[ أهلاً بالضيف الكريم ] 
للتسجيل
أنت الزائر رقم

إحصائيات الموقع

الدول المشاركة
عدد الكتَّاب
عدد النصوص
عدد الكتب
عدد التعليقات
عدد القراءات
عدد التوقيعات
عدد المشتركين
كتَّاب في الانتظار
نصوص في الانتظار
 
قطعة كرملة . 
التاريخ:  القراءات:(4740) قراءة  التعليقات:(16) تعليقاً  إهداء لصديق طباعة التعليقات أضف للمفضلة

  قصة ، من : سمير الفيل  

حين تسطع الشمس في كبد السماء يتبدد السحاب ، ويجر نفسه نتفا ممزقة مرهقة باتجاه الشمال . هناك مظلة تحتها يجلس عم عياد ليبيع الجرائد . إلى جواره برميل قديم صديء ، وخلفه حائط مترب كتبت عليه عبارات مختلفة من بينها " الإسلام هوالحل " و" الخلايا الثورية طريقنا للديمقراطية " ، ونصف وجه مرشح راسب في الانتخابات الأخيرة.

يتناول سندوتش الفول ويسقط الأوراق وبقايا الباذنجان المخلل في الصندوق . يضحك في سره كلما رأى رجال الشرطة الذين تصحبهم حملة البلدية وهم يطاردون الباعة الجائلين ، ويسرقون بضائعهم بدعوى نشرهم الفوضى ،وخروجهم عن التنظيم . الباعة الغلابة يخفون الميزان تحت البلاطات المقلوبة أو في أحواش البيوت القديمة أو في تجويف الأقفاص . يبقى وحده يهش الذباب ويفنجل عينين كليلتين على " الصول " ، وهو يقضم خوخة مستوية ، ويطرق باب العربة في اندفاعها نحو شارع جانبي آخر .

في ميعاد يعرفه تأتي نوسة فتسبقها كلماتها المعطرة برقة لا حد لها : كيف حالك يا عم عياد؟

تقلب الجرائد بأصابع مدربة ، وتفتح صفحة الحظ . تقرأها بسرعة فتتغير صفحة وجهها . تمتعض أو تشرق بفرحة أو تحزن بغصة .

ضحكت هذه المرة ، ومدت يدها في صدرها وأخرجت له قطعة " ملبن " داخل سلوفان . دستها في يده : خذ يا جميل.

مالت لتمسك بمجلة أزياء فاخرة بغلاف أنيق ثم راحت تحملق في الموديلات ، وتخرج ورقة بيضاء رقيقة ، كي تشف الخطوط بانحناءات معلومة . تلك التي تظهر بصعوبة : سأفصل بنفسي ، وأعمل مثله .

إنه على الطوار المقابل ، وقد تأخر عن موعده دقائق . سعل فرمقته بنظرة حائرة . تنحنح وهو يسأل البائع : جريدة " المساء" ؟

رد عم عياد في احتجاج يخفي شعورا بالضيق: الدنيا نور. المساء يأتي في الرابعة .

كان الشاب يعرف ، ولو أن هناك من يدري بحالة عم عياد لعرف أن البروستاتا تنقبض وتؤلمه كثيرا . أحس بألم شديد فتلفت حوله ، ولما لم يجد إلاها فقد طلب منها أن تخلي بالها من الجرائد ، واندفع نحو الجامع القريب ليدخل الميضأة وبالقرب منها حمامات مغلقة بالمسامير الحدادي المعقوفة .

وجدها الشاب فرصة ليقترب من نوسة التي تراجعت قليلا، وهو يحشر جسده في المسافة الواقعة بين البساط المتناثرة عليه الجرائد والمجلات ، وقطع " الكرملة " التي تعمل عمل " الفكة" ، وبين الحائط الذي يقف عليه عصفور مزهو بريشه، ينتفض بحبور مريب .

قال لها وهي تبتعد غاضبة : النبي تبسم.

أزاحت بيدها الكلام ، وهي تستلم ثمن نسخة " الأهرام" من زبون تحرك مسرعا .

مد يده يتصفح الجرائد فنهرته : للبيع وليس للفرجة .

تراجع خطوة ،ومد يده في جيب بنطاله ، وما لبث أن أخرج ورقة بخمسين جنيها . لوح بالورقة المزركشة في وجهها . ردت بحسم ، وهي تحسب وقع كلامها: أبيع وأشتري عشرة مثلك.

كانت صعبة المراس ، لم تقلق لنظرته التي تسللت لما تحت الملاءة المحبوكة حيث الجسد الفائر . قال بلا مواربة : أريدك.

وزنت الكلام في دماغها: في الحلال ؟

أخرج ابتسامة ماكرة من بين شفتيه : يعني .

لم تكد تسمعها حتى ركلت البرميل ، وصارت في محاذاته . اقتربت منه بقلب لا يعرف الوجل: هذا ماتريده؟!

كانت صفعة مدوية تركت على وجهه علامة . صفعة توقف لها المارون قبل أن يتحركوا لمواصلة سيرهم : أبتعد يا خفيف.

هرول عياد من الميضأة وهو يزرر البنطلون ، جأر بصوت يشجعها : أجدع من ألف رجل يا نوسة.

انسحب الفتي مرتبكا ، وهو يلملم ذاته المبعثرة . قرر عم عياد أن يعطيها قطعة "كرملة" ومجلة الأزياء لتتفرج عليها وتعيدها في الغد . وقد أحكمت الملاءة على جسدها الرشيق ومضت بالمجلة التي كانت تعكس شمسا صبوحة . كانت تحركها لتبعد حرا تشعر به يتتبعها . حين صارت في حوش البيت مدت كفها المحلى بحناء بنية اللون تمسح دمعة حبستها لثوان حتى لا يراها أحد وألقت بقطعة "الكرملة " في مسقط النور الذي كان على غير العادة معتما وبلا شمس .

w w w .    A    r    a    b    i    c    S    t    o    r    y    . n e t

جميع الحقوق محفوظة لشبكة القصة العربية 2001-2007