[ أهلاً بالضيف الكريم ] 
للتسجيل
أنت الزائر رقم

إحصائيات الموقع

الدول المشاركة
عدد الكتَّاب
عدد النصوص
عدد الكتب
عدد التعليقات
عدد القراءات
عدد التوقيعات
عدد المشتركين
كتَّاب في الانتظار
نصوص في الانتظار
 
ورقة بمائة. 
التاريخ:الخميس 4 فبراير 2010  القراءات:(4902) قراءة  التعليقات:(22) تعليقاً  إهداء لصديق طباعة التعليقات أضف للمفضلة

  قصة ، من : سمير الفيل  

 

ورقة بمائة.

 

 

انقبض صدر الأم عندما فتحت الشراعة فوجدت ابنتها شاحبة الوجه ، فتحت باب الشقة بسرعة : مابك؟ لون وجهك مخطوف؟!

 أسندتها ، وبرفق أجلستها على الكنبة العريضة ، دخلت المطبخ وعادت بكوب ماء : إشربي . سلامتك.

طوال اليوم تلف البنت على عمل في المدينة بلاجدوى ، والمحل الوحيد الذي قبلها طلع الرجل عينه زائغة.

 تتردد أنفاسها لاهثة كأنها تكمل سباقا ، ونفيسة  تمسد شعرها : إحك ما حدث .

البنت تبكي على صدر أمها ، ويدها ما زالت قابضة على شيء لا تستبينه : لا داعي يا أمي.

أبعدتها في استنكار : أبدا . لابد أن أعرف كل شيء .

آهة عميقة ، أنة صدر مزموم ، والبنت صامتة لا تريد أن تفتح فمها ، ولكن وجوم الأم التقى مع شحوب وجه فاطمة في نقطة ما جعلت القلب يخفف بعض لواعجه، ويبوح : بعد أن كلت قدماي من المشي والتدوير استندت على  جدار محل موبليات استريح ، طلع رجل مهيب الهيئة على رأسه طاقية بيضاء وفي يده مسبحة : وبعدين.

فاطمة تغمض عينيها وتسترجع كل شيء . سألني بلهجة حانية : أية خدمة يا آنسة.

 نظرت نحوه فوجدته رجل في الخمسين من عمره، لا خوف منه مطلقا ، وعتبات محله بالرخام : أريد عملا يا حاج.

تأملني مليا ، ووسع لي الطريق إلى مكتبه البيضاوي : وماله؟ نشغلك عندنا .

سألته بأدب وأنا أخفي عنقي بالإيشارب المتدلي أطرافه من الجهتين : وما هو طبيعة عملي هنا؟

 ضحك ضحكة شعرت معها أنه لم يصادف واحدة بمثل سذاجتي: العمل هنا له أصوله . مهمتك فقط راحة الزبائن.

هززت رأسي فرحة : والأجر؟

 هز رأسه مشجعا : نحدده تبعا لهمتك،  وطبقا لمهارتك . هل عملت من قبل في معارض موبليات ؟

 تجولت عيناي في الأطقم الفاخرة : أبدا . هي أول مرة أخرج فيها من بيتنا .

اصطحبني إلى أرجاء المحل الواسع ، وراح يشير إلى حجرة سفرة بقشرة ماهوجني ، وثانية من قشرة الجوز ، وثالثة عين الكتكوت .ضرب لي أسعارا خيالية لأحفظها وأنا أنطقها للزبائن : عشرات الآلاف يا أمي . لم أتصور أنه توجد موبليا بهذه الأثمان . مبالغ خرافية والله .

 حدجتها الأم بنظرة مستنكرة : خلنا في المهم.

 سبقني إلى " الصندرة " ليريني حجرات النوم ، نصعد إليها بسلم خشبي ضيق لا يكد يتسع لاثنين ، رأيت حجرات أشكال وألوان  ، هذه " كليوبترا " ، وتلك البعيدة " فينوس ", والتي ترينها في المنحنى " بلكار " أما تلك التي في آخر الطرقة فهي " رقبة الجمل " . هل تعجبك تلك الحجرات؟

 قلت وأنا أستمع إلى أسعارها : نعم . تعجبني. ولكن الأثمان غالية .

 ضحك مزهوا برعبي من سيرة المال : الغالي للغاليين .

 مد يده بمائة جنيه . كانت جديدة ، تخشخش في احتكاكها  بأوراق أخرى مثيلة أخرجها من حافظة جلدية سحبها من عبه: هذه مائة لربط الكلام.

 كان عقلي يطقطق والمشهد يومض في رأسي ، رمقني ويدي يا أمي تلامس الورقة برسم أبي الهول . حدقت في بؤبؤ العين . كان ينظر نحوي متأملا ، وصامتا . لكزني بكوعه في كتفي : يمكنك أن تبدأي الشغل من الآن.

 مددت يدي أمسك الورقة . حدقت في الأنف المجدوع . كان تمثالا غريبا وبدا لي أن في صمته كبرياء .

 سعل الرجل وأخرج منديله "السكروتة  " ، وحرك يده باتجاه سرير قد فرش بملاءة من الستان الأحمر : كل زبائن المحل  من السيدات من حقهن أن يجربن هذا السرير. ولو لمرة واحدة .

يؤكد على نون النسوة وعينه تبربش كأنه في انتظار قراري . كان يعرف البئر وغطاه . يعرف أننا نعيش على الستر, لأنه كان يلمح ويعطي إشارات تحتمل المعنى ونقيضه . لم يجسر على أن يصرح بنيته الخسيسة ، لكن خيطا لامعا في كلامه جعلني أتيقظ للمؤامرة المحكمة : هذه مائة ولكن لم تقل لي الأجر الشهري .

 رد بسرعة ونفاذ صبر : قلت لك حسب إنتاجك!

 كان يقولها بسخرية مبطنة ، ويده تشير بإلحاح نحو السرير . ساعتها كرهت الأحمر كثيرا . تذكرت ذكر الديك رومي وهو يكركر كلما كنا نصفر له صغارا كي نثير غيظه ، وتذكرت أبي حين عاد محمولا في عربة الإسعاف بعد أن داسته عربة نقل الموبليا للحاج الكتاتني .

وقعت عيني ثانية على منظر أبي الهول . كانت رأسه  مرمية إلى الخلف قليلا ، لكن بميل يحمل تصميما عجيبا ، أما نظرته فقد كانت تحمل خشوعا لم أعرفه من قبل. رأس الآلهة " مسخنت " ليست بهذا البهاء ولا " حورس " المحلق في السماء .

 هزتها الأم : فاطمة . لا أفهم كلامك . هل أنت بخير ؟!                                                      

 كانت فاطمة في الصندرة مع صاحب المحل الخمسيني  وجها لوجه . الستر والمال . مبارزة غير مأمونة .  رأس مرفوعة بكبرياء أو ذل مقيم .

 لكنها كانت أيضا بحاجة إلى ملابس خروج غالية تساويها بالبنات المترفات كي تجعلها تعيش يومها ، فهي تعرف أن مؤهلها في التاريخ قديمه وحديثه لن يُعين أصحابه قبل عشرة سنوات كاملة مع أنها تحفظ كل شيء عن صعود وانهيارالأسرات الثلاثين ، وكل يوم تقنع نفسها أن الحكومة ستفي بوعدها وتعين آلاف مثلها ممن ضيعن زهرة الشباب ونور العين في المذاكرة واستلاف المراجع ، وشراء المذكرات بخطوط مطموسة وأحرف متآكلة .

 ابنة المرحوم لطفي الصعيدي في موقع متقدم للمواجهة . فاطمة في تحد تاريخي ضد أساطيل النقل ، وباعة الأثاث بالآلاف ، وسماسرة السوق الذي له قانون  صارم  لا يرحم . كانت الصفقة بين بين . والثمرة توشك أن تسقط : لا أفهم شيئا . تعبت قلبي يا فاطمة .

 حين تجاوز التلميح إلى فعل صريح كانت المواجهة . صفعة هوت فجأة على صدغه ، وبأسرع من البرق هبطت السلم الخشبي . بدا مأخوذا : طيب يا بنت الكلب . والله سأريك.

 تعثرت في السجادة ووقعت : لكنني كنت قد أصبحت في النور . جسدي في النور . أتفهمين يا أمي ، وأمامي الناس تروح وتجيء . باءت صفقته بالخذلان . أمي . لقد لاحقني وصرخ في الناس : سارقة .

 كنت قد أفلت الورقة على الأرض ، لحظة أن صفعته بكل قوتي ، يبدو أنه لم يرها .

 حينما أمسكوا بي ، وعادوا للصندرة ، وجد ورقته المالية وقد داستها الأقدام . وقتها عاد له اتزانه . هز رأسه وقد استوعب خسارته المؤكدة : اتركوها لتذهب . يظهر الموضوع فيه سوء تفاهم .

 في يدي كانت صورة الرأس جلية تروح وتجيء في ومضات مفاجئة ، وكانت الصفعة رغم كل شيء واضحة المعالم على وجهه.

 وجهه الأحمر بشحوب خفيف وزرقة لم تخفها ابتسامته المصطنعة .  كنت أستعيد نظرة أبي الهول ، والتماعة البؤبؤ وأنا أجر رجلي مجهدة نحو بيتنا يا أمي .

 

 

23/1/2003

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

w w w .    A    r    a    b    i    c    S    t    o    r    y    . n e t

جميع الحقوق محفوظة لشبكة القصة العربية 2001-2007