[ أهلاً بالضيف الكريم ] 
للتسجيل
أنت الزائر رقم

إحصائيات الموقع

الدول المشاركة
عدد الكتَّاب
عدد النصوص
عدد الكتب
عدد التعليقات
عدد القراءات
عدد التوقيعات
عدد المشتركين
كتَّاب في الانتظار
نصوص في الانتظار
 
خرساء نهاراً صمّاء ليلاً 
التاريخ:  القراءات:(6599) قراءة  التعليقات:(5) تعليقات  إهداء لصديق طباعة التعليقات أضف للمفضلة

  قصة ، من : وفاء الطيب  

لم أحزن لموت جدة حليمة كما حزن أبي وعمتي بل كنت أحسدها وكم تمنيت أن أتبادل معها حفرتها في البقيع أو على الأقل ألحق بها .. جنة البقيع هي نهاية درب السالكين وأمان الخائفين هكذا تقول جدتي.. وأنا مسكونة بالخوف دائما.. كل يوم أحمل قفة التميز إلى الفرن لأقف خلف رجال الحارة في إنتظار حبة تميز ساخنة .. لا أرى بنتاً ولا ولداً في مثل قامتي حول التنور فأتململ ...

مشي البنت ياشيخ ..!

يتنبه عم سعيد الفران لطول وقفتي وخشوعي أمام التنور الحار فيرمي لي بتميزة ساخنة ،  تسقط مني أرضاً أحياناً قبل أن تتلقفها القفة ..!

وأهرع إلى محل الفول ..جدتي تريده مع السمن البري مع قليل من الطحينة ..

حطّ لها طحينة ياشيخ !

هكذا يفزع لي رجال الحارة فقد اعتدت البقاء في حضرتهم خرساء ..اعتدت أن لا أنطق بكلمة لا مع الفران ولا الفوال ولماماً مع جدتي ! 

لم أشعر بحاجتي إلى صوتي إلا حين اعترضت طريقي بقرة عم منصور  ! يسميها كذلك أولاد الحارة ولا أعرف من هو العم منصور ولا لماذا يفلت بقرته لتهيم على وجهها  وتفسد عليّ صباحي ..!

تقول جدتي: ذلك لأننا قريبين من التمار ومن بلاد التواتية ! ولعل ذلك  يفسر سر دنو أصوات الكلاب مني  بالليل في السطح.. تتصاعد وتعلو وتتضخم وينبت لها أذرعة كثيرة تلتف حول رقبتي وأنا نائمة  لتخنقني ! كلاب كثيرة تنهش نومي ولا ينبلج الصبح إلا وأنا محمومة !

وتخاصمني جدتي لأنني أصغي لصوت الليل .. فعلي أن أكون خرساء في النهار وصماء في الليل ! 

لكن هذه المرة أجبرت على أن أكون صماء في النهار فلم يبقى على العيد سوى يومين فقط .. جدتي تهيء صينية الكعك والمعمول منذ الأمس .. وهذا يعني أن طريقي سيكون معاكساً لطريق فرن عم سعيد الذاهب الى الحرم.. فرن العم أبو محمد يمر بذلك الزقاق الضيق المتجه الى المصانع حيث سيغني لي ذلك المجنون أغنيته المعهودة

سلمولي على الفول والتميز البخاري ..

والمطبق أبو البيض واللحوح اليماني

لا شك أنه يقصدني بتلك الأغنية وسيضحك ضحكته المرعبة من كوته الصغيرة عندما يراني أتخبط في طريقي إلى الفرن ..لن ينقذني منه سوى أن أصمّ أذنيّ نهارا 

لكن ياجدتي حليمة أنت تعلمين أن الفرن قبل العيد زحمة .. النازل من التمار ينزل بصوانيه والصاعد من طريق الجنان يحمل صوانيه لن تجدي موطئا لصينيتك ..فالصواني تتناثر في كل أرضية الفرن .. أبو محمد الفران يضع صوانٍ ذات اليمين وأخرى ذات اليسار و العمال يحفظون ما يمليه عليهم من أسماء هذا بيت الأفغاني وهذا بيت الهاشمي وهذا بيت المولد وهذا بيت عبدالصمد ! يا إلهي صوان كبيرة من المعمول والغريبة والفطير  أين منها صينية جدتي ! أتأمل المكان  ولا أفتح فمي بكلمة .

خذ الصينية من البنت ياشيخ .

يهرع العامل إلى صينيتي ملاطفاً : هل مازالت جدتك تحبه مقمراً زي خد البنات .. يلمس خدي بأصابعه فأتراجع إلى الوراء ولا يخرج صوتي . 

تستجوبني جدتي ..ليه ما تبغي تروحي المدرسة ؟

قلت لك ياجدتي أبغى أبطل من المدرسة وأجلس في البيت أخم الحوش وأدلك النحاس وأنشر لك الغسيل .. لم تقتنع جدتي بعذري وحرصي على أن لا أذهب للمدرسة .. تحاول أن تتفهم عذري ..

أكيد خفتِ من بقرة عم منصور ! قلت لك ما تنطح ولا تكلم ..هي في طريقها  وإنتِ في طريقك .. لا تكلميها ولا تكلمك 

لم تكن بقرة عم منصور من اعترض طريقها بالأمس..كانوا خمسة صبية صغار  يتضاحكون ويتغامزون في عتمة الزقاق الضيق قبل ان تصل اليهم وبين يديها زبدية  الفول وحبة التميز ... لم يرعبها كثرتهم ولا صياحهم ولكن أرعبها أنهم كانوا نصف عراة .. ليتها كانت بقرة عم منصور ! كانوا يكشفون لها  عن بضاعتهم! وكانت مرعوبة ! ومع هذا لم تصرخ ! ظلت خرساء ينخلع قلبها وهم يتحلقون من حولها  يزيد من متعة اكتشافهم لبضاعتهم  رعبها وصمتها.

سيبوا البنت في حالها يا بزورة !

خرج الصوت من أحد الرواشين مدوياً.. دون أن  تدري من أين خرج ..لكنه فرقهم. 

ماتت جدة حليمة قبل العيد بيوم  ولم تخبز صواني الفطير والكعك كعادتها وحزن الجميع وبكى إلا هي.

 

و.ط

 

w w w .    A    r    a    b    i    c    S    t    o    r    y    . n e t

جميع الحقوق محفوظة لشبكة القصة العربية 2001-2007