[ أهلاً بالضيف الكريم ] 
للتسجيل
أنت الزائر رقم

إحصائيات الموقع

الدول المشاركة
عدد الكتَّاب
عدد النصوص
عدد الكتب
عدد التعليقات
عدد القراءات
عدد التوقيعات
عدد المشتركين
كتَّاب في الانتظار
نصوص في الانتظار
 
زجاجة عطر الموتى 
التاريخ:  القراءات:(1104) قراءة  التعليقات:(2) تعليقان  إهداء لصديق طباعة التعليقات أضف للمفضلة

  قصة ، من : حسين المناصرة  
زحف على الشارع حتى تمزقت ثيابه البالية.لعبة جديدة قرر أن يمارسها منذ اللحظة التي أصبح فيها أضحوكة يتسلى بها الآخرون،إنهم لم يعودوا يجدون فرصة لهزلهم بعيدا عن جثته التي تنزاح بطريقة مضحكة في تكنيسها للشارع ،تشق مسربا تعود الناس أن يروه في طرق الحمير على الأماكن الوعرة .. هكذا وجد نفسه قبل عامين مرميا على قارعة الطريق بعيدا عن المدينة المتناهية في الفراغ ومجموعة كبيرة من الأصفار .. كأن حاله غير طبيعية عندما أفاق من قيلولة، أو إغماءة ، أو تخدير ، أو ضربة عنيفة على رأسه..نظر حوله كانت الحماطات عارية من أوراقها .. تنفخ المغر أجوافها المخيفة .. السكون التام يفكك أجزاء الخلاء إلى أشلاء الرعب .. مد بصره يتفحص انحدار المسافات .. التصقت بصدره كماشات الوهن.. كأنه لم يعد يعرف ما الحالة التي وصل إليها . متعبا ، منهكا … يتقيأ أمعاءه كلها . انعجنت ثيابه بالعرق الحار،رغم برودة الهواء..ربما بكى بما يكفي لنزف عروقه الحمراء من مسارب الدمع المتدفق على الصدر الخافق كمروحة كهربائية عتيقة..الحالة ميئوس منها.. حالته أم حالة الرجل الذي جاء يساعده قبل أن يحدث له ما حدث!!ضرب جبينه بيده المرتعشة..أين ذلك الرجل ؟! أين تلك الفتاة الجميلة؟!أمنية العاشق؟!ربما كانت حبيبته الهاربة..تدافعوا وراءها… هجموا على جسدها الضئيل.. كانت أمها بائسة لم تستطع الهرب!!ما الذي يحدث له؟!ضرب جبينه بيده المرتعشة!!فرك عينيه!!حلق في المسافات بحثا عن بقايا البشر الهاجمين على المخلوق الضئيل!! الفراغ يقرع طبول الصمت في آنية الريح وبقايا الروائح المنبعثة من ثنايا الأشياء الرطبة..حاول أن يرتفع على قدميه..عجز عن تحريك اليسرى..التفت إلى بقايا ثيابه المدعوكة بالتراب!!ذاكرته وحيدة تتحرك في الاتجاهات كلها !! كان صغيرا ، تلهى كثيرا بزجاجات عطر الموتى ..الناس تجمعون من كل الأرجاء ، يتناثرون كحبات الرمل ، يجلسون في كل النواحي ، ينتظرون نهاية تجهيز الجنازة .. وهو ينتظر متى يفرغون من سكب الزجاجات على الميت ، يلقونها على الأرض ، يندس باحثا عنها بعد أن يرحلوا.. هواية غريبة كانت تسكنه !!هناك في البيت القديم لا تتسرب نملة من بين أقدام الرجال الذين أحاطوا بالميت يغسلونه..تتدافع الأرجل خارجة بوهج الجنازة المحلاة بالرياحين والروائح الزكية"إنا لله وإنا إليه راجعون " .. كنملة خائفة ينظر إلى الوجوه التي ترفع الجنازة على الأكتف، يشفق على زجاجات عطر الموتى من الأرجل الثقيلة ..فتح أحدهم زجاجة عطر صغيرة .. رشها على الكفن ..ألقاها على الأرض تحت رحمة الأرجل المشدودة خوفا من تمايل النعش أو سقوطه .. جازف بنفسه.. غاص إليها.. أمسكها .. دحرته الأرجل هنا وهناك .. خرج بالزجاجة من غير غطاء !! رائحتها زكية .. رغم أحزان الموتى التي تفوح منها .. يحملونهم إلى هناك .. إلى المكان البعيد .. لا يعودون إلى هنا بتاتا..يصعدون إلى السماء .. السماء غائمة .. والسكون خناجر في الروح الساكنة في قيود الجسد !! ماذا بإمكانه أن يفعل غير أن ينظر إلى بقايا الناس تنزاح خلف الجنازة.. أو تنزاح هاجمة على المخلوق الضئيل .. كان صغيرا لا يذكر أشياء كثيرة ، ربما هذه الذكرى الحية في حياته الأولى .. ما زالت تلاحقه بعد أن أوغل في السنين ..كيف يقص حكايته هذه .. تخيل له ابنا صغيرا في سن السادسة ، تدافع نحوه ، احتضنه ، تراجع .. لا يستطيع أن يخبره تلك الحكاية القديمة .. بل تلك الحكايات ..!!كان صغيرا لا يذكر أشياء كثيرة .. الوالد المريض .الخروف المريض.. انشطار رأسه عندما وقع عن السطح.. النساء ومشاكلهن الكثيرة .. حزيران البائس !! أفكار متناثرة تجعله غير عابئ بالأشياء من حوله.. ل بكى !!لقد مل اللعب بزجاجات عطر الموتى .. عاد الرجال .. شعر أنه يوغل في الصحراء بعيدا بعيدا حتى التلاشي !!

يبحث عن الميت في كل الأشياء من حوله .. ربما ينام في ذلك الركن .. سأل أمه بعد يومين إن كان سيعود أبوه .. بكت أمه ..احتضنته لأول مرة!! لماذا لا يذكر الآن، وهو جثة في العراء، غير زجاجات عطر الموتى !! ربما يشفق على نفسه كثيرا !! وربما أيضا تمنى لو كان ما يحدث له كابوسا في سرير نومه لا حقيقة !!

w w w .    A    r    a    b    i    c    S    t    o    r    y    . n e t

جميع الحقوق محفوظة لشبكة القصة العربية 2001-2007