[ أهلاً بالضيف الكريم ] 
للتسجيل
أنت الزائر رقم

إحصائيات الموقع

الدول المشاركة
عدد الكتَّاب
عدد النصوص
عدد الكتب
عدد التعليقات
عدد القراءات
عدد التوقيعات
عدد المشتركين
كتَّاب في الانتظار
نصوص في الانتظار
 
المخاض 
التاريخ:  القراءات:(2074) قراءة  التعليقات:(1) تعليق واحد  إهداء لصديق طباعة التعليقات أضف للمفضلة

  قصة ، من : السيد الهبيان  

المخـــــــــــــــــاض

 

 

          أنتظر السقوط الأخير .. وأترك الثواني تتقاطر من عمري مثل قطرات الماء التي تتقاطر أمامي من إناء مثقوب ولا أفكر في إصلاحه .. جاعلا من حياتي معبرا ينقذني من العدم بعد أن بدا لي أنها بلا معني .. دونما اهتمام بلحن الموت الذي اشعر به يسري في جسدي .. وأتركه يمضي في شراييني بلا إرتجافة خوف واحدة ترعشني .. أو أترقب ما سيتمخض عنه المستقبل المجهول .. فما الفائدة في أن أمارس لعبة انتظار الآتي الذي لا يأتي ؟!..

     في العادة يكون انتظار الآتي مشدود بأمل نتوقع أن تحين لحظته في وقت مجهول المجيء .. لكن بدا لي أنني أنتظر المستحيل بعد أن تراءت لي الشجرة العجوز التي تحمل أحلامي تتكسر أغصانها غصنا بعد غصن .. ثم تهوي أمام جثة هامدة ضاعت منها الحياة .. بينما المستقبل المجهول دائما مطموس المعالم .. إذا ما ترقبته أشعر بخشية تزيد من قلقي ورهبتي من أن يأتي معكوسا بدلا من أن يأتي كما أريد .

    تنقضي الثواني والدقائق والساعات .. وتمر الأيام .. وتتابع الشهور .. وتتوالى الأعوام تتعاقب فيها الفصول بدورتها التي تتكرر بترتيب لا يتغير .. والزمن يمضي مثل قطار سريع بلا محطات وقوف .. يطوى بين النسيان ما يريد .. ويترك بصمات الخلود على ما يريد .. يوحي أحيانا بأن الآتي سيكون باقة زهور جميلة .. وأحيانا يرسمه بخطوط ملتوية تنتهي إلى اليأس ..

-        هذه هي الحياة ..

-        لا فرح يدوم .. ؟!.

-        هذه هي الحياة ..

-        لا حزن يدوم ؟!.

-        هذه هي الحياة ..

-        لا لقاء يدوم ..؟!.

-        هذه هي الحياة ..

-        لا فراق يدوم ..؟!.

-        هذه هي الحياة ..

     إجابة واحدة لا تختلف رغم اختلاف المعاني والأشياء .. ورغم اختلاف من يجيبوا بها وكأنها اصطلاح تعارف عليه الجميع فأخذت أردده أنا الأخر .

                          

* * *
* * *
* * *
* * *
* * *

     شوارع المدينة مليئة بنظرات الخوف .. أراه مزوعا في أحداق العابرين وهم يبدون كأنهم يمشون في غابات قلق كثيفة إن لم يكن كذلك بالفعل .. وعبر عتمات الطريق أجد الصدى الطالع من رحم الذكريات .. يتردد في ذهني مثل نداء مخنوق :

  " -  لننس كل شيء .

-        كيف ؟.

-        ...........

-        كيف ؟.....

-        لا أدرى ."

    وتنهدت قبل أن تدارى عجزها بالصمت .. لم أثقل عليها بإلحاحي لتشرح لي كيف ننسى كما اقترحت هي .. ومضيت أحدق في وجهها .. للحظة تلاقت نظراتنا .. توالت صور المشوهين والعجزة وخلفها شواهد قبور الضحايا .. بدت لي في عينيها مزروعة في خطوط منتظمة أخذت تزحف على عيني غمائم حزن حاولت أن أداريها بالصمت كما تفعل هي عندما تتعثر الكلمات على شفتيها ولا تستطيع أن تخرجها ..

     حين كنا صغيرين .. كانت الحياة بالنسبة لنا غابة من الأحلام الوردية نرويها من نهر الفرح الذي كان يغمرنا .. وكنا نري العالم من خلال صورة شاعرية مفرحة تبدو في نظراتنا الملهوفة .. وكانت الضحكات إذا توقفت على شفاهنا ظلت الابتسامة مكانها لا تفارقها .

    ببساطة كنا كأننا لم نخلق إلا للسعادة .. ولحياة جميلة في عالم بهيج .. مستقبله مضيء .. وخال من الأوجاع والمرارة .. ومن الحقد والضغينة .. لكننا عندما كبرنا كبرت معنا الهموم .. وأخذت أحلامنا تهرب منا الواحد بعد الآخر إلى أن هربت كلها ولم يبق لنا إلا الحقائق المرة .

   "- قولي أي شيء .

-        ليس الأمر بهذه البساطة ..

-        إذن كيف فكرت بأن ننسى ؟!.

-        مجرد خاطر خطر لي ..

-        من يخطر له شيء عليه أن يفكر كيف سيكون .

-        ظننت أن المحاولة تكفي .

-        إذن فأنت تريدين أن نحاول ؟!.

-        إذا استطعنا .

-        من المستحيل أن ننسي حقيقة مؤكدة تبدو أمام عيوننا .

-        لن نخسر شيء إذا ما حاولنا .

-        لا أريد أن أخدع نفسي وأتجاهل الواقع الذي نعيشه ."

     ساعات مرت في زمن لحظات وهي تواجهني بنظرة تأمل بدت في عينيها .. أخذت أحدق في وجهها .. ثم أمعنت النظر في عينيها..

    رأيت مسافات تتمدد بطول الزمن المطوي .. وشوارع قديمة ضاعت معالمها .. فلم أستطع التعرف عليها .. لكنني مضيت أمشي تحت مصابيح مطلية باللون الأزرق .. عجز الضوء القاتم عن تبديد عتمة الليل أمامي .. وجدت نظراتي مقيدة مكانها تصدها نظراتها التي كانت تتأمل بها لوحة المأساة المرسومة على جبهتي .. وبدت كأنها تبحث بين خطوطها عن الأماني والأحلام التي استرسلت فيها معي من قبل .. ثم اكتشفت أنها كانت ترسم قصورا على شرفات الغيوم التائهة .

    كرهت اللحظة التي نعشها .. وتمنيت أن تتلاشى من الوجود .. لكنها ظلت ماضية بلا توقف .. عجزت عن البقاء في مواجهتها فنكست رأسي ...

   مدت يدها إلى أسفل ذقني ورفعت وجهي إلى وجهها لأواجهها .. انتظرت أن تحدثني .. لكنها ظلت تواجهني بصمت شعرت به كسوط أخذت تلهب به وجهي .. بدت في استسلامي مثل طفل صغير يتلقى عقابه عن خطأ وقع فيه .. ولم ينته العقاب إلا عندما حولت وجهي عنها .. وأدرت ظهري لها .

                          

* * *
* * *
* * *
* * *

     ضوء المصابيح يبدو خافتا .. أحاول من خلاله أن أحدد مكان خطواتي .. وبالرغم من ذلك أتعثر وأتعرض للسقوط .

    بين سطور الصحف كنت أقرأ كثيرا عن مشاريع الكهرباء وتقويتها .. الآن أجد مكانها أخر الاختراعات التي توصلت إليها عقول اللصوص .. وأحدث الأساليب التي ابتكرتها زوجة أب في تعذيب أولاد زوجها من زوجة كانت قبلها ..

     أقرأ أيضا ما تم في قضايا الاختلاسات إذا لم أجد الجديد منها .. والمشاهد الأخيرة في قصص خيانات الزوجات والأزواج .. والتي يتكرر حدوثها أحيانا في بيت دعارة واحد .. يجمع بين الزوج والزوجة في صدفة يعرفان فيها أن كل منهما يمارس السقوط في خفية من الآخر .. وأن الثمن الذي تناله الزوجة عن سقوطها في كل مرة .. يمنحه زوجها لغيرها لهذا السبب أيضا .. وذلك في نفس الوقت الذي يؤكد فيه كل من يتعرض لدراسة هذه الظاهرة أن سقوط الزوجات كثيرا ما يحدث بسبب الفقر .. لكنني أقرأ الصدق المؤكد في صفحة الوفيات .

                        

* * *
* * *
* * *
* * *

     بنفس الخطوات الغريبة أمشي بين الناس .. أكتشف أنني أحظى من البعض باهتمام عابر .. شيء غريب أن يحدث هذا بالنسبة لي في لحظة أشعر فيها بالانفعال التام بيننا رغم رابطة الحزن التي تجمع بيني وبينهم .

     أشعر أنني أمضي في اتجاه حياة أخرى .. أحاول أن أحدد معالمها في ذهني .. أجدها بلا رسم ولا لون محدد .. للحظة أتذكر مسيرة جنازة شاهدتها بتكرار لم يتغير .. الجسد الذي فارقته الحياة داخل النعش المحمول على الأكتاف في نهاية الموكب الحزين .. وخلفه النساء متشحات بالسواد .. كل النظرات كانت تتلاقى عليها وعلى وجوه أصحابها مسحة أسى في العادة لا تستمر طويلا .. فلا أحد يذكر النهاية المحتومة إلا في اللحظة التي يراها فيها أمامه .. لأنه ينساها بمجرد أن يبتعد عنها أو تبتعد هي عنه .. ولا يفكر ولو للحظة في العناء الذي يلقاه من يتبادلون حمل النعش على أكتافهم .. وكل ما يلحظه هو الشحوب الذي يكفن الوجوه .. ثم بعد أن تنتهي موجة الحزن تعود النظرات لتلاحق من جديد سيقان النساء العارية .. دونما اهتمام من أحد بالميت الذي مضي إلى القبر ليختفي داخله بعد رحلة قطعها في الحياة .

                           

* * *
* * *
* * *
* * *
* * *

     أعود لأنتبه إلى العالم الميت حولي .. أشعر بالضياع فيه أكثر .. علمتني الأيام وتعلمت منها أن أكون أو لا أكون .. وهذا يعني أن أقف في مواجهة الحقيقة دائما ولا أفكر في الهرب منها .. لذلك فقد تعودت احتمال الآلام والأوجاع مهما تكاثرت .. وهذا بلا شكوى أو تذمر من ثقلها الذي يرهقني .. لكن ضياعي الذي يبدو كأنه دائم الاستمرار يجعلني أشعر بأنني أنزلق إلى هاوية لا قرار لها .. أحاول التوقف عن السقوط فيها .. وأتسلق بنظراتي قمة بداية جديدة .. أقف عليها وأتخيل ما سيكون وراء الليل القاتم ..

    من بعيد يبدو لي شعاع ضوء يتسع شيئا فشيئا وهو يمتص خيوط الظلام .. عبر الطريق أرى الغموض وضوحا .. وأحلامي تبدأ تتحقق الواحد بعد الآخر .. شموع السنوات الآتية تضيء .. ووجهها يخترق كثافة الظلام .. ألمح على شفتيها ابتسامة أمل .. أضمها إلي في اشتياق .. دوائر الزمن تتلاشى وتغيب معها أوقاتنا العصيبة .. وأعيش معها لحظات خالية من الحزن .. بعيدة عن أقبية الخوف .. نعبر أرصفة الغربة المزروعة في طريقنا بخطوات غير مهزوزة .. أصطدم بجسد إنسان لم أنتبه إليه .. أتواجه مع وجه امرأة عجوز عاشت أكثر من أيامها .. ألعنها في نفسي خلال كلمة اعتذار أقولها لها رغما عني .. وأمضي مثلها بخطوات ثقيلة .. يتراءى لي ما كنت أفكر فيه كجنين داخل بطن امرأة حبلى تترقب لحطة المخاض.

 

                    

* * *
* * *
* * *
* * *
* * *
* * *
* * *

w w w .    A    r    a    b    i    c    S    t    o    r    y    . n e t

جميع الحقوق محفوظة لشبكة القصة العربية 2001-2007