[ أهلاً بالضيف الكريم ] 
للتسجيل
أنت الزائر رقم

إحصائيات الموقع

الدول المشاركة
عدد الكتَّاب
عدد النصوص
عدد الكتب
عدد التعليقات
عدد القراءات
عدد التوقيعات
عدد المشتركين
كتَّاب في الانتظار
نصوص في الانتظار
 
احتضار احتضار
التاريخ:الأربعاء 26 مايو 2010  القراءات:(2095) قراءة  التعليقات:(1) تعليق واحد  إهداء لصديق طباعة التعليقات أضف للمفضلة

  قصة ، من : السيد الهبيان  

 

 

 احتضار

 

                        


 

     الأشياء تتراقص .. تميل يمينا ويسارا .. وإذا ما استقامت ترتفع إلي أعلي أو تنخفض لأسفل.. الأرض -هي الأخرى - صارت كالأرجوحة.. فقدت استقرارها تماما .. ترتفع إلي مستوي الرأس ثم تهبط فجأة.. لكن الجدران تهتز دون أن تسقط.. بينما وجوه كثيرة تتزاحم حوله وتحجب عنه ما وراءها.. ونظرات تسقط فوقه كأنها ستفترسه.. حاول أن يستنجد بمن ينقذه منها .. لكن الكلمات خرجت من فمه غير مفهومة.. وبعد جهد كبير منه استطاع أن يسأل:

- ماذا حدث ؟ .

     وقبل أن يعي الإجابة شعر كأنه يغوص في جوف الأرض وتكاد تطبق عليه.. لم يجد ثمة أملا في النجاة مما يحدث له .. فالجدران القريبة منه تميل بشدة بكل الطوابق التي تحملها وكأنها ستغطيه .. حاول أن يستنجد مرة أخري .. خرجت الكلمات من فمه تشبه الصراخ المكتوم .. وما لبث أن فقد الوعي تماما …

 

                               

* * *
* * *
* * *
* * *
*

     ما يشبه الحلم وجد نفسه يعيش فيه … تراءت له مجموعة من الأجساد المائلة تحيط به .. أخذ يحدق في الوجوه التي صنعت فوقه مظلة حجبت عنه الضوء والهواء.. واجهته النظرات التي سقطت فوقه دونما اهتمام بما هو في حاجة إليه .. وبدت له الشفاه تتحرك كلها في وقت واحد.. لكنه لم يفهم شيئا من الطنين الذي يدوي في سمعه.. ولم يبد له ما ينقذه من هاوية الانحدار التي باعدت بينه وبين النجاة.. فلملم أمله في الحياة وهو يستسلم للغيبوبة التي تنتابه من جديد.

 

                           

* * *
* * *
* * *
* * *
**

     وسط الزحام مرة أخري وجد نفسه .. الاختناق يكاد يزهق الروح.. أجساد تسقط وأخري ترتفع .. كل الأشياء عادت تبدو بلا استقرار .. تهتز وهي تمضي في العدو إلي الخلف .. استسلم لدوامة هائلة من الألم .. عندما.. تخلص منها وجد أن كل شئ في طريقه للهدوء .. وبدا يتخلص من غيبوبته ..

 

                            

* * *
* * *
* * *
* * *

     حدق في العيون الكثيرة التي تتزاحم عليه .. لكنه أحس بالأيدي التي تتفحص جسده.. وشيئا فشيئا أحس بدوران شديد في رأسه وبغشاوة تسقط علي عينيه.. وتحت وطأة الألم انطلق منه صياح مكتوم .. وتراءت له الرؤوس المتراصة حوله تميل يمينا ويسارا .. بينما النظرات ترقب جميعها اهتزازات جسده.. والشفاه تنفرج ثم تتلاقي.. حاول أن يفهم شيئا مما تقول لكنه عجز عن معرفة أية كلمة تخرج من بينها .. وما لبث أن استكان في رقدته بلا حراك وبلا وعي.

     سأل الطبيب الممرضة :

- كيف الحال الآن ؟.

     التفتت إليه :

-        لم يكف عن الهمهمة .

-        ماذا يقول ؟ .

-        لم أستطع أن أفهم منه شيئا.

-        لماذا ؟.

-        لأنه يردد كلمات غير مفهومة بصوت مبحوح .

دون ملاحظاته في تذكرة العلاج الخاصة به ثم واجهها قبل أن يذهب:

-        لو لاحظت أي تغيير في حالته أبلغيني فورا.

-        حاضر .

ثم جلست بالقرب من السرير الراقد عليه ترقب كل ما يبدو منه.

                

                          

* * *
* * *
* * *
* * *
* * *

     وجه يبدو وسط الضوء الشاحب .. شفتاه تتحركان في بطء .. يستحيل الضوء الشاحب في عينيه إلي الضباب.. لمح من خلاله شبحا يتحرك حوله.. "زام " .. ثم حاول أن يتحرك من رقدته لكنه غاص وسط الظلام.. 

     وسط العتمة تراءت له التخيلات دون أن يكتمل وضوحها .. بينما أحساس بان ثمة شئ يضغط علي صدره بثقل شديد جعل من تنفسه مهمة صعبة وشاقة تحدث علي مراحل .. وظل الألم مجهول الموضع علي وجه التحديد .. بالرغم من صعوبة التحرك الذي يتسبب في عودة الغشاوة إلي العينين .. وعندما غاب الإحساس عنه استحال جسده إلي خرقة متهرئة..

 

                        

* * *
* * *
* * *
* * *
**

     أخذت تتأمل الجسد المسجي أمامها بنظرات إشفاق ممتزجة بالحسرة.. تترقب أية حركة تبدو منه .. لكن انتظارها يطول ويخفت الأمل في نجاته .. تمر اللحظات ثقيلة علي نفسها .. وتعيشها في يأس كثير ما عانته من قبل.. تنزلق الدموع علي وجنتاها متقاطرتان.. استطعمت الطعم المالح الممتزج بالمرارة بشفتيها.. بينما أخذت تتراءى لها الكثير من الصور المحفورة في ذاكرتها من زمن ليس ببعيد .. وما لبث أن بدد الصمت صدي أغنية خافت تسلل من حجرة مجاورة كان له وقع الأثر عليها.. فأخذت تجفف دموعها بينما ابتسامة باهتة تبدو علي شفتيها.. ثم تحركت من مكانها تجاه النافذة فتحتها .. ارتفع صدي الأغنية أكثر مما كان .. تطلعت جهة الشمس الغاربة تردد في سمعها صدي جرس المحطة إيذانا برحيل القطار جهة الشرق.. تحرك معه الوجه الذي كانت تتابعه وهي ترد عليها بارتعاشه تهز يدها.. مضي الوجه في الابتعاد عنها إلي أن اختفي وصار بلا اثر.. انقبض قلبها _حينئذ _ وشعرت أن ثمة شئ يكتم أنفاسها ..

-        آه ..

     تلفتت في لهفة إلي الجسد الراقد دونما حراك .. أسرعت إليه واقتربت بأذنها من الفم المطبق وكأنها تشك في صدور الآهة التي سمعتها .. لكن الغمغمة ما لبثت أن ترددت ثانية واستمرت علي وتيرة واحدة.. حاولت أن تفهم من خلالها شيئا.. لكنها استحالت إلي همهمة خافتة أخذت ترقب احتضارها علي شفتيه ..

                            

                                 

* * *
* * *
* * *
**

     اشتدت حدة الألم وامتزجت الخيالات البادية للعينين ببعضها .. تردد الهمس كصدي آت من بعيد ..

     - أين أنا ؟!

     مالت بجسدها لتستطيع أن تسمع الهمس بوضوح أكثر :

-        كيف الحال الآن ؟.

انتبهت إلي الطبيب يقف بجوارها :

-        الغيبوبة تذهب وتعود .

-        أذن لا جديد..

-        لكنه صاح بآهة ألم ..

-        وبعدها ؟ .

-        لا شئ .. عاد كما كان ..

شاركها التطلع إليه للحظات ثم التفت إليها :

-        لا تتركيه وحده حتى أعود .

 

                        

* * *
* * *
* * *
* * *
* * *
*

     ضايقها الصمت الفارض وجوده علي كل ما حولها.. تمنت لو يفيق من غيبوبته التي طالت أكثر عن سابقتها.. لكنه ظل بلا حراك .. وبلا همس .. عادت الدموع إلي عينيها ثم أحست بدفئها وهي تتقاطر علي وجنتيها ثانية .. تنهدت في أسف وهي تمسحها بيدها .

     داهمتها الذكري الساكنة ذهنها من زمن.. استسلمت لها ومضت تعيشها في أسي ... تراءت لها اليد التي كانت تمسح دموعها في لحظات الوداع .. وتردد صدي همس الشفتين :

-        لا تبك ..

-        لا أستطيع أن أمنع الدموع عن عيني..

-        أريد أن أراك تضحكين..

-        الناس حولنا ..

-        لا حرج من عناق الأصابع علانية ..

-        لكن ..

-        لا تقولي شيئا .. لن أغيب عنك كثيرا هذه المرة ..

-        سأنتظرك ..

-        سوف تكون حفلة زفافنا رائعة..

     تنهدت في أسف .. بينما تزاحمت الدموع في عينيها عندما تراءي لها بعد عودته بوجهه الغارق في الضمادات .. لم تر منه _ حينئذ _ غير عينين ماتت فيهما الحياة .. تمنت أن يراها ولو لمرة أخيرة قبل رحيله عن دنياها.. لكن أمنيتها المرجوة لم تتحقق وكأنه ضن عليها بها .. وقبل موعد الزفاف الذي كان قد تحدد بساعات قليلة.. كان جسده محمولا علي الأكتاف ماضيا إلي مثواه الأخير في موكب حزين...

-        أ أ أ أ  ...

أفاقت مما شغلها عنه ثم أسرعت إليه تنصت لما يهمس به.. لكن السكون ما لبث أن عاد إلي شفتاه..

-        ألم يفق بعد ؟ .

التفتت إلي زميلتها التي جاءت إليها ووقفت بجوارها :

-        لا ..

-        يبدو أنه يحتضر ..

تنهدت في أسف :

-        ربما..

-        توجد زائرة له تنتظر أن تراه.

-        وهل تستطيع أن تراه وهو هكذا ؟!

-        لقد أذن  لها الدكتور بذلك .

-        أذن دعيها تدخل.

اندفعت الزائرة إليه في لهفة.. حاولت أن تحتضن جسده.. لكنها تنبهت إلي من تشدها بعيدا عنه..

-        لا يمكنك ذلك ..

تطلعت إلي الممرضة باستعطاف :

-        أرجوك ..

-         انه لا يشعر بك ..

وقفت _ الزائرة _  كتمثال منتصب بجوار السرير الراقد عليه ..

وتجمدت نظراتها علي جسده المسجي أمامها.. راقبتها الممرضة بأسي .. وأخذت تتأمل ملامح وجهها الجامدة للحظات ثم أدارت رأسها عنها وكأنها تهرب مما تراه .. بينما مشاعر الأسف التي داهمتها ظلت دونما تغيير .. فلم يكن ثمة شك لديها أن وراءها حزنا مكبوتا قد يستمر لفترة طويلة.. تأكدت من ذلك عندما تماثلت لها اللحظات المماثلة التي عاشتها من قبل.. بعد أن عرفت ما حدث لخطيبها أثناء تنفيذ احدي العمليات العسكرية ضد العدو.. وبالرغم من كل الإسعافات التي أجريت له فقد فقدته إلي الأبد .. واستحال حفل الزفاف إلي حفل تأبين ازدحم بكلمات المواساة والإعجاب ببطولته.. ثم تتابعت الأيام بعد ذلك ووجدت نفسها في الظل ..

     تنهدت في أسف قبل أن تهمس للزائرة:

-        كوني شجاعة ..

-        شجاعة ؟! ..

وواجهتها بحسرة .. ثم تنهدت في ألم :

-        كيف ؟! .. لقد ضل مني ولم يتحقق لنا ما كنا نريده.

قالت لها في أسف :

-        لست الأولي .. ولن تكوني الأخيرة .

دخل الطبيب الحجرة وقصد الجسد الممد أمامهما دون أن يبال بهما..

 نظر في عينيه ثم راقب تنفسه وهو يسأل الممرضة :

-        ألم يحدث جديدا ؟.

-        لا ..

واجه الزائرة :

-        لقد فعلنا له كل ما نستطيع والباقي علي الله.

سألته :

-        ألا يمكنني البقاء معه ؟ .

-        تعليمات المستشفي لا تسمح.. وهو في حاجة إلي الهدوء ..

-        لن أزعجه ..

هز رأسه آسفا وأكد لها عدم السماح بالبقاء .. وجدت أن عليها أن

تذهب.. وبينما هي تلقي عليه النظرة الأخيرة قبل أن تخرج لاحظت انه يتحرك في رقدته.. كبر الأمل في نفسها وتسلل إليها الفرح .. وعندما بدرت منه همهمة خافتة واجهت الطبيب :

-        انه يفيق من غيبوبته.

     ظل يواجهها في صمت .. عادت ترجوه :

-        دعني معه ولو الليلة فقط..

    بدت له شواهد احتضاره التي تجهلها .. حاول أن يواسيها .. لكنه ردد وهو يمضي :

-        لا فائدة من بقائك معه..

ظنت أنه تركها واستمرت تتطلع إلي التشنجات التي لاحظتها علي وجهه.. ولكنها ما لبثت أن رأته وقد ندت عنه شهقة مسته بعد ارتعاشه شديدة.. ثم رأته يهدأ ويستكين تماما في رقدته بينما ظلت عيناه مفتوحتان وقد تجمدتا علي النظر إلي اعلي .. راقبت الممرضة وهي تسحب الغطاء الأبيض علي وجهه .. ثم استسلمت لها وهي تأخذها إلي الخارج.

                         

                            

* * *
* * *
* * *
* * *
* * *

w w w .    A    r    a    b    i    c    S    t    o    r    y    . n e t

جميع الحقوق محفوظة لشبكة القصة العربية 2001-2007