[ أهلاً بالضيف الكريم ] 
للتسجيل
أنت الزائر رقم

إحصائيات الموقع

الدول المشاركة
عدد الكتَّاب
عدد النصوص
عدد الكتب
عدد التعليقات
عدد القراءات
عدد التوقيعات
عدد المشتركين
كتَّاب في الانتظار
نصوص في الانتظار
 
زوجة العياشي 
التاريخ:  القراءات:(4964) قراءة  التعليقات:(36) تعليقاً  إهداء لصديق طباعة التعليقات أضف للمفضلة

  قصة ، من : سمير الفيل  

 زوجة العياشي

 

زوجة العياشي فجرت. نشرت لباسها الأحمر على حبل غسيل مشدود بين المندرة وبين باب فرن الحارة . كان الهواء الشتوي يهب هبات متباعدة فيطير الأطراف ، ويكشف عن دوران الدانتيلا في مكان مفترض انه أسفل الركبتين .لذا فقد رأى أهل الحل والعقد في حارة "ستيتة " أنها قد حان أجلها لما سببته للجميع من إحراج وتوتر في العلاقات شمل كل البيوت المطلة على الحي .

الزوج مشغول بتجارته الرابحة في وكالة الخضر ، يقوم من صباح ربنا ولا يرجع إلا في ساعة متأخرة من الليل ، وهي تسهيه وتقف في شباكها المشغول بورود القرنفل تضحك مع الغادي والرائح مرسلة ضحكتها المجلجلة في نهاية كل جملة تنطق بها أما سحلول الفران فقد وقع في غرامها دون أن ينطق بكلمة . إنه يلصق صوره بالأبيض والأسود على حائط الفرن عندما كان شابا قويا ، شهيرا في رياضة كمال الأجسام مبرزا العضلات المنتفخة والتي تنفر من خلفها عروق يسير فيها الدم حتى اليافوخ.

العياشي رغم غيابه يعود فتكون في انتظاره على سنجة عشرة ، تعد له المائدة ، وتجهز كوب الشاي الذي لا يكاد يرشف منه رشفة أو رشفتين حتى يروح في سبات عميق . تنظر حولها لتستنجد بابن الحلال الذي يساعدها في جر الجثة العظيمة حتى السرير ، وغالبا ما يكون منقذها هو سحلول الذي يحمل الرجل الضخم بهمة عالية ، ويضعه برفق على سريره ، فيما تسحب الغطاء فوقه ، وتخفي جسدها الرجراج بشال من الصوف النبيتي وهي تمضع اللبان : شكرا يا أخ . تعبناك معنا.

تطرق الباب ، وتصعد لتضع رأسا مسهدا على وسادة القطن التي زخرفتها ، وهي بنت بنوت بأغصان نبات أخضر يسير في دلال حتى يلتقي بزهرة بنفسج وحيدة.

مجرم كل من يتقول عليها مدعيا أن الفران يقفز من الشباك المفتوح ليجالسها ويطارحها الغرام فهذا لا يعقل بتاتا لأسباب أعظمها أن بنتها فاتن جميلة الجميلات ترجع من الكلية التي تدرس بها مبكرا ، وتظل أمام التلفزيون تشاهد الأفلام الرومانسية ، وتخفض الصوت حتى لا تقلق منام والدها. لو أن أحدا قفز لكانت أول من يسمع الخبطة ، وليس معنى وجود ترباس حديدي صلب في الحجرة القبلية أن وراء ذلك غرض خبيث فأغلب حجرات الرجال المتزوجين لها أقفال توفر لهم الخصوصية وتمنع الإحراج خاصة إذا كان بالبيت شباب في سن الزواج.

والمحمدي ابن العياشي شاب التحق بالجماعات الإسلامية فور تخرجه من كلية الهندسة ، وتم اعتقاله مرتين ، حيث قضى داخل السجون المصرية فترات قليلة لاتزيد في مجملها عن خمس سنوات. وهو شاب طويل عريض تبدو على وجهه سمات النباهة ، لم يتزوج ولم ينجب ويقضي وقته بعد إعلان توبته في بيع العطور والأعشاب والمراهم والسبح الكهرمان أمام ميدان الجامع الكبير ، ثم يعود ببضاعته على دراجة بخارية فينزل ما بها في هدوء ليضعها بحجرته ، ونادرا ما يرمي سلامه على أحد من أسرته حتى لو كانت فاتن أخته التي كانت قرة عينه قبل اكتشافه أن عيشة أهله حرام في حرام.

أم عوض زوجة الحانوتي تجاور مسكن العياشي وهي تعرف كل صغيرة وكبيرة عن الرجال والنساء . تشرب قهوتها كل صباح عند أم فاتن وتقرأ لها الفنجان الذي يظهر لها طالعها الميمون . ترفض تقاضي أي مليم رغم أن هذا هو عملها عند الآخرين خاصة النساء اللاتي يثقن فيها ثقة عمياء .

في آخر هجوم لمباحث أمن الدولة طوق العساكر البيت وطالبوا الشاب بالخروج بأي وضع لأن التحريات أظهرت وجود خلية نشطة لمهاجمة السائحين ، ولما تأخر في الخروج كسروا الباب ، ومن المنور الخلفي رأوا شبح رجل يفر باتجاه البيوت الخلفية فلم يجرأوا على إطلاق النار حيث كانت الأوامر صريحة بتنفيذ المهمة دون إراقة قطرة دم واحدة.

خرجت زوجة العياشي وهي تعدل ثياب نومها ، وتدعك عينيها ، تصيح في الضباط ومن خلفهم العساكر أن البلد لم يعد فيها نخوة أو شهامة فإبنها الذي يريدونه ذهب في مهمة لشراء شحنة عطور من الأسكندرية ، ولن يعود قبل يومين .

أزاحوها من أمامهم وفتشوا البيت ، قلبوه رأسا على عقب فلم يعثروا سوى على العياشي نائما يشخر فتركوا كل شيء على حاله ، وغطت الحارة في النوم مرة أخرى .

العياشي علم في الصباح أن الشرطة حاصرت البيت وفتشته فتعجب أن رأسه ظل مغيبا طيل وقت التفتيش ، وأرجع ذلك لمتاعب اليوم في الوكالة خاصة أن الأسعار قد ارتفعت بشكل مبالغ فيه خاصة القلقاس والبطاطس والكوسة ، وقد صار الفلاحون أكثر جشعا من غيرهم ؛ فهم يراقبون الميزان ويتحققون من الضرب والقسمة والجمع والطرح مرة ومرتين وثلاث.

فاتن كانت تعرف أن أخاها لن يجيبها البر فلما عاد نصحته أن يقطع صلته تماما بأصحابه الذين يعقدون عماماتهم من الخلف ، ويقصرون الثوب حتى منتصف قصبة الرجل ، ويطلقون لحاهم بلا تهذيب لتصل إلى منتصف صدورهم . لم يرد عليها شقيقها بل دخل وأغلق الباب على نفسه ، ولما كانت حجرته بلا ترباس فقد اقتحمتها وقالت له أن الحكومة بهدلتنا وأنت لن تصلح الكون بأعمالك ؛ فزغر لها وقال بصوت يرتجف بالغضب : أسكتي ياعدو الله.

 أسقط التاء المربوطة عن يقين .  خرجت للصالة وتمددت على مقعدين ثم أدارت المؤشر على قناة الجزيرة وتابعت برنامج " الإتجاه المعاكس " . تأكدت أن والدها العياشي لم يعد لأن حذائه لم يكن على عتبة البيت .استغربت أن سمعت ضحكة مكتومة ثم سعالا جافا خشنا فتحرجت أن تسأل نفسها : لمن السعال؟

بعد أقل من ساعة طرق العياشي الباب ، وهنا خرجت أمها منكوشة الشعر بعينين محمرتين وكانت تبكي أن ابنها لن ينصلح حاله ، وزوجها مستغرق في تجارته الرابحة ، لكنه يهمل شئون البيت فأشاح بيده وطلب إعداد السفرة وقبل أن تفعل الزوجة جلس على طرف المنضدة المستطيلة يعد مئات الجنيهات وكلما أخطأ أعاد العد من جديد ، وطوى المبلغ قبل أن يودعه مكانه المكنون في كيس جلدي ربطه بمطاط مجدول حول وسطه.

العياشي مريض بالصدر منذ سنوات ، وهو يبصق في منديله من وقت لآخر دما أحمر قانيا ، وله دواء موصوف لا ينتظم في تعاطيه ، وعنده أحلام أن يكمل بناء البيت الجديد في ضاحية السنانية بطوابق عشر ويجعل السطوح بستانا للياسمين ، وهو في سعيه لإكمال الحلم رفض الانتقال من المندرة قبل أن يجهز العمارة ويكسو مدخلها بالرخام الإيطالي .

لفاتن زميل مهذب وابن ناس في كلية التجارة ، وقد اتفق معها على التقدم لها في السنة الرابعة ، وهي انتظرت الوفاء بالوعد . لقد ذهب والد الطالب وطلب زيارة عائلية فأخبره الأب أنه لا ينتهي من الوكالة إلا في ساعة متأخرة فحددوا يوم الجمعة للتعارف .

في هذا اليوم جهزت البنت نفسها ورشت العتبة بماء الورد ، وجاءت الأم بمقريء وقرأ ما تيسر من آي الذكر الحكيم . ذهبت أم عوض واشترت طاقم شربات مذهب ، وعند الساعة السادسة كانت جلسة لطيفة وقراءة الفاتحة ولم تكن مفاجأة أن جاء الابن مصادفة ، وبذكائه عرف انه مشروع خطوبة . سأل العريس عن مصدر دخله فأخبره طالب كلية التجارة أنه يساعد والده في زراعة الأرض ، وحين يتخرج سيذهب ليستصلح أرضا في سيناء فاستغرق الأخ في ضحك متواصل وقال له بسخرية مريرة :  إبق قابلني . تكهرب الجو وقام العياشي وشد الإبن من ياقة الجلباب ، وأطاح بعمامته: أخرج من هنا.

 إمتثل الابن العاق للأمر ، ولكن حضور الابن المفاجيء ، وصراعه مع صاحب الوكالة جعل أسرة العريس تصرف النظر في أمر الخطوبة . لما علمت الابنة بذلك صممت على شق عصا الطاعة والهروب مع حبيبها الذي أثناها عن عزمها . قال لها بكل صراحة : افترقت بنا السبل.

سحلول علم بما جرى للأسرة ، وكان يريد اتمام الزيجة ليخلو له الجو فتضايق كل الضيق ، وحرص أن يحترس من عيون الفضوليين وهم كثر في حارتنا ، وقد أسرع بوضع صورة ملونة كبيرة له على الحائط الخارجي للفرن بدلا من الصور الصغيرة ، وكانت جلسته لا تحلو إلا بعد صلاة العشاء وكلما اشتد به الظمأ أرسل صبيا ليطلب القلة الفخارمن المنزل المقابل . كانت القلة تأتي بغطاء عليه فلة بيضاء تفوح بعطر يدوخ الرأس ، وكلما أمعن الليل في دخوله غطى الظلام الجالس وصار المارين قلة نادرة .

في منتصف ليل إحدى ليالي ديسمبر حاصرت الشرطة لمرة رابعة بيت العياشي ، فخرج لهم الشاب بالمسبحة الكهرمان .طلب منهم انتظاره حتى يكمل ارتداء ملابسه وهي مهلة لن تطول . كانت كلمة شرف معتادة . لا بأس من دقائق قليلة قبل أن يتحرك " البوكس " ، وعند النواصي تجمع الناس لمشاهدة ما يحدث فزجرهم العساكر وأبعدوهم بدباشك البنادق .

فاتت ربع ساعة وإذا بصرخة مدوية تنطلق من داخل البيت . فداهمت الشرطة باب المنزل . كان المنظر مرعبا. سحلول ـ الذي لا يعرف أحد من الواقفين من ادخله ـ مذبوح الرقبة ، والدم يغطي صدره أما زوجة العياشي فقد كانت مطعونة في صدرها عدة طعنات . لكنها لم تسلم الروح بعد . فاتن هي التي رأت المنظر فانطلقت صرختها مدوية . الشاب الذي انتهى من انتقامه خرج هذه المرة بسكين حاد يلتمع في الضوء الشحيح لمعات متذبذبة. كان يعدل عمامته البيضاء ويتأكد من عقدتها خلف منتصف رأسه تماما . لم ينطق بكلمة ، وكانت فاتن مذعورة ومصدومة بما ترى .

لما سلم الشاب نفسه لرجال مباحث أمن الدولة أرسلوا لرجال المباحث الجنائية فالقضية تقع في دائرة اختصاصهم وقد انسحبوا هم في هدوء .  اقتاد ضباط المباحث الجنائية الشاب إلى قسم البوليس لأخذ أقواله ، ولما أستدعى العياشي للبيت وجد أم عوض في وجهه . بكت لما رأته وصرخت : لاتصدق الأوغاد. زوجتك أشرف من الشرف.

جاء زوجها الحانوتي بجلبابه الكشمير الواسع ، وكان يعرف تماما ما سيفعله في مثل هذه الأحوال . لقد تابع نقل الجثتين للمشرحة ، ومن هناك بدأ عمله . قبل أن ينصرف همس في أذن العياشي الذي كان يتمخط في منديله بنصف رعب : كل شيء سيسير في مجراه الطبيعي سيرا حسنا.

 

دمياط في 5 /2/2010

 

 

w w w .    A    r    a    b    i    c    S    t    o    r    y    . n e t

جميع الحقوق محفوظة لشبكة القصة العربية 2001-2007