[ أهلاً بالضيف الكريم ] 
للتسجيل
أنت الزائر رقم

إحصائيات الموقع

الدول المشاركة
عدد الكتَّاب
عدد النصوص
عدد الكتب
عدد التعليقات
عدد القراءات
عدد التوقيعات
عدد المشتركين
كتَّاب في الانتظار
نصوص في الانتظار
 
العطش 
التاريخ:  القراءات:(2223) قراءة  التعليقات:(6) تعليقات  إهداء لصديق طباعة التعليقات أضف للمفضلة

  قصة ، من : أيمن مصطفى الأسمر  

يمشى فى شوارع المدينة المزدحمة مهموما ، يفاجئه العطش فيتجاهله ، تمرق من حوله السيارات الفارهة بجنون لاهى ، تذكره إحداهن بسيارة ابن "المعلم" ، فيستعيد فى ذهنه ما قاله "المعلم" حين طرده من الورشة:

ـ "هنأكلكم ولا نأكل عيالنا".

قالها ثم ركب إلى جوار ابنه وطرق باب السيارة المرسيدس فى وجهه ، لا يعلم حتى السبب وراء طرده ، فهو لم يقصر أبدا فى عمله ، لم يتجاوز حدوده مع "المعلم" أو ابنه.

من يومها وهو يدور على أصحاب الورش لعل أحدهم يرضى بتشغيله ، يتحججون جميعا بحجج مختلفة: "مش عايز حد دلوقت" .. "فوت علينا لما ربنا يفرجها" .. "يا أخى دى البنوك نفسها فلست" ، وتظل النتيجة واحدة .. هو عاطل عن العمل منذ أسابيع ، خزين البيت لن يكفيه وأسرته طويلا ، طلبات الأولاد وأمهم لا تنتهى ، لم يجرؤ على إخبارها بما حدث ، يخرج ويعود فى موعده المعتاد على أمل أن يأتيه الفرج قبل أن تعلم ، فى الأيام الأخيرة وقد هاله التناقص السريع لخزين البيت وتقلص ما معه من نقود بدأ فى الاقتصاد فى أكله وشربه ، عندما لاحظت زوجته ذلك وقالت له:

ـ "مالك مش أكلتك"؟

لم يعرف بماذا يجيبها ، وعندما تطلب منه شيئا أو نقودا يقول لها وهو يهرب من البيت:

ـ "مش وقته".

يعرف أنها قد بدأت ترتاب فى الأمر ، يتفادى نظراتها المتسائلة ويتجاهل طلبات أولاده من الحلوى والفاكهة ومستلزمات المدرسة.

يظل على سيره المضطرب فيما يتصاعد شعوره بالعطش ، يمر بالقرب من محل عصائر لكنه لا يدخله ، يقترب من ميدان المدينة الشهير بازدحامه بالشباب والفتيات ، يتوافدون عليه صاخبين والسيارات الفارهة تزداد جنونا ولهوا ، يتوجه ببصره إلى أعلى ويدعو بحرقة أن يفك الله عنه أزمته ، تتعالى البنايات من حوله وتتقارب رؤوسها لتحجب عنه السماء ، ينفجر عطشه وتزيده سخونة الجو شراسة ، يخفض بصره إلى الأسفل فتصطدم عيناه بها ، علبة عصير متوارية إلى جانب أحد أركان معرض أثاث متطاول بواجهاته الرخامية والزجاجية ، تمرق فى ذهنه فكرة عابرة لكنه ينبذها ، يتجاوزها بخطوات ثم يتوقف ، ينظر حوله بحذر ، الشباب والفتيات كما هم صاخبون ، السيارات تلهو وتكاد تصعد إلى الأرصفة لتزيح الناس عنها ، البنايات العالية تتحول إلى أشباح سوداء تخنق السماء تماما عنه ، يتراجع إلى الخلف وينحنى لالتقاط علبة العصير فى شوق بالغ ، يهزها .. يباغته أنها خالية ولا قطرة واحدة بداخلها ، يرفع جسده فى تراخ وحرقة العطش تملأ كيانه.

 

أكتوبر 2009

w w w .    A    r    a    b    i    c    S    t    o    r    y    . n e t

جميع الحقوق محفوظة لشبكة القصة العربية 2001-2007