[ أهلاً بالضيف الكريم ] 
للتسجيل
أنت الزائر رقم

إحصائيات الموقع

الدول المشاركة
عدد الكتَّاب
عدد النصوص
عدد الكتب
عدد التعليقات
عدد القراءات
عدد التوقيعات
عدد المشتركين
كتَّاب في الانتظار
نصوص في الانتظار
 
معطف المطر 
التاريخ:  القراءات:(4473) قراءة  التعليقات:(8) تعليقات  إهداء لصديق طباعة التعليقات أضف للمفضلة

  قصة ، من : سمير الفيل  

 


 


معطف المطر


 


بقلم : سمير الفيل


 


* سيئ الحظ .


 


بالقرب من جدار قديم متداع يرمي بظلال باهتة جاءت وقفته. يرتدي على جسده النحيل معطف مطر بلون رمادي . هذا لون لا أحبه ، لأنه يذكرني بسنوات طفولة متشردة . عليّ أن أخرج من الحكاية وأقص عليكم ما جرى بشأن هذا التعيس ، سيّئ الحظ : هاني الطاعون عوضة. فهو الوحيد صاحب الحق في التحرك داخل النص بسمته وسماته . بكلامه وصمته. وبيدي أمر الكتابة دون تحريف أو تبديل . كنت أفضل الكتابة في سبتمبر حيث للحزن جلال لا يوصف ، وشجن لا يحد. قصة أبريل يسودها بهتان عظيم . ولست بالذي يمكنه أن يخرج الرجل من محنته. ليس بيدي مقاليد الأمور . فقط سلة بها ثمانية وعشرون حرفا ، لا أكثر ولا أقل.


 


* عن الجد وتسميته .


 


كان تاجرا للمواشي ، وقد انتمى لقرية " العدلية "، وهي واحدة من أربعة آلاف قرية فقيرة ، تقترب أو تبتعد عن النيل بمقدار. كل الذرية أصابتها أمراض الكوليرا والسل والطاعون والدوسنتاريا . فسموه باسم أنثى لعله يفلت من الموت ، وقد حدث ذلك بالفعل . ذهب للكتاتيب ، وحفظ القرآن الكريم وتعلم القراءة والكتابة وبعض عمليات الحساب. ربى المواشي واستأجر حمارا لتوزيع اللبن على بيوت المدينة . في مرة فتحت له فتاة كشق القمر كانت ابنة خياطة. حدثت القسمة والنصيب . أخذها عنده في قريته ، ونسل منها ذرية عبارة عن بنتين وولد وحيد هو والد سيئ الحظ هذا.


 


* الأب وصناعته .


 


ابن ظريف له وجه مضيء وحظ حسن . سمي بالطاعون درءا للحسد وسيرا على هدي الجد الذي عقد في نهاية اسمه تاء مربوطة أو " فيونكة " بالأفرنجي . يقال أن أمه دعت له بأن يفتح في وجهه أبواب الرزق. كلما دخل في مشروع كسب رزقا كثيرا. تاجر في أجولة الأرز، وصفائح السمن البلدي ، وحزم الثوم ، ولكن مكسبه الأكثر كان من تجارته لأوعية فيها العسل الأسود الغني بعنصر الحديد. كانت المراكب الشراعية تأتي من أقصى الصعيد ثم توضع مرساة خشبية بين المركب المستندة على حافة النهر وبين البر ، تسير الأقدام بحذر ، ويتم نقل الأوعية الفخارية ورصها على الشاطيء ، في فوهة كل منها ليفة قش . هو شاطر في البيع والشراء فكانت حياته عسل في عسل . لذلك تزوج من امرأة جميلة ، لها ضب صغير بديع وأسنانها مفلوجة وفي كفها العدد العظيم 111 فكان ذلك إشارة للحظ الوافر الذي ينتظر الأسرة ، ويعم على الأبناء.


 


* الأعمال بالنيات.


 


الولد اسمه هاني . وقد تعلم في مدرسة أميرية. كان في طفولته يقرأ سندباد وميكي وسوبرمان ، وكان الأستاذ فرغلي يتوسم فيه دلائل النجابة. كلما أبصره مكبا على القراءة هتف في أذنه : " استمر. هكذا بدأ العظماء . في النجوع والكفور" . وقال له عبارات أخرى للرافعي وحافظ ابراهيم ولأحمد بك شوقي المطرود قديما إلى جنة فرنسا . لما كبر لحست عقله كتب ماركس ولينين وتروتسكي . وضع صورة جيفارا على صدره، بلحيته المشعثة وغليونه الفاخر . رسب في كلية الهندسة ففصل بعد استنفاد سنوات التعليم المقررة. راح للجيش فخرج لوجود عيب في القدمين. وهناك من يزعم دفع رشوة مقدارها خمسين ألفا من الجنيهات ، وهو قول يكذبه بخل الأب رغم يساره. كان يريد أن يدخل الابن الجيش ليتم تربيته وإصلاح حاله ، وقد أفلت بأعجوبة فبقى معوجا . أمره بالانتظام في الصلاة فرفض . كان يصلي الفجر فقط لأنه يشعر في هذه الساعة باحتياجه لمناجاة ربه. يفتح الشباك ويشم رائحة الندى والفل الذي يسري في ذرات الهواء . خرج عن طوع الأب ، وسافر إلى القاهرة كي يعثر على حظه . يقول لصديقه المقرب خيري الديك سلامة أنه سمع نداء قادما من جوف الليل أن انفض الكسل واركب قطار القاهرة وسوف تجد على الرصيف من يرشدك لمستقبلك.


 


* على الرصيف.


 


فور نزوله محطة مصر والتي سميت في الأفلام القديمة بباب الحديد تلفت حوله. لم يجد أحدا في انتظاره. لكنه في زحمة الأقدام المثيرة للعفار التقط محفظة بترتر أسود رآها تسقط من يد حسناء كشفت نصف ظهرها للشمس ؛ فتتبعها حتى همت بركوب سيارة مرسيدس زرقاء  فاندفع نحوها ، وهو يصيح بها : المحفظة ياهانم .


فتحتها وعدت ما بها فلما وجدت مالها لم ينقص مليما ابتسمت في وجهه . قالت له : إركب . فركب . ليس بجوار السائق كما تقتضي الأصول بل إلى جوارها وإن حرص على ترك مسافة مناسبة تأدبا . في قصرها المحاط بحديقة واسعة أمرت الطاهي بإعداد مائدة تكفي اثنين . جلست معه تسأله عن ظروف حياته. طالب الهندسة الراسب كان صادقا معها . حكى لها عن منامه . سألته أن يشتغل معها وستختبره شهرا واحدا فإن وثقت من فهمه ولماحيته صرفت له راتبا يعادل راتب موظف على الدرجة الثانية . شك أنها تريد استثمار رجولته . في أكثر من موقف أدرك أن تفكيره قد غرر به فقد حرصت على وجود مسافة تزيد بكثير عن المسافة التي تركها بينه وبينها في السيارة المرسيدس الزرقاء.


 


* في ستين داهية.


 


هي ممثلة ، وهو حاميها. لا يتركها بل يمضي خلفها بمقدار متر ، يبعد عنها المعجب اللحوح والعجوز المتصابي ، والشاب المراهق . زيادة في الاحتياط منحته ساعة من فضة خالصة لتوقيت الحفلات . فترة الاستراحة تعلم عمل " المكياج " فكان يضع الأصباغ ويمرر فرشاة ملساء على الخدود والجبين والرقبة ، يضع أحمر الشفاه بمقدار للرجال والنساء ، تعلم كيف يصبغ الشعر ويضع اللحية . تنفس رائحة تكاد تسحره وهو واقف بين الكواليس والبناطيل السوداء المدلاة من سقف عال . تمنحه راتبه و فوق ذلك إجازة يوم في الأسبوع . مرة عاد في منتصف النهار من إجازته الإجبارية . حدث ذلك لما أحس بالملل فقال لنفسه: سأطرق الباب لأحدثها عن ضيقي وخنقة تلم بي . لما طرق الباب فتح له نجم سينمائي مشهور . سأله : من أنت ؟ أرتج عليه القول : أنا هاني الطاعون عوضة.


شك الرجل في سلامة قواه العقلية . سارع بإغلاق الباب قائلا للممثلة : الطاعون ينتظرك. فبهتت واتجهت للباب كي تستفسر عن حقيقة الأمر . وجدته مسمرا وفمه مفتوح من الذهول. كلمة منها وكلمة منه . طردته ورفضت منحه بقية أجره. حطم مزهرية بأشكال ومنمنمات فارسية في ركن الصالة ومضى لاعنا النساء الحسناوات


 


* التنظيم.


 


أرسل والده الذي كان يتتبع أخباره صديقه خيري ليعود به . اقترح عليه مشاركته في تجارته لكنه صمم على البقاء في العاصمة . سأل عن شقيقته منى التي كانت في كلية الطب وعرف باستمرار تفوقها . سأل عن منال التي دخلت كلية الصيدلة بفارق درجتين متقدمة عن زميلات لها بعد قبول مكتب التنسيق لها . أسقط في يده فهو الفاشل الوحيد في الأسرة. رد على رسالة الأب الشفاهية بأنه لن يعود للقرية إلا بعد أن يثبت للجميع تفوقه ؛ فليس بالتعليم وحده تتقدم الأمم . خلال فترة عمله مع الممثلة شرب الصنعة فذهب لاستديوهات الهرم ، وعمل بقسم المكياج ، وأبلى بلاء حسنا حتى ارتفع أجره ، وكان في الوقت الذي يجده فراغا يذهب لأحد التنظيمات الشيوعية فيحلل وينقد وضع الجبهة الداخلية ، ويعترض على السياسة الدولية . كان حذرا وماكرا فقد رفض توزيع المنشورات ، وتخلى بعد ذلك عن تطلعاته السياسية بعد أن ألقى جمال عبدالناصر القبض على التنظيم الذي ينتمي إليه ، وسفروا أفراده للواحات . لحسن حظه لم يذكر اسمه في التحقيقات. من يومها كف عن ارتداء قميص جيفارا واستبدله بقميص أبيض بياقة ، بلا رسومات.


 


* الوقوع في غرام عنايات.


 


في البلاتوه تعرف على ممثلة ناشئة اسمها عنايات الوصيف حمدي ، وهي التي اتخذت اسما فنيا هو كهرمان صبري . مثلت فيلمين ففشلا ، تدهور بها الأمر فعبت كئوس الخمر حتى تعيد الاتزان لنفسها . في هذه المرحلة اقترب الشاب منها ، وأبدى استحسانا لجمالها وموهبتها التمثيلية خاصة في دور خرساء ، وبادلته حبا بحب. اتفق معها على الزواج . ألمح لها أن والده لن يمانع ففي الزواج استقرار وصلاح حال. شيئا فشيئا كفت عن الشراب ، وتوقف هو كذلك عن التدخين . كانت جميلة ولها عنق ساحر وأصابع مسحوبة وعلى أظافرها طلاء مفضض . لقد عاهدته على الإخلاص وعاهدها على الوفاء . أخذها وعاد بلا موعد للقرية التي دهشت لوجود امرأة مكشوفة الرأس والذراعين . لم يخف الأب امتعاضه وزغردت الأم لعودة ابنها لكنها سلمت على عنايات بفتور. الشقيقتان كانتا في إجازة الجمعة من الكلية . سألت الكبرى عن عملها. قالت بكل بساطة : فنانة. سألت الصغرى شقيقها عن عمله . قال بتردد : فنان. سيطر الامتعاض على ملامحهما. فاتح الشاب والده في فكرة الزواج. اشترط عليه أن يطرد هذه الماجنة، وأن يعود للعمل معه ، عندها سيكتب له نصف ما يملك بيعا وشراء . على أن تكون زوحته من بنات العائلات ، تختار له أمه بنت ناس مثل ابنة صاحب وابور الطحين أو العمدة أو شيخ البلد أو حفيدة المتولي العجمي الباشكاتب بالصحة . قبل أن يكمل الأب كلامه مد هاني يده وأخذ يد فتاته ، وتوجها لمحطة القطار وأمه في المطبخ تنتف ريش البطة المرجان .


 


* بالرفاء والبنين.


 


لم يكن هناك مفر من إتمام الزواج بأي شكل. وافقت أمها على العريس والأب الذي كان يقضي عقوبة السجن في قضية مخدرات بارك الزيجة من وراء الأسوار. في حجرة فوق السطوح كانت الدخلة . أشعرته بأنه ملكها المتوج وقام بالانفاق على البيت في حدود الإمكان . لم ينجبا ، وأجلا المشروع لوقت تتحسن فيه الأمور. خرجت مرة لمشاهدة عرض سينمائي في سينما صيفي مكشوفة فقلبها لم يغادر حب التمثيل بعد ، وفي شارع عبدالخالق ثروت قابلت المخرج القديم فوعدها بفيلم ثالث سيعوض خسارة الفيلمين السابقين . أكد لها أن الرواية التي ستمثلها ستكسر الدنيا . طلبت مهلة وسوف توافق حتما. انتظرت زوجها في العودة وقبل أن يخلع ثيابه داهمته بالخبر السعيد فكشر في وجهها ، وألقى عليها يمين الطلاق إن فكرت في العودة للسينما. خاطرت بالذهاب لقراءة السيناريو ولما علم أرسل لها ورقة الطلاق . وقرر بينه وبين نفسه أن يغير مهنته.


 


* ظل أميرة.


 


هو جالس ساقا إلى ساق ووصيفة القصر معه. عرف بطريقة غير مؤكدة بوجود وظيفة سائس خيول. سيقتصر عمله على تجهيز الجياد والإشراف على مأكلها ومشربها والعناية بها وسيزوره طبيب بيطري مرة كل أسبوع ليفحصها . نزلت ابنة الأميرة ـ هي في الحقيقة من نسل أسرة ملكية تم اقتلاعها في ثورة يوليو المظفرة 1952ـ وطلبت من السائس الجديد حصانا بعينه. جهزه بسرعة وانتظرت أن يحملها من وسطها وبرفعها فوق صهوته. لما تأخر أشارت له أن يفعل . كان وسطها كالملبن وعطرها يدوخ الرأس . أخذت جولة ولما عادت وجدته يقرأ في " رأس المال" فضحكت وقالت له بنصف سخرية : هذا عصر زال. قال باحتجاج صريح : وعصر الأميرات انتهى .


 انتظرته فلم يحملها ، ويتزل بها على الأرض برفق . أشارت له فحملها ، وجدها بخفة الريشة ، هوى بها على الأرض دون قصد . ماحدث أن توازنه اختل  أو أنه صراع الطبقات في شكل جديد وقد ظهر على سطح الحياة.


قامت تنفض ثيابها ولم تنكشف فهي ترتدي بنطلون أسود ، وحذاء برقبة . رغم ألمها أدركت أنه حديث عهد بالمهنة. تمشت معه بين الأشجار ، وسألته عن دراسته فأخبرها أنه راسب كلية هندسة. أخبرته أنها هي الأخرى راسبة كلية التجارة . يبدو أن الراسبين للراسبات . سألته أن يطلب منها ما يحتاج إليه من نقود. قال لها إنه بحاجة لإنسانة تفهمه ، فقيرة لتحتمل ظروفه الصعبة . نزعت وردة وألقت بها في الطرقة المعشوشبة. لم تنظر ناحيته وهي تصعد سلم القصر.


 


* صراع ثنائي .


 


ترددت البنت وهي تخبر أمها برغبتها في الاقتران بهذا الشاب. قالت الأم ، وهي تحرك مروحتها : لعلها نزوة . أصرت البنت على طلبها: أريده في الحلال . غضبت الأم ـ وكان بها بقايا كبرياء ملكي آفل ـ قالت لها معترضة : ماهو إلا فلاح .


أصرت سوسن على رأيها . نزلت إليه ، سألته : هل تعرف كيف توضع الحنة على أطراف الأصابع ؟  هز رأسه : بالطبع.


بعد ساعة واحدة جاء بالحنة والمنقاش وراح يزخرف يدها . كان في حقيبتها " منديل بترتر أحمر" . وضعته فوق رأسها وأوشكت أن تذهب معه إلى المأذون. علمت أمها فصفعتها ، وأغلقت الباب وراءها احتجاجا .


ذهب يسأل عن مندرة يستأجرها في حي السيدة زينب ، وهناك عثر على واحدة بسرير ودولاب بمرآة طولها 150 سم . في السقف لم تلاحظ العنكبوت المعلق بخيوط ترابية ولم يلاحظ الشرخ في الجدار . لم يعدم الأمر من وجود ورود وشهود ومأذون يضع فوق أيديهما منديلاً  أبيض . كانت وكيلة نفسها فقد تجاوزت السن القانونية 21 عاما . عذراء وكان فرحا مرتبكا بالدخول .


في الصباح وقبل دخول الشمس من النافذة المتهالكة ، جاءت الأم برجال الشرطة بعد إبلاغها إياهم اختفاء علبة مجوهرات ثمينة . اقتادوه إلى قسم البوليس ، وعلقوه من قدميه في حبل متدل من سقف غرفة المباحث . تم التنازل عن المحضر بعد ضغوط مرعبة مارسها مأمور القسم . كان الثمن هو تطليقها . هز رأسه ، وهو يراها تمضي في أثر أمها منكسة الرأس ، وهي تحك المنطقة الواقعة بين فخذيها .


 


* لا نساء.


 


شارع مغطى بحجارة البازلت السوداء ، وأتربة في الأركان . وهو يضع رأسه بين يديه. رأى أن كل ما حدث له نتيجة عصيان أبيه. فكر أن يركب القطار ، ويعود للقرية نادما . انتظر أن تأتي سوسن كي تعتذر عما حدث من أمها ، بعدها سيستأذنها في الانصراف بكل كبرياء . لم تأت رغم انتظاره أسبوعا كاملا . تذكر أنه قد طلقها ، وسيكون من الصعب عودة المياه إلى مجاريها . راح للقصر وظل يدور حوله . وجد النوافذ مظلمة فعرف أنهم قد سافروا . كان بالداخل كلاب تعوي وظلام يحاصره وحزن كثيف يعتصره . قال له الأب وهو يأتي إليه بنفسه: الفرصة ما زالت أمامك. من سيرث ثروتي غيرك؟


حن قلب الابن وكاد يقوم من مقعده ليقبل رأس أبيه . في تلك اللحظة نطق الاب بكلمتين ، وكأنه ينهي أمرا مفروغا منه : قم معي ولا تلتفت لماضيك. المحل والمخازن في انتظارك. لا تضع الوقت.


تأمل ساعته . زمنه الذي يسكنه القلق . وجد الدقائق تسعى كالثعابين , أدرك أن الثواني تدق في رأسه مع مرور العقرب في ميناء الساعة التي في يده . معدته مليئة بالشاي الحامض ورأسه تغلي . صرخ بصوت لم يعرف كيف تعالى بهذه القوة: اترك لي حياتي . اتركها لي يا أبي .


سطح المباني المجاورة والنوافذ أطل منها وجوه نسوة. قام الأب يسوي ملابسه . لم يترك له مليما واحدا رغم أنه جاء بظرف فيه ألفان من الجنيهات. البنات أحق منك بكل مليم. كلمته سرت في هدوء ، وهو يغادر المندرة.


 


*العقدة في المنشار .


 


هو يفكر في حل بعد توالي الكوارث عليه. ولا نريد وضع العقدة في المنشار لأننا لا نريد إرباك أحد. يضع يديه فوق رأسه ، ويحرك جذعه. يميل لليسار ثم اليمين . يعود مرة ثانية للتدخين فيكتشف ارتفاع ثمن علبة السجائر أكثر من الضعف. إن أحدا في هذه العاصمة الواسعة لا يعرفه. عندما تكون الأمور بمثل هذا التعقيد ينبغي مراجعة رحلته منذ غادر " العدلية" . سيقف يراقب الزوارق التي تتبختر على صفحة النيل . سيستند لشجرة كافور عتيقة لن تذكره بقريته فهناك الأشجار في كل ناحية ، متساندة ، متآزرة ، وفي مكانها الطبيعي .


من فوقه سماء زرقاء صافية. النور يسطع حوله وداخله يعتم شيئا فشيئا. كأنه قد كتب عليه الذل والمسكنة. تذكر جملة قالها مدرسه في الابتدائي . " طالما أنت بقلب سليم وجسدك بلا نقص فلا خوف عليك " . لم ينتبه الأستاذ فرغلي لجرح الروح . لن تتساقط دماء فالألم أقسى من كل شيء مادي .


أتكون المادية الجدلية التي اعتنقها في شبابه هي التي أودت به ، ودفعته لهذا المصير. كهرمانة التي كانت تومض في الظلم هجرته ، وسوسن طلقها غصبا . هل لأبيه دخل فيما حدث ؟ لا صحة لهذا الاعتقاد . الطيور التي تزقزق بخفوت فوق رأسه لا تبهجه. ورائحة الفل صارت بعيدة بعدا بينا. من وضع العقدة في المنشار؟


وضع الشيخ ذو العمامة يده على كتفه ، وقال له : تعال معي . أيكون هذا هو النداء الغامض الذي انتظره في محطة السكة الحديد ؟ وماحدث لحظة هبوطه القديمة كان ترديدا فاسدا للرؤية الناصعة. مضى وراء الشيخ ، وكان يلتفت وراءه يبحث عن شيء لا يعرفه.


 


* هدية السماء .


 


من أجل أن يشاهد النور الذي يشع من وجهه عليه أن ينصت إليه بقلبه . ينبغي أن يكف عن قلقه ، ويضع مصيره في يد من يعرف الله . هو جالس في غرفة فقيرة في أحد الأحياء العشوائية. رجل باللحية الكثيفة والنظرة المطمئنة يشمله برعايته. قليل الكلام معه ولا ينسى كل صباح أن يضع على حافة شباكه كوب لبن وثلاث تمرات.


في اليوم السابع وجد في الطبق سبع تمرات . شعر شعورا غامضا أنه يوم مصيري في حياته : لقد راقبتك طيلة الأيام الفائتة. أنت تقوم الليل أو نصفه أو ثلثه دون أن يراك احد سوى الخالق . لماذا لا تؤدي الفروض الخمسة.؟


هو نفسه لم يجد تفسيرا . أحكم الشيخ العمامة البيضاء وانتظر إجابة : هل لك عمل؟


رد بتشكك : كنت أعمل ، والآن كما ترى!


عاود السؤال بتؤدة: هل اتخذت لك زوجة؟


تأمل الكلام الذي بدا له غريبا : تزوجت مرتين وفشلت.


دقق الشيخ في ملامحه : أتشرب الحشيش ؟


ضحك لأول مرة منذ جاء معه : ولا لي في الخمر .


ذلك سره الخاص فكيف باح به . هل تفوه بتلك الكلمات لقاء تمرات معدودات : سأنصرف حتى لا أثقل عليك.


حرك الشيخ حبات المسبحة ، وامتدت يدان بصينية عليها كوبان من الشاي . يدان بضتان وحول المعصم أسورة من ذهب لماع : تفضل الشاي.


رشف رشفة فأحس بطعم القرنفل واستعذب الشاي ودرجة احمراره لكنه لم يعرف هل من جاء بالصينية هي زوجته أم ابنته.


رجه رجا بحديثه : أعرف فيما تفكر.


شعاع نظره يقوده لقراءة ما بداخله : هي ابنتي ولو أردت لزوجتها لك . لي عندك شرط واحد.


حرك يديه قلقا : ما هو الشرط يا شيخ؟


لو استحالت بينكما العشرة يوما فسرحها بإحسان ، وأعطها نفقتها.


تأكد له أنها معيبة بعيب خلقي أو دميمة أو أرملة : لا أعرف عنها شيئا ؟


ابتسم الشيخ ، وهو يتأمل الأشجار تذوب في ليل ساج : يكفي أن تعرفني . صفاء تخدمني بعد موت أمها. وقد اخترتك لها ، وأعرف أنك لن تخذلني.


أخذ الشاب ، ورجع بظهره للوراء وراح يمعن في الكلام. هو إنسان لا يحب المصادفات . هل هي بطيخة عليه أن يشتريها ثم يضع مصيره للحظ ؟ تبا لها من لعبة. تململ في مقعده فعلا صوت الشيخ : عند الصباح ستجد الطبق في مكانه ، وكوب اللبن. إذا شربته وأكلت التمرات فهذا معناه الموافقة.


تنحنح وهو يفكر بسرعة : وإذا رفضت العرض؟


قام الشيخ من مقعده بعد أن أنهى كوب الشاي ، وحمل الصينية معه : ستترك الغرفة وتسعى في طلب رزقك.


ود أن يكون أبوه معه أو أمه ليستشيرهما . لماذا يشعر هذه المرة بضعف شديد داخله ؟ لم يكن مترددا في كل قرارارته السابقة . فكيف انتابه الخور ؟  في الصباح شرب كوب اللبن وأكل التمرات ووضع النوى في الطبق .


في المساء عقد قرانه وحين كشف الملاءة الرقيقة البيضاء عن وجه صفاء تبدد قلقه. كانت أجمل من أن توصف حتى أنه عض يده بعد أن شك في أنه يعيش في حلم.


 


* سبح كهرمان وطواقي شبيكة :


 


كوب الشاي في يده . كم هو رائع أن يبحث عن مهنة تناسب توجهه الجديد. تجلس إلى جواره بعد أن تعد وجبة الإفطار : فول مدمس وجبنة بيضاء وقليل من السريس والبقدونس . يقبل على التهام فطوره بنهم ثم يركب دراجته التي اشتراها بالتقسيط ، وأمامه صندوق العطور والسبح الكهرمان والطواقي الشبيكة البيضاء وأعواد السواك .


انتظم في أداء الصلاة في أوقاتها ، ولم يقبل على النوافل حتى يمكنه ترتيب بضاعته ، وبيعها للمصليين . في البداية طارده رجل الشرطة حتى قبض المعلوم ، وتساهل معه رجال البلدية بعد حصولهم على سبح للاستغفار عن ذنوبهم .


لم يعد الشيخ يزوره ولكنه يرسل لابنته في كل موسم ما هو مطلوب وأكثر. إن الحياة جميلة وهو يضع يده على بطنها التي كبرت وحملت فيها طفله. أصبح العلم قادرا على معرفة ما في الأرحام بجهاز ترى الأم من خلاله حركة الجنين, اتفقوا على تسميتها طاهرة ، ولم يقلق على الإطلاق لدخول الزوجة في سلسلة من الأمراض التي عزاها لمتاعب الحمل.


ربما كانت الحياة لا تحتمل كل هذا الفرح ففكر في أن يشرك معه والده وأمه لكنه تراجع فقد أحس بأنه كان من المنطقي أن يخبرهما بزواجه في بداية الأمر.


لما وضعت زوجته الأنثى مدت الطبيبة يدها بالطفل بعد أن قطعت الحبل السري ، وضربته على مقعدته فوأوأ . هو يجلس في مواجهة فراشها وهي تحتضن الرضيع وتلقمه ثديها.


تناول الكباب الشهي ولم يكن في استطاعتها أن تأكل سوى بعض الملاعق من حساء الخضر.


في ليلة لم يعمل حسابها داهم البيت رجال المباحث بدعوى البحث على منشورات لجماعة الجهاد. لم يقربوا الأم ولا رضيعها . عثروا على تلك المنشورات بالفعل في صندوق مهمل بالمطبخ.


همهم وهو مستغرب : لقد طلقت السياسة بالثلاثة. ولو أردتم تصنيفي فأنا يساري قديم.


ضحك الضابط الذي اقتاده للمعتقل: تحرياتنا تفيد أنك غيرت نشاطك .


لم يفلح كلامه معهم . خلع ثيابه المدنية، ونظرة واحدة للحيته الطويلة كانت تجزم بأنه ينتمي فعلا للتنظيم.


لم تنفعه حيطته ولا حذره ولا هجره تولستوي ومكسيم جوركي ومانفيستو الحركة الشيوعية. في لحظة مأساوية حملت الرياح الخفيفة رائحة برتقال محروق. عصارة نيئة تلتهمها النار. لم يكن مسموحا له بالزيارة واكتشف أن المسجد كان بؤرة لتجمع التنظيم دون علمه. لم يراجع الشيخ في الطريقة التي وصلت بها المنشورات للمطبخ . كان قلبه يدق بعنف كلما تذكر الطاهرة في قماطها الأبيض وأمها الجميلة العفيفة. هل باعه الشيخ ليفلت من جريمته ؟ هل كانت تعرف شيئا وتخفي عنه ذلك؟


بعد تحقيقات واسعة أفرج عته ، ولما عاد مهدما فوجيء باختفاء الشيخ فقد حل محله في المعتقل. قابلته الزوجة بشرود وقلب كسير. وأوأت الطفلة ورفست برجليها الهواء . أدركه التعب فنام والوسادة شوك يوخزه . لم يقربها ولم تقربه. لقد ظل السؤال لحوحا : من دخل البيت في غيبته ووضع المنشورات ؟ من وشي بالشيخ ؟


بعد شهر من خروج هاني من المعتقل ، وصلهم خبر موت الشيخ بعد تعذيب قاس . لم يحزن بل ازدادت حيرته. عاد لذكريات خالها بعيدة . كوب اللبن والتمرات المسكرة التي صارت الآن بطعم العلقم.


جاءت التعليمات بدفن الشيخ في جوف الليل وبلا جنازة. شارك في تشييعه لمثواه الأخير، وعقله يزداد ضجيجا والشحوب يملأ وجهه .


ارتدى معطف المطر ، وركب القطار عائدا للقرية. لم يفتج أبوه ذراعيه لاحتضانه، ولم تزغرد أمه ، والفتاتان سلمتا عليه بتحفظ شديد. كان يشبه مجرماً قد أفلت للتو من حبل المشنقة .


 


* عودة في الاتجاه المعاكس:


 


حلق لحيته وذهب لمقهى على أطراف القرية يسأل عن صديقه القديم الذي تذكره في بارقة ضوء . خيري الديك سلامة الذي كان مستودع أسراره. جاء يجري مصطحبا أولاده الثلاثة. كأنه يحتمي به من شروره التي توقعها . سأله في مكر: متى خرجت من المعتقل؟


دارت رأسه : منذ أيام قليلة.


انسحبت أضواء الكلوبات فاختفت الوجوه في الظلمة : هل كنت على ذمة قضية تكفير وهجرة؟


تحسس كلامه : قضية جهاد . ويعلم الله أنني بريء منها.


مد الجرسون يده بصينية الشاي ، وابتعد ، فيما أجلس خيري الصغار على حافة سور من الطوب اللبن: سيعدلها ربك؟


كان يحاول أن يبتسم لكن الابتسامة خذلته : لايبدو ذلك. سأعود للقاهرة.


شجعه على فكرته: بالطبع هذا أفضل . لابنتك وزوجتك ؟!


هز رأسه نفيا: بعد أن خدعني الشيخ سأجرب من جديد. وحين أصيب بعض الثروة سأرسل لها نفقتها ونفقة الطفلة.


هب واقفا ، وهو ينفض معطفه من غبار الطريق. مد خيري يده لتوديعه غير أن صديقه اليائس تماما أهملها ، ومضى باتجاه محطة القطار. كان الرصيف باردا. لا أحد استقبله ولا أحد ودعه. الأضواء الخافتة تشاركه الإحساس بعبثية الحياة . معطف المطر وحده كان رفيقه في رحلة العودة الإجبارية. أحكم ربط الحزام حول وسطه فضغط على معدته الخاوية . تأكد له أن لعبة الورق التي كان يجيدها قد حولته خاسرا هذه المرة. لم يلتفت لعبارات الأستاذ فرغلي البلهاء . أغشى الضوء عينيه عندما وصل القطار. فرمل في قوة فاصطك الحديد بالحديد . صعد وقد اجتاز عتبة التردد. لم يكن لديه ما يخسره!


 


 


 


دمياط


مساء الأحد 11/4/2010


 

w w w .    A    r    a    b    i    c    S    t    o    r    y    . n e t

جميع الحقوق محفوظة لشبكة القصة العربية 2001-2007