[ أهلاً بالضيف الكريم ] 
للتسجيل
أنت الزائر رقم

إحصائيات الموقع

الدول المشاركة
عدد الكتَّاب
عدد النصوص
عدد الكتب
عدد التعليقات
عدد القراءات
عدد التوقيعات
عدد المشتركين
كتَّاب في الانتظار
نصوص في الانتظار
 
ويرتقي الدمع 
التاريخ:  القراءات:(6382) قراءة  التعليقات:(0) لا يوجد تعليق  إهداء لصديق طباعة التعليقات أضف للمفضلة

  قصة ، من : تركي الرويثي  

حين غدا المستقيم دائرة..!
كل العيون تسكب دموعًا وعيني تجذبها، هكذا عشت أو هكذا قيل لي، اختلطت الأحداث عليّ ، كلها تأتي كسحابة صيف وتذهب كما أتت أو أسرع، لا أعرف من أنا، كل من بذاكرتي أنا، ذابت حقيقتي بقصصهم وذكرياتهم، من أنا، كيف حدث هذا كله، لا أعلم، لم أعد أعرف شيئًا.
هنا سوف أكتب ما يحدث معي، كل الأحداث أعذروا زلاتها وجنونها، هي تأتي معي كهذا، دون زيادة مني، ليست قصة من خيالاتي بل هذا ما أعيشه.
ولدت في العتمة، أمي تقول ذلك، في العتمة تمامًا، بعدها اختفى القمر، لم يكن خسوفًا أبدًا، غاب فجأة كأنه تعب من مهمته الأبدية، هجر كوكب الأرض، هجر وحدته وتبع حبًّا قديمًا، حمل ما تبقى له من ضوء ورحل، تركنا للظلام، بل تركني لظلام يطوقني، غاب ولم يعد، لا يعلم أحد أين ذهب ولماذا ذهب.
ولدت في لحظة الفراق، حين يمتلئ الأفق بالدم الأحمر، غابت الشمس ولم يظهر القمر..
كنت المولود الوحيد في ذلك العام، هكذا نقلت وكالات الأنباء خبر مولدي، خرجت والشهرة تسبقني من كل حدب وصوب، لقبتني الصحافة العالمية ابن الظلام، نجم يخرج من الصحراء، الغراب قالها جارنا «سرعه»، البومة طلعت وجابت الظلام معاها هكذا تناجي جارتنا أم نورة جارتها وتزيد، جابت ولد الله لا يرزقه.
يتذكر الجميع ما قالته الداية أم منور، وصارت قصة يتسامر بها السهارى في ليالي الشتاء الطويلة، وليالي الصيف الحارقة، ولد سرهد عند أذان المغرب، خرج من بطن أمه بأيسر ما يكون، خرج وما زال بطنها منتفخًا انتظرنا توأمه، بعد ساعات قليلة صرخت بقوة وزال الانتفاخ، وحل الظلام بعدها، أظن توأمه الظلام، تقول جملتها الأخيرة همسًا.
سرت هذه الحكاية في الآفاق مع زيادات كثيرة حتى اختفت ملامح القصة الحقيقة، جابت القفار والقرى، لم تستقر في مكان واحد، غدت ملكًا للجميع إلا أنا، وحدي طردت خارجها، وأصبحت أسطورة، نسمع بها ولا نراها، هذا أنا ابن الظلام غراب البين، تعددت أسمائي وتهت بها، أبحث عن نفسي ولا أجدني. ولا أجدني.
ربما كنت منور، شاب عرفته الصحراء جيدًا، ولد فيها ولها، يعرف أشجارها وطيورها، يسهر مع «السّمر» و «الغضى»، لا أنيس له سوى قمر في السماء العالية، «يهيجن» بصوته الخشن، يقلب مواجعه، ويحرث ناره، يأتيه رغاء إبله من مكان قصي.
هجر قريته الصغيرة، أخبية قومه، ضحكاتهم وأحاديثهم، رائحة قهوتهم وهي تملأ الهواء بعد أن يضاف لها الزعفران لتطيب القعدة، الآن هو وحيد كقمـر، تائه مثله، يشبهه كثيرًا، وأنا لا أعرف من أنا.
أراهم يتبعونني، أركض ويركضون خلفي، أقطع مسافات طويلة جبالاً ووديانًا وأحيانًا أطير وهم خلفي، أختبئ تحت الأرض علّي أسمع أصوات أقدامهم وهم يرحلون، أتعب ولا يتعبون، أريد أن أهرب منهم، بدلت اسمي، أراهم يضحكون من بعيد، حيلتي لم تنطلِ عليهم، صرت امرأة، أنا الآن حوراء، تحمل من العمر عقدين، تضحك بصخب على الأيام، تقف الدنيا عند قدميها ولا تبالي، تقذفها بعيدًا ولا تبالي، ملكت حسنًا توجها على نساء مدينتها الساهرة الحذرة، تجوب الأسواق بزينة كاملة، تتعبها عيون عطشى، تنتشي بنظراتهم، تمشي الهوينى، يتمايل جسدها بغواية، تتحرك كفراشة بين أشواك تود أن تغرز فيها أشواكًا يبست، ولا تهتم.
وأنا الآن لا أعرف من أنا، ربما كنت خليطًا من منور وحوراء وأناس آخرين قد يأتون في لحظة ما، ليتني شفاف كسحابة يسكنني المطر لا أحمل سواه، غضبي رعد وبرق، أتخلص من حملي بالبكاء، فأغدو خفيفًا، وأعرف من أنا. أعرف ذاكرتي، غريب أمر الذاكرة، نحن من يسكنها أم هي من تسكننا؟، تقف خلفنا لتغرز نصلها كشوك نشعر بوخزه فجأة دون مقدمات، أعرف أني بكيت مرتين، قبل أن يصعد الدمع هناك ولا يعود، في الأولى كانت الصحراء مسرحها، شتاء قارص، أرض مبلولة بالماء، وعشب يسابق الصيف، ضعت وخفت، بكيت كثيرًا بلل الرمل دمعي، أعاده إلي وأعاده إليّ، صعد وسكن عيني، من يومها لم يُبكني سواها، قذفتني بعيدًا، كتبت لها، بللت المكتوب بدمعي، أعادته، كاتبة، خذ دمعك وارحل عني، وعاد إلي، وارتقى الدمع بعيدًا.
وأنا لا أعرف من أنا .

w w w .    A    r    a    b    i    c    S    t    o    r    y    . n e t

جميع الحقوق محفوظة لشبكة القصة العربية 2001-2007