[ أهلاً بالضيف الكريم ] 
للتسجيل
أنت الزائر رقم

إحصائيات الموقع

الدول المشاركة
عدد الكتَّاب
عدد النصوص
عدد الكتب
عدد التعليقات
عدد القراءات
عدد التوقيعات
عدد المشتركين
كتَّاب في الانتظار
نصوص في الانتظار
 
مظاليم ربنا 
التاريخ:الخميس 18 فبراير 2010  القراءات:(4825) قراءة  التعليقات:(26) تعليقاً  إهداء لصديق طباعة التعليقات أضف للمفضلة

  قصة ، من : سمير الفيل  

مظاليم ربنا

 

نرجس الصغيرة

 

كانت نرجس بريئة ، بضة الجسد ، رائعة الجمال ، دقيقة التقاطيع ، لها بحة خفيفة تلون الصوت برقة لا حدود لها.

نمشها الخفيف على الوجنتين يخطف القلب خطفا. تمشي محتضنة حقيبة كتبها الجلدية الغامقة على صدرها الصغير باستماتة من تمنع العيون البصاصة . تدرس في الصف الثالث الثانوي . أحبت عثمان ابن الجيران . والدها الذي مات من أعوام لم يكن موجودا ليمنع نزقها  . سد جدها البلكونة بلوح من الأبلاكاش البلجيجي .

بعد خروجه مباشرة خلعت المسامير بكماشة صدئة . تركت لونا بنيا قاتما على كفيها . تركتها الأم تفعل ذلك ، وما لبثت أن اندفعت بجسدها تحجب عنها رؤية النافذة المواجهة للمنزل ، مواربة باب البلكونة لم يمنع طيف شبح لا يكاد يرى.

بعد شد وإرخاء ، تزوجته ضد رغبة الجميع . هو الميكانيكي الذي يعرف كيف يكسب لقمة عيشه وكيف يخطف قلوب البنات.

عانت صعوبات جمة فترة حملها . أنات موجعة أطلقتها وهي تلد . رفض زوجها الشاب أن تنقل إلى المستشفى وأسرع باستدعاء القابلة . كانت في لحظات الأفول ، تقاوم الأسود البغيض وهو يسحب روحها رويدا رويدا. سألها عثمان عن رغبتها في تسمية المولود. لحظة خروج الرأس الذي أطل مدمى  . قالت بصوت خافت : سموا الصغيرة باسمي.

أسلمت الروح في الهزيع الأخير من ليل الخميس ، وكانت نرجس الصغيرة ترفس الهواء بقدميها ، وتبكي قبل الجميع . بصوت فيه بحة الأم التي غربت شمسها قبل الآوان .

 

 

28/6/2003

 

نوم

 

تقلبت في نومها . اندلق النهدان من طاقة الجلباب الباتستا ، وهي مستغرقة في النوم.

خبط الشاب " قسط "  الحليب بكوبه المعدني خبطات أليفة. صعد كعادته الدرج الخشبي في ملل تشوبه احباطات أيام مضت.

وجد الباب مواربا . كح كحة خفيفة ، وأمال رأسه على الجدار المواجه لباب الشقة. لم يخبره أحد أن الأم مضت لشراء طلبات البيت .

بعد قيامه متأخرا نصف الساعة انطلق في جولته اليومية . للمواقيت أحكام وللظروف عثرات .

كادت تأخذه سنة من النوم . هز رأسه ليطرد الكسل . كانت الشمس في رحلتها الأولى تسحب خيوطها بعنفوان . مد أصابعه ونقر نقرة ، نقرتين ، ثلاثا.

لم يخرج إليه أحد . خشي أن يتأخر عن موعد توزيع الحليب . بتردد شديد دفع الباب الخشبي الثقيل فزيــّق ، ورآها.

كانت تتقلب في فراشها ، بثوب الباتستا الأحمر ، في ضوء غاف بالحجرة المواجهة . تنحنح ثم استولى عليه ذهول خالص .

كان الجمال الذي سمع عنه يتبدى أمامه مجسدا فتنة و اختطافا . خلع مداسه على العتبة وحمل القسط بيد والكوب بيده الأخرى وتقدم نحو السرير.

صار على بعد ذراعين منها ، همس بصوت يرتعش : الحليب.

تأمل شعرها الأسود الكثيف يختبئ  في أنسجة الملاءة ثم يظهر في ومضات ملهمة. تموجات سود  تخالط النهدين الباذخين في مشهد كوني بديع.

لم تستجب لندائه ، فأدرك أنه في أزمة . المرتبة القطنية تحتوي الجسد والوسادة الصغيرة المشغولة بوردة قرنفل  تؤكد أنه معها . دون تخطيط مسبق مسح الزغب الخفيف فوق الشفتين ومد يده باضطراب بالغ ليدخل النهدين لمكانهما عبر طوق الثوب الواسع.

تنهدت وهي تعدل جسدها ، وتلملمه فوق اللحاف المطوي بعناية تحت قدميها.

بصوت أكثر خفوتا : الحليب.

وضع القسط على السجادة . فكر أن يغطيها وينسحب بهدوء , في تلك الثانية من الوقت فتحت عينيها . شهقت في مسافة تقع بين الحلم والرغبة , أو بين الصحو والرغبة.

لم يشعر بنفسه إلا وهو بين أحضانها وهي تدفعه ثم تعود لتضمه . تلاشى خوفه وهو يقتحم خلوتها : إغلق الباب .

بينما هو في طريقه لإحكام الترباس اصطدمت قدمه بالقسط فانساب الحليب على السجادة الكيشاني النبيتي اللون ثم مالبثت خيوطها الكثيفة أن تشربته على مهل.

 

29/6/2003

 

خصلة شعر

 

نزلت صفاء من عربة الحنطور ، ويممت وجهها شطر شجرة الجميز الضخمة ، في أول طريق المنية . التفتت حولها فلم تجد إلا عجوزا يجلس على طرف الترعة ، مدلدلا قدميه في مياهها الراكدة . يبدو من منظره أنه على باب الله ، لا له في العير ولا النفير.

تقدمت نحو الشجرة . لملمت في طريقها بعض الثمار المختونة التي تساقطت في الليل ، و في بداية الفجر. أخرجت من عبها كيسا من القماش . دست أصابعها ، وقبضت على اليد الخشبية للجاكوش.

دفعت بحذر حفنة صغيرة من المسامير الصلب قي فمها . راحت تلفظ مسمارا مبلولا بريقها الدافئ . دقت المسمار الأول ثم دقت اثنين آخرين على هيئة مثلث.

مر فلاح يركب حمارا ، رمى السلام فردت بأفضل ما تعرفه ثم سلتت الطرحة التي كانت تلم شعرها الذي انسدل ناعما ، متألقا ، كمنجم من الفحم الذي لا يطول سواده أي ابيضاض.

عقدت خصلة ، علقتها في رأس المسمار العلوي . جذبت شعرها مرة واحدة . أحست بالألم يسري في جسدها كله . تأوهت قبل أن تعاود فعلتها في المسمارين الآخرين .

ـ لاحول ولاقوة إلا بالله.

قالتها عجوز ، وهي تدور حول الجذع الهائل لشجرة الجميز ، ساحبة بيدها امرأة شابة بلا تزويق ، تغوص في ثوب ستان أزرق بدوائر سود متداخلة باحثة عن مكان خال من المسامير.

ـ بالشفاء إن شاء الله . ربنا يرزقك بالخلف الحلال.

جذبت خصلة أخرى فسرى تيار الألم في عروق الوجه الذي تساقطت عليه قطرات دم لا تكاد ترى .

لم يكن مسموحا لها بالكلام ، لذلك حين لامست العجوز كتفيها كتحية صامتة هزت رأسها ردا موجزا وبليغا.

قالت التي تملأ الغضون وجهها : ربنا الوهاب.

كانت الخصلة الثالثة قد تركت حين جذبتها خيطا من الدم تسلل نحو العنق العاجي الجميل.

لم تمسحه ، تركته ينسرب نحو نهديها ، عادت إلى عربة الحنطور التي كانت تنظرها على ناصية شارع المظلوم . صعدت السلم بدرابزين حديدي مزخرف بالغزلان . سرعان ما داست فرو خروف بني منبسط على العتبة المؤدية للبيت .

كان زوجها قد اغتسل ، وجلس في انتظار عودتها.

قبل أن تخلع ثوبها ، وتضع الجاكوش في مكانه بالصندرة أحست بزوجها يلتصق بها ، وتأكدت أن فوران الجسد سينصفها هذه المرة لتأتي بالولد غصبا عن عين حماتها العقرب.

 

 

30/6/2003

w w w .    A    r    a    b    i    c    S    t    o    r    y    . n e t

جميع الحقوق محفوظة لشبكة القصة العربية 2001-2007