[ أهلاً بالضيف الكريم ] 
للتسجيل
أنت الزائر رقم

إحصائيات الموقع

الدول المشاركة
عدد الكتَّاب
عدد النصوص
عدد الكتب
عدد التعليقات
عدد القراءات
عدد التوقيعات
عدد المشتركين
كتَّاب في الانتظار
نصوص في الانتظار
 
في الطريق إلى المقبرة 
التاريخ:  القراءات:(5102) قراءة  التعليقات:(12) تعليقاً  إهداء لصديق طباعة التعليقات أضف للمفضلة

  قصة ، من : سمير الفيل  

 

في الطريق إلى المقبرة

 

إخفاء

 

لا أحد يعرف كيف أمكن لهم أن يجمعوا صفوفهم بكل هذه الدقة . رجال قد جاؤوا  للعزاء  ببدلاتهم  السوداء ، وأربطة أعناقهم التي تكاد تخنق الرقبة . تطل وجوه مذهولة من الدكاكين ، وترتفع السبابات باتجاه السماء ، والسيارة تحمل الجثمان باتجاه الجبانة.

صفوف لأناس بأحذية ملمعة ، مصقولة ، تضرب في حفر تجمع فيها مطر الشتاء ، فتطرطش المياه التي صبغها الوحل بلون رصاصي فاتر بل وحزين فيما دوامات لحوحة فوق الرؤوس التي تمضي منصاعة نحو الأضرحة التي تعلوها الأهلة.

قبة وحيدة لها استدارة مؤرقة ، تبدو كأنها الهدف النهائي للدفن . مواراة الجثمان شيء أساسي ، لا بديل عنه ، وتلقين الحجج بترتيل هادئ  ، بإيقاع ينحو للشدة .

إنهم قادمون والحفرة مجهزة . الرمال التي جاءت لتسوية الأرض ، ومداراة العظام القديمة أخفت ما يجب إخفاؤه.

 

 

 

لكزة

 

لن يختلف أحد على أهمية قضاء المهمة بالسرعة الواجبة . ذلك أن الجسد بعد طلوع الروح يكون ثقيلا ، ولأن الثواب يكون مضاعفا عند حمل النعش فوق الأكتاف فقد فكروا في العودة للطريقة القديمة .

القبضة التي ارتفعت ، أمرت أن يدخل النعش جوف السيارة . في المسافة من باب الجامع حتى الحافة المعدنية للصندوق سقطت دقيقتان في الفراغ المميت . تحشرج صوت يستدعي مآثر الفقيد لكن طائر النورس في ذات اللحظة انقض على سمكة كشفها ضوء الشمس فانتشل المنقار ضحيته ، وانعكست اللمعة على القشور التي فضحتها الفضة.

لقد تقدم الأقارب من الدرجة الأولى لتصدر الصفوف ، ولكز الرجل الكبير فقير العائلة بالصندل القرمزي كي يتراجع لمؤخرة الصفوف . لكزة خفيفة لا تكاد ترى لكنها تركت في صدره وجعا. استسلم لمن بيده مفاتيح الغيوب ، وصار في الصف قبل الأخير. حرص على أن ينتزع من قلبه حزنا غائرا . غاض الماء فامتقع وجهه . لكزة مؤلمة لكنها لا تعتبر شيئا في مقياس الألم . ما لهذا الرجل لا يفارق كبيرة ولا صغيرة إلا ووضع عليها بصمته.

 

صفعة

في بعض الأحيان لا يستطيع الإنسان أن يرتب أحزانه . خير له أن يترك ذاته للذي خلقها بشرا سويا . من علامات يوم القيامة أن يستأسد الفأر على القط ، وأن تلطم المرأة زوجها على وجهه لأتفه الأسباب . لكل جنازة خط سير محدد ، يمر بالأزقة والحارات والشوارع ، كما يخترق الميادين ، والأقدام على اتفاق فيما بينها أن تضرب الأرض بقوة كي تندفع الأجساد المثقلة بآثامها إلى الأمام . أجساد عفية لم تعرف التلف بعد أما الجسد الذي طوق بالكفن الأبيض فهو يتحلل ، ويصل إلى درجة من البرودة . جسد كان يتحرك ، ينحني ، يميل ، يهرول ، يبطئ ، يسرع.

إنه في نقطة السكون . نقطة نهايتها لا تعرف الاختيار ، والدموع التي تسح بعضها مالح ، دافئ ، بعضها الآخر كاذب ، يخلو من أي طعم . لا يمكن للمعامل والمختبرات أن تحلل الدموع لكنها تحلل الدم والبول والبراز ، وتعد صفائح الدم وكراتها البيضاء والحمراء ونسبة الدهون . غلالات سوداء تبدو من بعيد ، وامرأة تحمل القلة بميل نحو فمها لتبل ريقها في شرفة بينها وبين النعش مائتان وثمانون سنتيمترا . السماء صافية الزرقة . لا توجد قلوب خالية من الهموم . انسحب بائع الترمس بعربة اليد خطوات ، لطمه الشرطي على قفاه بلا سبب . والبائع سب الدين واجترأ على الحكومة . انفتح مكبر الصوت على ترتيل الشيخ الشعشاعي ، ولما كانت البطارية على وشك الانتهاء فقد بدا الصوت متهالكا. مما دفع المتعهد لإيقاف الجنازة لحظتين ليغير البطارية بأخرى . مجرد دقيقتين وعاود المشيعون  سيرهم بفتور هذه المرة . لحظة وجاء صوت أم عوض مكروبا وناعيا فاستعادوا حماسهم . سالت دموع وتقدم بائع الترمس خطوتين وهو يمرر يده على مكان الصفعة التي بانت لمن يحدق فيها بلون التوت البري.

 

حدود

 

عند الحد الأيمن للجنازة شيخ طريقة . يمشي في أوقات مبكرة جدا فوق سطح النيل ، ويشق طريقه عبر الحوائط . إنه يميل بجسده ليحمي النعش من كل مكروه : من شياطين الجن وعفاريت الإنس . الجسد داخل غلالات بيضاء . اقترب من الازرقاق ، والفم الذي كان يرغو ويزبد انطبق وتخشب الفكان. حدود الدنيا للجسد الفاني تحتل حجما متذبذبا من صرخة الميلاد حتى نقطة الوفاة ، ورفع التلكيفات.

هل رأت العيون مناديل الزينة ، وهي ممدودة على حبال بين شرفتين؟ والصقر يرفرف بجناحيه فلا يمكنه أن يطير أو يغادر رقعة البياض المحبوس فيها ؟ في كل بيضة يستكن صفار له رائحة زفرة ، وبياض عميق . تعظه الحياة التي تتشكل لتكون كتكوتا لا يصيح إلا بعد احمرار العرف.

جرى العرف على مرور سيارة بمكبر صوت لتذيع أسماء الأهل والأقارب بأماكن عملهم ودرجة وظائفهم . يكون الميت من المحظوظين لو أن له أخوالا من الوزراء أو ضباط الجيش أو رتب الشرطة . يكون حظه معقولا لو ذكر الأطباء والمهندسون وأساتذة الجامعة والقضاة حتى لو كانوا من الأقارب البعيدين . لا أحد يضحك على الموت ، والحفرة ستنتظر القادم محمولا على عربة أو فوق الأكتاف . إنها حفرة بلا عقل أو قلب . يتحرر الإنسان من ارتباطاته ومواعيده ، ولا يمكنه أن يوقع في دفاتر الحضور والانصراف . هناك حالات استثنائية ، وقعّ الميتون فيها على كشوف الحوافز والبدلات بل والمرتبات وتغاضى الكبار عن الأخطاء لأن الله رحيم رؤوف .

أن تذهب إلى حفرة ، وتـُـلقى بكل خشوع فهو شيء أقرب للتكريم . أياد تهدهد الجسد وتتحسسه برفق . والولد الذي يبيع السعف الأخضر يعرف أصول المساومة ، ويبيع أكثر.

 

فروق

 

النساء كن حبيسات البيوت الرطبة المظلمة. النساء يعقصن شعورهن ، ويخفين منابته في الأحوال العادية بإيشاربات ملونة . في الجنازات يسبقن الرجال ، ويترصدن المشهد من بعيد. يرتدين فساتين سوداء أو جلاليب مسدلة حتى الكعبين ، ويلوحن بمناديل بنفس اللون القاتم . تطورت طريقة التعبير عن الحزن.؛ فلم تعد الأصوات تتعالى بالصراخ . ذلك عهد فات أوانه إلى غير رجعة. إنهن يبكين في خفوت . تتقارب الرؤوس ، ويصدر نحيب لا يكاد يعرف إلا باهتزاز الأجساد ، وارتعاد المناكب.

الجثمان يكون على بعد خطوات من مرقده النهائي فلا يأبه ببكاء أو نحيب. إنه يتهيأ للحظة الختام المروعة . هب أن صاحب الجسد يملك عزبة عليها قصر بخدم أو حشم. هب أنه يملك أسطول سيارات لنقل أطقم الموبليا عبر الطريق الدولي الواصل للمغرب ومنه إلى أوربا . هل سيختلف في تقبله للموت عن خادم الميضأة بزاوية فقرة أو عن فراش يدق جرس المدرسة النحاسي في ركن بفناء تتراكم فيه الأوراق المهملة ؟

يقول الوعاظ أنه لا فرق . هذا صحيح نسبيا لكن الفرق عند هذا الشكاك الضحاك بكون قبل الموت لا بعده. وما يقوله كلام يخلو من المعنى لأن من أكل لحوم جاموس بلدية وعب خمورا اسكتلندية وتغذى بدنه على الكافيار وشرائح الديوك الرومية سيتساوى مع آكلي الفول والعدس والجبن القريش و" الجلوين " .

لا فرق البتة ، وهذا يعرفه القاصي والداني . الإنسان مسافر على مركب ، ويهمه أن يصل الشاطئ  بوسيلة آمنة. كانت جدتي تملح اللفت وتستلذ أكل " الكبر" وهو سيقان اللفت لأنه يغسل المعدة من السموم ويمحو عن النفس الكــبر.

جدتي لم تكن هي المحمولة داخل النعش لكنها اقتحمت الحكاية ، وها هي تعود إلى إطارها لتعصب رأسها ، وتنتظر جدي الذي حج بيت الله سبع مرات، وعرف إن النوم قرير العين بقلب يخلو من نوازع الشر يساوي كنوز الدنيا . مات ابنها وحين أزور قبره لا تظهر الحفرة بل أرى عناكب متكاسلة تسير فوق الاحدوداب الواصل لسطح الأرض ، وأسراب نمل بطيء في سيره ، تتهدل أوراق الصبار الذي زرعه جدي هنا قبل أن يلحق بالابن الطيب . ظل يبكي أربعة أعوام حتى لحق به ، وفصل بينهما مقدار عشرة سنتيمترات  من رمل جاف أتوا به من ناحية " قلابشو" .

 

صرامة.

 

كان بيت جدتي لأمي نحيفا  مثل شق طولي لنواة . يطل على أسطبل خيل . وراء الإسطبل  زاوية يصلي فيها الناس بإمام لا يملك سوى حذاء بنصف نعل ، وخلفه مباشرة ترعة الشرقاوية. من الزاوية تخرج جنازات فقيرة قليلة المشيعين . حين تخرج النعوش من أبواب البيوت تتعالى الصرخات التي ترتج لها بيوت الحارة المغرقة في وحشتها . كنت أفزع وأختفي وراء أي قطعة أثاث كبيرة كي أبعد عني الصوت الآثم . لصيق بالترعة خط قطار الفرنساوي وغيطان برسيم . من أعلى بيت جدتي أشاهد الأحصنة تلهو وتتمرغ على الأرض المتربة فرحة بالشمس . أميز الذكر من الأنثى بسهولة . قليل التربية أنا فقد كنت أهبط من حجرة جدتي العلوية ، وأقترب من السور الخشبي لأتلصص على الأحصنة ، وعضوها الذكري يتدلى كالبندول فأضحك لأنها تذكرني بالساعة الضخمة في محل النعسان مصلح الساعات الشهير بشارع النقراشي . ما هي إلا لحظات حتى يبدأ الغزل الصريح لينتهي بالقفز على ظهور الإناث . صاحب الإسطبل  يدفع غابة البوص في فمه ثم يخرج من منخاريه دخانا كثيفا ، ويسحب البوصة من فمه متأملا النسوة المارات ، ويسعل . يراني أحدق في المنظر فيضحك حتى يخجلني . يرى الفعل الفاضح والشمس تغطس فتخفي غبار الحوافر.

مات حصان في مغرب أحد الأيام فلطم الرجل خديه . استغاث بشلة المقهى فحملوا معه الحصان وساروا في جنازة نحو غيط البرسيم . دفنوه هناك ، وعاد باكيا ، منهارا، وقد وضع ذراعيه وراء رأسه . جاء تاجر المعسل فربت على كتفه ، ودفع بورقة مالية في جيب سترته. حضر بائع العسل والطحينة من دكانه وواساه . قال له إن الموت والحياة ملك لمن خلقنا ، يستوي في ذلك البشر وغيرهم ، فبكى الرجل بحرقة واقترب من مهر شارد وربت على رأسه الصغير.

إن حركة الأقدام تبدو مجهدة مع الاقتراب الحثيث من الجبانة . كانت عائلة " لبن" لها ندابات معتبرات لهن أجور معروفة. فإذا كان الميت فقيرا ، معدما، تصدقن بأصواتهن ، وسرن  في المقدمة باكيات وعلى وجوههن النيلة. يمضين لاطمات الخدود . لا يوجد على ظهر الأرض من يستطيع معرفة من أين يأتين بكل تلك الدموع خاصة إذا كان الفقيد شابا لم يدخل دنيا. حين تسير الجنازة يقترب منها أشخاص فضوليون يسألون في همس جارح عن اسم المتوفى ؛ فإن كان امرأة تراجعوا خطوات في اعتذار مؤكد . لا توجد جنازة واحدة عادت للبيوت باستثناء ما حدث لصبري المـُـر حيث نسوا في غمرة انشغالهم بالتغسيل تصريح الدفن ، فما كان منهم إلا أن داروا بالنعش صوب البيت . صعد شقيق الميت وجاء بالورقة بخاتم النسر المحبر بالأسود فبدونها لا يمكن للحفار أن يكمل ما بدأه . الحكومة في هذه الأحوال لها قرارات صائبة ، ولولا ما تمتلك من صرامة لدفن الناس موتاهم دون أوراق رسمية ولا حجج ثبوتية .

 

البس

أنت تمسك بكوب الشاي ، ومن فرط التعب تغفو ، فيسقط من يدك. تنتبه لحظتها لتسلل سلطان النوم وسرقة يقظتك. الموت يشبه هذه اللحظة . إنه يتوغل أكثر ، ويسقط من يدك كل الأشياء التي بحوزتك  . لا يقظة معه ، ولا انتباه، ولا تركيز . عندما تقضم تفاحة وتستطعم مذاقها فأنت حي . حين ترفع يدك بالقلة لتشرب ماء طاهرا فأنت حي . حين تصعد السرير وتضع حبة " الفياجرا" الزرقاء في فمك وتبلعها برشفة ماء فأنت أيضا حي . مع الموت لا أكل ولا شرب ولا حبوب زرقاء . لو قيض لك أن تراقب حبة الفول وهي تنتفش بالماء ، وتطلق ريشتها الخضراء باتجاه الأعلى ، ضد الجاذبية ، وتمد جذيرها الرهيف لأسفل فأنت في صيرورة الحياة . تقترن الحياة بالحركة والنمو والتجدد ، وفي أحيان أخرى بالتقلص والانكماش وانهيار ذبذبة التردد . تحولات في الجسد البشري أو النبات أو حصان إسطبل  جدتي.

في الجانب الآخر الغامض البعيد تبدو الأشياء مظلمة. الحفار يضع فوق حدبة قبر مجاور خليط الأسمنت والجبس . يصنع بيده حفرة في المنتصف ، ويصب ماء الجركن صغير ثم يقلب بباطن يده الخليط بسرعة ودربة.

حين ترفع الملاءة يدلدل الجسد في الحفرة العميقة ، ويمد المساعد يديه بالقطعة الرخامية التي تشبه نصف دائرة فتثبت جيدا. يدعو الملقن للميت بالثبات عند السؤال . تكون للوجوه تقطيبة بائسة ، ويمسح الناس بعد الدعاء وجوههم بأكفهم المتضرعة ، وقد ينفض بعضهم أيديهم من التراب ، الذي إليه يعودون مهما طال العمر.

الاحتماء بحفرة يكون أيضا في الحرب لكن الجسد حين يغطس في التجويف يكون مرنا ، في العروق يسري الدم مصلصلا . على مقربة من المقبرة يقف أهل الميت للمؤاجرة ، وتلقي واجب العزاء . صوت عجوز يتكرر: " شكر الله سعيكم.. غفر الله ذنبكم " . في صف واحد يسلمون ويعانقون ويبكون في تأثر . في لحظة يندفع شخصان للسلام على نفس الشخص فيرتبك الرجل لثوان ويتم تدارك الأمر في جزء من الثانية.

لا تهتم القطط بالجنازات ، فهي تسير بين القبور وتعرف طريقها جيدا . قد يلتفت قط لما يجري حوله فيحرك شاربه أو يهز ذيله وربما يتمسح في جانب من قبر مهدم لكنه سرعان ما يمضي نحو غايته. مصلحته الشخصية تدفعه لعدم أخذ هذه الأمور في باله. لا يوجد أحد يفكر في إيذاء قط في هذه المنطقة . كثير من القطط هي أرواح شريرة تجسدت في هذا الكائن الذي يعرف كيف يجري ويراوغ ، يقفز ويهبط ، بأرجل قصيرة مدكوكة.

تكفي كلمة " بس" لتعيد إليه الانضباط . تكرر " بس" مرات بحدة ، وبكل جدية كي ينصرف القط لحال سبيله. هناك قطط لا يهمها التحذير . قطط يستعصي عليها فهم ما للموت من رهبة وجلال. إنها في الغالب مشحونة بروح متمردة وستلقى حتفها غرقا أو خنقا أو تجويعا .

 

نط

 

في طفولته تعود أن يلعب " نط البصلة " أو " نطة الإنجليز " . الجري بسرعة والاستناد على الكفين حين توضعان برفق على جذع المنحني ، وعدم ملامسة الركبتين المفرودتين للرأس أو المؤخرة.

نط وقفز ووثب كلها أفعال ماضية مختلفة في صيغها وتصاريفها وتستوي في حالة الموت .

لما تمر الجنازة بالشوارع وتنحرف اختصارا للوقت باتجاه الأزقة المنحنية ينتبه الكبار ، يقفون في خشوع . لا يمكن الجلوس على مقاعد والموكب يسير إلى الجبانة.

وحدهم الأطفال  لا يعنيهم الأمر . الأولاد مستمرون في ألعابهم بحماس متقد: " بلتك" ، " السبع طوبات " ، " ركبت خيولها " ، " الكرة بالميس " . البنات يحجلن وحق " الورنيش " اكتسب ثقلا بوضع قطع من الزلط الصغير فيه وحفنات رمل . يدفعنه بطرف القدم ليمر عبر الخطوط العرضية في لعبة " الأونى" .

الموت لا يهتم بلعب العيال ، فلديه من المهام الجسام ما يجعله يأخذ الأمر بجدية . ستمر أعوام وأعوام و أعوام ، وسيعود لهؤلاء الذين يلعبون بعد أن تخشوشن أصواتهم وتتيبس مفاصلهم وتشيخ قلوبهم ليعاود معهم اللعبة بنفس المكر والدهاء ، وربما بالمباغتة . ينقطع النفس وتختلج عضلة القلب ويتوقف الدم عن الاندفاع . مشى وجري  وعدو وهرولة . كلها حالات للجسد البشري في حركته لكسب لقمة العيش والسعي نحو الرزق ، والله يرزق الدود في الحجر والوحش في الفلاة وسمك القرش في المحيطات كما يرزق العناكب في أسقف البيوت القديمة . لم هذا التوحش الذي يـُـرَوِمُ ، على الحياة ويجعلها قاسية ومجنونة ؟

مسعد العاصي زهد ، وسخط على الدنيا . لبس خرقة وعاش بجوار عامود بمسجد قديم مهجور . لا يعرف كائن من كان الشخص الذي يأتي له بأرغفة الخبز اليابس وشربة الماء وأعواد السريس الخضراء ؟

كان يشكو من السكر والضغط وإرهاق الكبد . يبدو الآن بعد أن تصوف نحيفا ، لا تهزمه الأمراض ، ولا يقترب منه الموت . تمر به الجنازات ، فيرجع برأسه إلى أقصى درجة ممكنة ، يبصق على الدنيا ويهتف في السائرين وقد كست وجوههم الأحزان : " ذوقوا من الكأس .. يا بقر" !

 

البوصلة

 

طيب خاطره بكلمة: " كلنا لها " . عبارة غامضة ؛ فالكل لا يعني دخول الجميع في حالة خمول ، فركود ، فموت . الكل لا يجتمع على باطل . هذا صحيح ، ومن هنا يتفق كثيرون على ضرورة الفناء .

مصطفى عرفات الترزي الذي كان يخيط ملابس الفقيد نصحه أن يزيد المقاس خمسة سنتيمترات  من كل جانب ؛ فمن المعروف أن الرجل عندما يتزوج يسمن لأسباب مجهولة لحدود النصف. أما المرأة ، أو الأنثى الكاملة فهي تزيد الضعف خلال خمس سنوات قمرية بعد الزيجة إن كانت سعيدة ، وثلاث سنوات إن كانت تعيسة .

تجمع الزوجات في جلساتهن الخاصة ، في الأفراح أو تجمعات العزاء أنهن تعيسات ،مظلومات ، وأن الزواج نقمة . الستر كان موجودا في بيت الأب الكريم والأم الحنون . الأم التي تسهر إذا ما ندت عن البنات آهة. أما الرجل أي الزوج خائب الرجاء فهو يشخر وزوجته تتقلب في الفراش بفعل المغص نتيجة تسمم الغذاء أو الدورة الشهرية ، أو قلق صنعته الحماة النكداء.

قليلون جدا من الرجال من يقومون من نومهم لسؤال الزوجة عن سبب تأوهها . وللحق هناك استثناءات ؛ فالحاج مرتضى الهلف كان يصر على أن ينام في غرفة وحده ، ويغلق خلفه الباب حتى يأخذ راحته ، ولا يذهب لسرير زوجته إلا ليل الخميس لأن الاستحمام في صباح الجمعة فرض عين . لما سمعها تتأوه ، قال لنفسه: اذهب  ، واسألها عما بها . لما أدار مقبض الباب وجده مغلقا من الداخل وهي تواصل تأوهها ، فطرق الباب بشدة ، يسألها عما بها : افتحي بسرعة .

لما فتحت الباب بعد خمس دقائق كاملة وجدها منكوشة الشعر ، جاحظة العينين . ترتدي قميص نوم ستان شفاف بفلة بيضاء على السرة . قالت أن المغص بسبب حلة المحشي . سألها عن سبب فتح الشباك : ألا تخشين  اللصوص خاصة أنهم يقطنون البدروم ؟ قالت وهي تمضغ الكلام : سأعمل حسابي المرة القادمة.

وهي حكاية غريبة ، عجيبة ، توضح لكافة الناس حتى هؤلاء الذين يمضون في القيل والقال خلال مسار الجنازة أن الحياء شعبة من شعب الإيمان فعرفي أوقفه الحياء عند حده ولم يجعله يحملق في القميص الغريب المخطط المخلوع على الكومدينو ، وكان على حق في توجسه من اللصوص وهي على حق في إغلاق شباكها المرة القادمة ، وعلى رأي المثل الشعبي " إبعد عن الشر.. وغني له" .

عرفي كان على حق لأن البدلة بعد الزواج انحشر فيها الجسد بصعوبة ، وكان الذراعان مشدودان كأنهما نفخا بمنفاخ دراجة . سحاب البنطلون لا يمر إلا بمشقة ، وهل منع امتلاء الجسد ونضرة الوجه من مجيء الموت؟

لقد دخل عكسيا من الشباك الذي كان مفتوحا في هذه المرة لالتماس نسمة هواء وحصد بمنجله الروح. ترك الفقيد ولدا وبنتين. وللذكر مثل حظ الأنثيين  في الميراث الشرعي . هل أخبركم واحد ممن عرفوا الفقيد أنه كان يصعد السطح ، ويرتقي السلم الخشبي كي يصل لدائر الحمام ؟ يطيره ؛ فيروح ، يطير ، في موجات بيضاوية شرقا وغربا ، وهو يلوح بالعلم الأحمر ، فإذا أراد لم سربه أنزل ذلك العلم ، وأخرج الآخر باللون الأزرق فيحوم الحمام مرتين أو ثلاث مرات قبل أن يحط على جوانب الدائر. غالبا ما تأتي حمامة غريبة أو طائشة ، اغتم عليها الأمر فضلت طريقها . تأتي مذعنة ، مترددة ، فيقبض بيده عليها بسهولة ، ويشعر حين يلامسها بارتجاف جسدها الضئيل . مهما مسد شعرها فداخلها خوف لا يمكن تصوره.

الموت لا يضل طريقه . حين يكون جاهزا يقوم بعمله في مهارة ، وحين يقاوم الشخص مخالب وأنياب القادم المسلح بكل أدواته يكون الاحتضار ، رغوة على جانب الفم وقبلها انسداد قصبة الزور . ينجح الموت بعد جهد جهيد في التسلل للجمجمة وإعطابها أو التوغل للقلب وإتلافه.

إذا كان مقدرا أن يموت الشخص ميتة فجائية فتكفي اختلال عجلة القيادة ، أو طيش سائق ميكروباس أو موجة بحر تأتي بدوامة ليكون الغرق . واحد من أصحابنا مات من شدة الضحك . انقبضت عضلة القلب ولم تنبسط فمال على المكتب ، وخلف لوح الزجاج صورة الزعيم بوشاحه الأخضر على الصدر تماما .

من يموتون من الحزن أكثر كثيرا في عددهم من موتى الضحك. ذلك أن الحياة صعبة ، عابسة ، مشاكلها متعددة . الحكيم من يتعظ ، ويخشع ، ويسلم وجهه للذي فطره إنسانا سويا ، يحمل في ضميره بوصلة الخير وبوصلة الشر.

 

صورة

 

قلبه يفيض بالمرارة ، والحفار قد انتهى من إسناد القطعة النصف دائرية فسد الفتحة نهائيا . لا مجال لدخول الهواء . سيتم التحلل ببطء ، لكن بلا هوادة. سينصرفون بأقدام متثاقلة ، وقلوب مكلومة . أبعد الشيخ الشحاذين والذباب ، ووقف الأقارب بعد تقبل العزاء لدقائق حيارى. أين يذهبون؟

صحبهم كبيرهم للمقبرة كي يخلوا بأنفسهم . وحدهم يدعون هذه المرة بلا جلبة أو تشويش . هناك نسوة في مقابر مجاورة يوزعون كعكا  بلا سكر ، وأقراصا  بلا زبيب ، و" منين" متحجر . مع كل يد تمتد هناك بضع تمرات . يسعد الميت أن يشعر بوجود من يسأل عنه ، ويتذكره .

أربعون يوما بالتمام والكمال تصعد روحه وتهبط حتى يكون اكتمال الصعود بالكامل. الصبارات تنفع ، والأشجار التي ترمي بظلالها ؛ تمنع الصهد ، وتخفف من زخات المطر ، وتمتص قطرات الندى. لا توجد شجرة مثمرة ، لو وجدت فلا يجرؤ إنسان على مد يده وإدخال ثمرة جوافة أو حبة بلح أو عنقود عنب  في جوفه  . لقد تغذت بعناصر تسربت ممن رحلوا ورقدوا تحت سطح الأرض .

قبل عشرين عاما بالتمام كان يتسلل تجار المخدرات وسريحو  البانجو ومعتادو الشذوذ الجنسي لهذه المنطقة . تنبهت الحكومة للمسألة فجعلت لها أبوابا حديدية بأقفال غليظة تقفل في الليل ، وفي حالات الوفاة يفتحها الحانوتي بمفتاح معه مربوط في محفظته.

كان المولد ينصب على مقربة من المقابر ، واستمر لسنوات طويلة على ذلك حتى جاء محافظ يفهم في القانون ووجد أن ما يحدث من انتهاكات قد يقلق الموتى وهم بحاجة إلى الراحة بعد أن شقوا في حياتهم ؛ فألغى المولد واقتصر الاحتفال السنوي على مرور " سيارة " من مريدي الطرق الصوفية بأوشحتهم المطرزة ، وأعلامهم الملونة ، وأناشيدهم المنغومة . امتنع أصحاب المهن عن المشاركة بصبيانهم حتى في ليلة الرؤية ، وكانوا فيما سبق يؤدون حركات النجار والحداد والحلاق والقرداتي والفقي.

المجانين  يأتون ليلا كي كي يبيتوا  تحت الأسوار . يغطون أنفسهم بأسمال بالية ، ويغطون في نوم عميق . الأصحاء والعقلاء والطموحون وحدهم من يصاب بالأرق ، فيحتاجون لأقراص مهدئة بل قد يصل الأمر لأخذ حقن مسكنة ، جلبا للنوم.

الموت صورة كلية للنوم الذي يخمل فيه الفكر قليلا ، فتصعد المكبوتات للعقل الباطن ، وتتشكل الكوابيس كما تنتظم الأحلام . تضغط على العقل ذكريات مبهمة ، تصل إلى حد التحول إلى صور ومشاهد تضيع فيها الأزمنة ، وتتداخل الأمكنة ، فيما تركض الشخصيات في أقبية مظلمة.

ما زالت أوراق الامتحانات خالية من أي كتابة . يدي ترتعد ، وأمي تتوعدني ، وخالي يفتح النافذة ويلطم خديه بعد أن وقعت نظره على المساحة المشغولة بالفراغ ، والتي تدل على خيبتي . أنتظر أبي الميت كي يسعفني بالإجابة فلا يأتي أبدا بل يمر طيفه بسرعة عجيبة دون أن يلتفت لي . أضع رأسي تحت شجرة خوخ مسكرة . أقول لنفسي سوف أخرج من هذا الحلم . أشعر بحلقي يجف وقد ترطب وزميلي في الجيش العريف مصيلحي يمد يده بالزمزمية . بعد أن شرب منها يصب ما تبقى فوق رأسي . أقوم فإذا بالعرق يتفصد على جبهتي .

لست الفقيد ، فهو في حفرته وحده ، وقد مضى الأهل والخلان . حين يهبط الليل سيكون في عزلته . ستزحف أسراب النمل ، والعناكب ، وتمرق السحالي من بين الشقوق أما الخنافس فستظل على كسلها المميت ، وهي تشخلل  إثر احتكاك جسدها الخشن بالأحجار ، ولأنه إنسان صالح فلن يضره شيء .

الأعمام قد يتواطؤون  لحجب الميراث عن الأبناء . الأخوال ربما ينفضون أيديهم عن متابعة الولد والبنتين . سترتدي الزوجة الأسود ، وقد تستمر عاما أو عامين ، وحين تمر الأيام ستشغلها طلبات الأبناء ، وتوفير ثمن الدروس الخصوصية ، ودفع فواتير الكهرباء والمياه والغاز والتليفون الأرضي الكسيح.

يطل الفقيد من الصورة بعد تكبيرها ، ووضعها في حجرة الصالون مع شريط أسود مائل في الركن الأيسر العلوي . سيبدو وحيدا ، مجهدا ، وملولا ، وغير مستعد لتبديل تقطيبة وجهه أو تغيير النظرة التي جمدتها عدسة خرساء صنعتها أوربا الكافرة التي لن يورد أبناؤها على جنة.

 

ليلة.

 

على حافة النافذة وضعت زوجة الفقيد ملاءة زوجها ، والوسادة ، واللحاف لتغمرها الشمس .

كانت تراقب السماء كل فترة حتى لا يفاجئها المطر ، ويبلل هذه القطع القطنية التي طالما لامست جسد الراحل .

الولد قام من نومه ، وطلب مصروفه اليومي ، فأدخلت يدها في الحافظة . سحبت نفس المبلغ المعتاد . رفض أخذه ، وطالب بمضاعفته . حسبتها بسرعة في عقلها . صممت على رأيها . خرج الولد غاضبا . طرق الباب بعنف . بعد دقائق صحت البنتان . سألت الصغرى أمها : لماذا مات أبي ؟ لم يكن مريضا ؟

قالت الأم لتنهي مناقشة لم ترها مجدية : تلك إرادة الله.

قامت الكبرى تتثاءب ، وفتحت التلفزيون فنهرتها الأم ، وأخبرتها أن هذا عيب ، وأكبر حرام . شغلت الراديو على محطة القرآن الكريم .

 

فتحت درج الكومودينو ، ثم راحت تفحص الأوراق . سندات قليلة ، بطاقة شخصية ، بطاقة نقابية ، أوراق نقدية من مختلف الفئات . وقعت في يدها وثيقة الزواج . أصطدمت يدها بمظروف كبير استحال لونه للصفار . أخرجت صور تجمعهما ليلة الزفاف . كان الماكر يغمز بعينه ويضمها إليه . استدعت ليلة الدخلة . تذكرت أدق تفاصيلها ، فتورد وجهها من الخجل .

دق جرس الباب ، فأوصت ابنتيها بإدخال من يأتي الصالون حتى تغير ثيابها ، وتلبس الأسود . خرجت إليهم ، ولما رأوها بكوا . حاولت مواساتهم بالبكاء مثلهم فلم تقدر. كانت قد بكت أمس بما فيه الكفاية ، وحتى لا تظهر غبية ، وقليلة الأصل رفعت طرحتها السوداء إلى وجهها ، وما لبثت أن استجمعت كل تركيزها كي تقترب من حافة البكاء فلما فشلت اصطنعت نحيبا خافتا كان يهز جسدها دون أن يغمر قلبها.

حزينة فعلا ، وهي تعرف أنها قد ورثت تركة ثقيلة ، فمتاعب الأبناء لا تنتهي . دق جرس الباب ثانية . دخل الأعمام ، وجلسوا في الصاالة ( الصالة ) بعد أن ألقوا السلام.

كان الموت قد صار مألوفا ، وحميما ، وواقعا . أحضرت لهم الإطار المذهب ، فوضعوا صورة كبيرة تظهره أكثر وسامة . وضع عم منهم يده في جيبه ، وأحضر شريط الستان ، وثبته في الزاوية بميل محسوب.

أخرجوا جريدة " الأهرام" ، وظهر النعي مصحوبا بصورة المرحوم . تحته أسماء الأقارب مرتبين حسب درجة القرابة والقيمة . انتثرت كلمتا  " باشا " و"بك" بين الأسطر بتوازن دقيق . كان اسمها يظهر ببنط صغير جدا . اضطرت  لإحضار نظارة القراءة . كان اسمها قد تحرف بعد سقوط حرف من منتصف الكلمة فبدلا من " حسيبة " وجدت اسمها " حسية " . هذا الخطأ أزعجها تماما لكن العم الأكبر أوضح لها أن اسمه هو الآخر قد ناله العطب فبدلا من " عادل " جاء اسمه " عال" . تداولوا في أخطاء المطابع ، وأخطاء الطب ، وأخطاء الحياة . رأوا أن العالم كله مليء بالأخطاء ، وأن الميت سيغفر لهم ما حدث فالمهم هو النية ، ومحلها القلب.

لاحظت أنهم ببدلاتهم  السوداء الأنيقة . ذقونهم تم حلاقتها بهدوء ، ورائحة الكولونيا تنتشر في الصالة . سألتهم هل تعد لهم الشاي؟ وافقوا بهزات من رؤوسهم . كانت النسوة بالصالون قد عاودن  البكاء  من جديد. أما هي امرأة الفقيد فقد دخلت المطبخ ، وبدأت في إعداد أكواب الشاي، ومن مكانها راحت تسأل كلا  منهم عن عدد ملاعق السكر . كانوا يردون عليها ردودا قاطعة ، محددة ، لا تعرف المراوغة.

لقد امتدت يدها لبطرمان القرنفل ، ووضعت في كل كوب ملعقة شاي وحبتين من القرنفل . قلبت السكر ببطء بعد أن صبت الماء المغلي . حملت الصينية ، واتجهت إليهم . نسيت  أن تحضر كوب ماء واحد ، وهو ما انتبهت إليه على الفور . وقد أشاد الأعمام بنظافة الأكواب ، وراحوا يرتشفون الشاي بتلذذ ، والمرحوم يرمقهم بنظرته المستسلمة ، والبؤبؤ يتحرك مع حركة أيديهم . حين تضع الأكواب أو ترفعها على المنضدة التي غطاها مفرش قرمزي بورود صفراء باهتة.

 

20/2/2010

 

w w w .    A    r    a    b    i    c    S    t    o    r    y    . n e t

جميع الحقوق محفوظة لشبكة القصة العربية 2001-2007