[ أهلاً بالضيف الكريم ] 
للتسجيل
أنت الزائر رقم

إحصائيات الموقع

الدول المشاركة
عدد الكتَّاب
عدد النصوص
عدد الكتب
عدد التعليقات
عدد القراءات
عدد التوقيعات
عدد المشتركين
كتَّاب في الانتظار
نصوص في الانتظار
 
مؤخرة 
التاريخ:  القراءات:(15153) قراءة  التعليقات:(13) تعليقاً  إهداء لصديق طباعة التعليقات أضف للمفضلة

  قصة ، من : ناصر الحسن  
نزعتُ مشلح الزفاف ووضعته على الشماعة، تجردت من ملابسي قطعة قطعة،

في حين جلست هي على حافة السرير وهي تنظر إليّ من طرف خفي ، والحياء والحمرة تملأن " غمّازتيها " البيضاويين. فتحت خزانة الملابس وأخرجت لها عصاً غليظة واستدرت نحوها.

* * *

بينما كنت جالساً على مصطبة باب الدار منخرطاً في نشيج متقطع ، امتشق حزني والمرارة، عبرني ابن الجيران بدراجته الهوائية. كان أكبر مني بضع سنوات ، وكان معروفاً في الحي بعبثيته ومشاكساته. يضج قلب القرية كل يوم بمشكلاته التي لا تنتهي. كان يتخذ من خاصرة القرية مأوى لممارسة طقوسه الخاصة ، ومركزاً لانطلاقه حين تنتهي مئونته وذخيرته من عشّه الصفيحي في أحد المزارع المهجورة، والذي يحرسه كلب شرطة شرس قام بتدريبه منذ الصغر، فلا يجرؤ أحدٌ على اعتراضه أو الاقتراب منه. سألني ما بك؟ كفكفت دموعي وأجبته:

ـ معلم الفصل ضربني وأخجلني أمام الطلاب.

ـ لماذا ضربك؟

ـ يزعم أني لم أحفظ الدرس !

ـ وكيف ذلك ؟

ـ أوقفني في مقدمة الفصل وأمرني أن أقرأ ما أمرنا بحفظه بالأمس أمام الطلاب. كنت أحفظ الدرس جيداً في المنزل، لكن وقوفي أمام الطلاب كان يسبب لي خجلاً مفرطاً، فأحس بالكلمات تتزاحم وتتدلي من سقف بلعومي ، ولا تريد أن تتدحرج من شدقّي، فظن أني لم أحفظ الدرس جيداً، فأمسكني من يديّ وأدارهما إلى الخلف، وأنزل صدري على طاولته وأخذ خيزرانة طويلة، وأخذ يضربني على مؤخرتي أمام الطلبة. لم أستطع أن أنظر إليهم وهم يتضاحكون عليّ بسخرية لاذعة، سكبت طرفي ودموعي على الأرض، ولعنته ولعنتهم في قرارة نفسي.

ـ خلاص انسَ أمره.

ـ لا أستطيع أن أنساه وقد كان يلتذ بضربي ، والطلبة يسخرون عليّ كلما رأوني. لم تعد لي رغبة في العودة إلى المدرسة.قلتها بهياج حاد، وعيناي تغرقان في بركٍ من الدموع ، ومخاطي يسيل على فمي ، فأمسحه بكُمّي. أخذ يربّت على كتفي ويستلطفني ، أحسست بنوعٍ من الارتياح تجاهه ، رغم تحذير والدتي لي بعدم مصاحبته.

ـ هل ترغب في الذهاب إلى البقالة ؟ لدي ريال! سألني بودٍ وهو يبتسم.

فلبّيت طلبه على الفور. أردفني خلفه على الدراجة، أخذ يغني بصوت نشاز لم أفهم من كلماته ماذا يقول! إلا أن طريقته في الغناء كانت مضحكة فنسيت معه كل شيء، حتى الشوارع الترابية كانت تبعث برذاذ الغبار من خلفنا وكأنها تشاركه الغناء.

وقفنا أمام البقالة الوحيدة في القرية، وكانت درفتاها الخشبيتان مشرعتين ، ومربوطتين بحبال عتيقة ، كتب عليهما (ممنوع الدّيَن). صاحبها رجل عجوز، إلا أنه عُرف بشراسته في التعامل مع الزبائن وخصوصاً الصغار. أمرني أن أمسك الدراجة جيداً ووعدني بأن يشتري لي زجاجة بيبسي بنصف ريال، وكيس روبيان بالنصف الآخر. كانت الفرحة تملؤني ؛ لأني حصلت على صديق لديه دراجة وأموال.

بينما كنت أنتظره سمعت صوت زعيق في الداخل.

ـ انتظر يا ابن الحرامية! خرج صديقي مسرعاً وفي يديه كيس ممتلئ بالغنائم والحلويات.

ـ هيا هيا أسرع أسرع. قام برفع ثوبه وعضّ عليه بنواجذه، نزع من يدي الدراجة وأخذ يركض بها ، وبخفة ظبي قفز فوقها ! لم أفهم ما الذي يجري إلا أن المشهد كان مهيبا بالنسبة إلي ، خصوصاً حين رأيت ذلك العجوز ينتعل غضبه ، والشرر يقدح من عينيه ، وفي يديه عصا مكنسة خشبية، لحقت بصديقي وقفزت خلفه. كان على مقربة مني وكاد يمسك بي ، خصوصاً أني لم أرفع ثوبي ولم أستعد للهرب، فركبت ونصفي خارج المقعد، ولكن صديقي زاد في سرعته، فلمّا أحس بأنه فقد لياقته وكأننا سمكتان فرتا من يد صياد ، رفع عصاه وأخذ يضربني على مؤخرتي، وأنا أستنجد بصديقي بأن يزيد سرعته . هربنا منه بصعوبة بالغة حتى إذا وصلنا عشّه الصفيحي أخذنا نستريح ونأكل ، ونشرب ، ونحن نستعيد تفاصيل المشهد ونضحك بسخرية على بعضنا بعضاً.

* * *

حين عدت إلى المنزل كانت الفرحة تسبقني ، كنت أود أن أشكو ما فعله بي المعلم لوالدتي، كنت أود أن أبث لها همومي وحزني من الطلبة. استقبلتني بوجه عابس ، سلمتُ عليها فلم تجبني . تشاغلت عني بغسل الأواني، ابتلعت رغبتي في الكلام و دلفت إلى غرفتي ؛ كي أستريح من ثقل هذا اليوم الحافل بالمغامرات.

دخلت عليّ والدتي وأنا مستلقٍ على فراشي أطوف ببصري سقف الغرفة، أستجمع التفاصيل الجميلة مع صديقي الجديد. قطعت عليّ حبائل الفرح ، وهي تمسك " بعسو"* نخل يابس، قلبَتني على بطني وأنزلت سروالي ، وأخذت توبّخني بصمت حتى أحمرّت أردافي. ألا يكفي ضرب المعلم والعجوز لي على مؤخرتي ؟ لا أدري لماذا العالم اليوم كلّه يطمع في مؤخرتي. ؟!

* * *

كانت جالسة بثيابها البيضاء يكسوها الخجل، والورد تناثر حولها كهدية قُدمت لطفل في يوم ميلاده لم يصبر على فتحها واكتشاف كنوزها الجمّة. استدرت نحوها وأنا ممسك بالعصا، تبدلّ محياها من الحمرة إلى الصفرة، اقتربت منها بلهفة شيطانٍ

تجرد من كل شيء إلا من عصا طويلة، استلقيت جانبها على بطني وأعطيتها العصا وقلت اضربيني.



.....

· العسو: جاء في لسان العرب هو عذق النخيل؛ يستخدم بعد أن ييبس لكنس الأرض وغيره.
.

w w w .    A    r    a    b    i    c    S    t    o    r    y    . n e t

جميع الحقوق محفوظة لشبكة القصة العربية 2001-2007