضيفات شقراوات يقدمن صواني الطعام الفاخر مع مناديل معطرة . أتحسس حزام الأمان ، وأضغط لأسمع ال" تكة " المعهودة فترتاح نفسي .

لحظة الإقلاع صعبة لأنها تخلع قلبي من مكانه قبل أن يعود مطمئنا . البيوت تبدو كعلب كبريت صغيرة أما الطرق فتجري عليها السيارات أشبه بما أراه في أفلام الكارتون . كأنها أسراب نمل تتحرك بدقة بالغة . في حقيبة يدي أحتفظ بطاقم ذهبي مرصع بفصوص الماس . هدية تستحقها لصبرها وإخلاصها. كأنني ولدت من جديد حيث اللافتة مكتوب عليها بخط كوفي بديع " أدخلوها بسلام آمنين" . فتش موظف الجمرك حقائبي ولصق على كل حقيبة ورقة خضراء . سرت في الممر المجهز حتى بوابة الخروج . أعادتني النسائم المنعشة للجو الذي عشت فيه قبل سفري ، وتعودت عليه. تذكرت بيت شوقي " وطني لو شغلت بالخلد عنه.. لنازعتني إليه في الخلد نفسي" . منزلي كما هو لم يتغير . أدرت المقبض دورتين فلم يفتح . كنت قد أخبرتها بموعد العودة قبل ثلاثة أسابيع . لما رحت أدق بقبضتي الباب في ذعر والتياع خرج الجيران من شققهم ، وأطلوا من وراء الأبواب المواربة ثم كأنهم على اتفاق أوصدوها في نفس اللحظة بدوي مكتوم. أطل رجل ذي لحية كثة ، وشارب محفوف من كوة صغيرة بباب شقتي . سألني في برود: ماذا تريد ؟

بلعت ريقي واستندت على حقائبي التي رصها السائق بجواري حتى بدوت بجانبها أضأل شأنا : هذا بيتي .فيه زوجتي وأولادي .

هز رأسه يستوعب جنوني : ماذا؟

انحدرت دموعي قبل أن يذهب عقلي ، وتزهق روحي حسرة : دعني أمر ، وحياة والدك .

سمعت صوتها الذي أعرف نبراته يهمس من الداخل : لا تتركه يدخل .

قبل أن يصفق الباب في وجهي سددت نظرة نحوها لما مدت يدها نحوه بكوب الشاي . لم يكن هناك بد من استيعاب الموقف . وضعت كفي فوق الحقيبة التي بها طاقم الذهب كي أتأكد من وجوده . حافظت على تماسكي ، وقد شعرت بقدمه تسحقني وتسويني بالأرض ، أما هي فقد رأيتها تشده من وسطه ، هامسة في أذنه : أدخل وصلي على النبي . المجانين ملأوا البلد.


كتبت هذه النصوص مساء الاثنين 12/1/2009

w w w .    A    r    a    b    i    c    S    t    o    r    y    . n e t

جميع الحقوق محفوظة لشبكة القصة العربية 2001-2007