[ أهلاً بالضيف الكريم ] 
للتسجيل
أنت الزائر رقم

إحصائيات الموقع

الدول المشاركة
عدد الكتَّاب
عدد النصوص
عدد الكتب
عدد التعليقات
عدد القراءات
عدد التوقيعات
عدد المشتركين
كتَّاب في الانتظار
نصوص في الانتظار
 
ضمات . 
التاريخ:  القراءات:(4894) قراءة  التعليقات:(12) تعليقاً  إهداء لصديق طباعة التعليقات أضف للمفضلة

  قصة ، من : سمير الفيل  

هناك ، تحت تعريشة من سعف النخيل تقف حنونة . تبيع لزائري الجبانة ربطات من سعف النخيل الأخضر برائحته المميزة . تضع الجنيهات وكسورها في قلة من الفخار فوهتها واسعة ، تصل مباشرة للقعر.

حنونة التي ماتت أمها وهي تضعها ، جميلة ،واسعة العينين بكحل إلهي ، وهي تلبس الأسود حدادا على أمها التي لم ترها . تبدو أكثر فتنة وهي ترش الماء في الساحة المتربة ، ولاتلفت الأنظار إلا حين يشخلل مصاغها المصنوع من الباغة المتعرجة الملونة .

تربط شعرها بمنديل أحمر ملون بترتر يتدلى منه فص أزرق لدفع الحسد والعين التي تندب فيها رصاصة . كل الشواهد التي تحمل أسماء الموتى تحتاج لخوص أخضر وهي تعرف أصول شغلتها.

تخفي عن الجميع أنها ابنة الحاج العتر حانوتي المنطقة . وهو لا يسألها عن مكسبها من بيع السعف فهناك ما هو أهم .

بعد أن تنقطع أقدام الزائرين للجبانة تدخل للبيت الخشبي المقام من قواطع متعامدة طوليا على جدار لا يكاد يصل لنصف المتر ومثبتة الألواح بمسامير وغراء ، وتضع حصيلة يومها في زلعة من فخار قديم . تجلس في ركن منزو تمشط شعرها الأسود الفاحم بمشط مصنوع من خشب الأرو.

يدق الباب طلاب أتوا في تمام السابعة فهي ساعة بركة لشراء الجماجم والعظام المطلوبة. كل قطعة لها ثمنها تسلمها بعلامة متفق عليها . تظهر على الطريق كشافات ثم يسكت صوت المحرك وتنتظر الدق ويكون لديها الوقت لتدبر طلبات الطلاب .

شريف كان واحدا من هؤلاء . دق الباب ، وانتظرته كي يخرج الورقة ، وعليها توقيع تعرف أنه خط بيد الأب الحانوتي . لم يفعل ، وأقسم لها أنه دفع المبلغ المعلوم لكن الورقة وقعت في ظلام الطرق المتربة بين الحدبات المتعرج طرقها ، وحين بحث اصدمت يده بصبارة فانغرس الشوك في ذراعه .

النور الشحيح لم تستطع معه أن تنزع الشوك الذي يؤلمه . خرجت لتبحث معه عن الورقة . ضمها حين ظهر لهم ذئب يتلفت حوله في حركة مخيفة فيما يعوي عواء مرعبا .

قالت ماهو إلا كلب وأصر أنه ذئب. تركته وتقدمت خطوات فهب يقفز نحوها فارتمى بصدره عليها وحماها من المخالب والأنياب.

قال إنه كلب. فلما تفحصت الخربشات ومررت يدهاعلى الكدمات أكدت له أنه ذئب . غمست شريطا من الكتان في كحول المصباح نمرة عشرة ، وأعطته درسا في ألا يتهور فبطولته التي أظهرها لكونها فتاة ـ لا يعرفها ولا هي تعرفه ـ كادت تكلفه حياته.

تمتمت : الذئب هبش كتفك وهرب.

أصر أن الذي هرب هو كلب ، ويظهرهذا من ملامح وجهه واتساع فكيه وطول ذيله .

عادا دون أن يكملا الكلام فقد انشغلت بهواجس الليلة أما هو فقد كان يتحسس الخربشات .

كان الحانوتي يجلس في المقهى يجر أنفاس الحشيش ، ولمرة وحيدة تخلصت حنونة من سطوته ،ودفعت لطالب الطب بالجمجمة وعظمة الترقوة بلا مقابل .

قال أنه سيحضر لها ورقة أخرى من أبيها فرجته ألا يأتي ثانية إلى هذاالمكان : يكفي ماجرى.

جاءت بصبغة اليود ومررت قطنة مبللة بالمادة المطهرة على جروحه.

ريح بحرية هبت فجأة فأطفأت المصباح ، ضحكت حين ضبطته يرتعد : جمد قلبك يا دكتور.

انتزع ضحكة: قلبي جامد.

وضعت يدها لتتأكد من سرعة دقات قلبه . جذبته نحوها لتتأكد أنه بخير فخاف أن يبعد جسده فتعتقد انه جبان فاستسلم للضمة.

في الحكايات التي تتسرب في مساءات الطلبة ، ومن حكايات زملاء الدفعة يكون الظرف مهيئا كي يقدم على تقبيلها كأنثى مرغوبة لكنه لم يجد بد من الاستسلام لمخاوفه وانتبه هاجس أن يضيع وسط ظلام المقابر.

لم يقل لها عن مخاوفه لكن دقات قلبه المتسارعة والتي تتبعتها بفحص محكم كشفت فزعه. قالت حنونة: سآتي معك لأوصلك.

ردت الباب وأمسكت بيده، واقتادته حتى بداية الطريق .

قال لها وهو يوشك على مفارقتها: اسمي شريف طالب بطب عين شمس . مااسمك؟

قالت كالمغيبة : حنونة.

فرقهما صمت جارح ، سألته: هل ستأتي هنا ثانية ؟

هز رأسه وهو يغالب حنينا جارفا لدفء فارقه : حسب الظروف.

مدت يدها لتسلم عليه . ولأن الدنيا ظلام ، ولأن سيارة السائق التي أقلته كانت قريبة من المكان . ولأن مخالب الوحش كانت توجعه فلم ينتبه لليد البضة التي كانت ما زالت تحمل رائحة "صبغة اليود" وهي تتحرك نحوه . تركها ومضى فقبضت يدها وتجمعت الأصابع الدقيقة وفركت دما كان قد تركه جرح طالب الطب في ظلام المقابر على أناملها الدقيقة .

w w w .    A    r    a    b    i    c    S    t    o    r    y    . n e t

جميع الحقوق محفوظة لشبكة القصة العربية 2001-2007