[ أهلاً بالضيف الكريم ] 
للتسجيل
أنت الزائر رقم

إحصائيات الموقع

الدول المشاركة
عدد الكتَّاب
عدد النصوص
عدد الكتب
عدد التعليقات
عدد القراءات
عدد التوقيعات
عدد المشتركين
كتَّاب في الانتظار
نصوص في الانتظار
 
ولـــَـه PassioN 
التاريخ:  القراءات:(6672) قراءة  التعليقات:(2) تعليقان  إهداء لصديق طباعة التعليقات أضف للمفضلة

  قصة ، من : وفاء الطيب  



لم تتوقف أصابعها عن فتح المظروف وغلقه وكلما قرأت ما فيه انتابها قهر شديد يجعلها ترمي به إلى الدرج لتستعيده وتقرأ ما فيه مرة أخرى .. تشعر بحرقة من لسع الكلمات داخل الخطاب الرسمي الذي وصلها من الإدارة توبيخاً لها على تقصيرها في متابعة خروج الطالبات من بوابة المدرسة الى بيوتهن فقد اكتشف والد الطالبة ندى عبدالوهاب غياب ابنته عن البيت صباح اليوم التالي.

عضت على شفتها السفلى من الغيظ وأغمضت عينيها لتبصر والدة (ندى) بعينيها النجلاوتين وقوامها الفارع تتمايل في حفلة ما بإحدى الجمعيات الخيرية ، تعود الى بيتها مع أذان الفجر منتشية من صدح الموسيقى وعبق البخور .. ليس لديها من الوقت ما يسعفها لتفقد ابنتها ذات الإثني عشرة ربيعاً .. نامت نهاراً كاملاً وأفاقت لتتلذذ بما قدمته لها طاهيتها من أطايب الطعام ثم أمسكت بالريموت لتقلب في القنوات الفضائية باحثة عن آخر صيحات الثياب والعطور.

ماذا تنتظر من أمهات كتلك غير جيل فاسد لا يعرف من الأرقام غير مسابقة شاعر المليون ومن الفن غير ستار أكاديمي !

دقت جرس مكتبها الفائق نظافة وأناقة فجاءت إحدى المراقبات مهرولة منتظرة أوامرها بخنوع مصطنع ..

هل طبعتِ خطاب لفت النظر للمعلمة التي ناوبت بالأمس ؟

نعم يا أبلة حصة ..تركته على مكتبك ينتظر توقيعك .

لم تتنبه إليه فقد كانت مشغولة بمراجعة أسماء الطالبات اللاتي ستعقد لهن مجلساً تأديبياً على الملأ . السرية والكتمان والمناصحة لا تفيد مع العينات الجديدة التي أفرزتها تربية الأمهات المستهترات .

مارأيك يا طليعة في حليقات الشعور المارقات من الدين !!

ترددت مراقبتها في الرد على سؤالها خشية إغضابها
وظلت هي تحوقل وتستغفر برهة ثم ضربت بيدها على جبينها فقد تذكرت أمراً هاماً !

هل اتصلتِ بوالدة (ندى) لتوبخيها على إهمالها لابنتها ؟

تنحنحت المراقبة قليلا ووضعت سبابتها على أرنبة أنفها لتسند نظارتها وقالت : حين اتصلت على جوالها أجابني والد ندى وقال أن والدتها توفيت الشهر الماضي . أخبرني أنه مشغول بحصر التركة ومراجعة المحكمة في الشرقية وظل يوبخنا طويلا لأننا لم نعلم بوفاة
....
- كفى !

قامت من مقعدها في عصبية ورتبت من هندامها وتفقدت أزرار قميصها ثم تجاوزت المراقبة وسبقتها..كادت أن تتعرقل في طرف تنورتها الطويلة لولا أن أمسكت بحافة الباب .
كانت قد ألقت نظرة أخيرة على خطاب التوبيخ ثم أحكمت عليه إغلاقاً في درج مكتبها خشية أن تطلّع عليه إحدى المراقبات وتصبح سيرتها علكة في حلوقهن .

مشت أبلة حصة تتهادى في الممر كزرافة ممشوقة العنق ووقفت أمام طابور الصباح وبيدها مقصا ومسطرة حادة لتستمع إلى فقرات الإذاعة الصباحية بضجر أنهته بإشارة من إصبعها بعد خمس دقائق . أمسكت بمكبر الصوت ونادت على الطالبة وله بنت سعيد عبدالله وهي تنظر شزرا اليها.. تعرفها من حجمها جيدا .

خرجت من الصف فتاة في الثانية عشرة من عمرها في ثوب رمادي غائم طويل الأكمام بياقة من دانتيل أبيض وحزام يطوق خصره لا يميزها عن باقي زميلاتها سوى شيء واحد .. (وله) نسخة مكررة من ركام كبير من الفتيات لا يتمايزن عن بعضهن إلا ببضع سنتيمترات من طول أو خصلة شعر ، إلا أنها تبزهن قامة ووزنا ..

كانت ضخمة في اعتدال لكنها بينهن أشبه بفيل يقتحم قطيعا من القرود ! وفوق ضخامة جسدها يستقر رأس مستدير مغطى بطبقة خفيفة من الشعر وكأنه كرة قطيفة سوداء تترنح فوق هضبة من اللحم.
ما اسمك ؟ صاحت فيها بنبرة زاجرة

اسمي (وله)
..

قالت أبلة حصة بنبرة ساخرة: ماشاء الله واسمك (وله) ..ما أحد علم أمك أن (وله) اسماً لشيطان الخلاء والعياذ بالله . كيف رضيت لك أمك بهذا الإسم ؟
ثم بصقت لتظهر شيئا من قرفها واستيائها .
صاحت بعد ذلك : اقتربي يا (وله) .
و طلبت منها أن تستدير يمينا ويساراً أمام حشد الطالبات ثم أشارت إلى رأسها الحليق بمسطرتها وقالت :
.لماذا تحلقين شعرك كالصبيان ؟

يا أبلة ....!
لم تمنحها الفرصة لتكمل فقد قاطعتها في غضب
- طبعا تريدين أن تكونين (بوية) .. نظرت للطالبات في حدة وهي تتحرق شوقا لسماع طرقعة مسطرتها على جلودهن الناعمة ثم أضافت :
- طبعا بعضكن لا يعرف ما معنى بوية لأنه مصطلح أجنبي خبيث ، البوية هي التي تتشبه بالرجال لنشر الرذيلة بين النساء المحترمات. وكلنا نعرف أن من تحلق شعرها لتصير كالرجال ملعونة ملعونة!

بصقت مرة أخرى في ركن العمود الذي استندت إليه بعدما أحست بدوار خفيف .. رفعت فتاة إصبعها تستأذن في الرد.. لن تمنحها فرصة الرد عليها أو محاورتها أمام الأخريات ، فهي تعرف ما ستقول ..
.
مرقت الفتاة عن الصف قليلا وكأنها تريد أن تتقدم لتحسم الموقف فأشارت إليها بالوقوف فيما لم تنطق "وله" بكلمة واحدة فقد خانتها عبرتها وانخرطت في البكاء .

لم تصدق أبلة حصة ما أبصرت عيناها من خلف نظارتها السميكة فقد انخرط حشد الطالبات والمعلمات في البكاء وحتى المراقبات .

تقدمت الفتاة مسرعة لتسحب المكبر من يدها وتقول في نشيج : يا أبلة حصة إن صديقتنا (وله) حالقةً شعرها لأن أمها تتعالج بالكيماوي في المستشفى التخصصي بالرياض منذ ثلاثة أسابيع .. حلقت أخواتها شعورهن وكذلك أبوها ..وكنا نريد أن نحلق شعورنا لولا أن خفنا من أن لا ...
..
لم تكمل الفتاة جملتها فقد شعرت أبلة حصة بجفاف شديد في حلقها ودوار أظلمت معه الدنيا ظلاما حالكاً !
و.ط



25/6/2010

w w w .    A    r    a    b    i    c    S    t    o    r    y    . n e t

جميع الحقوق محفوظة لشبكة القصة العربية 2001-2007