[ أهلاً بالضيف الكريم ] 
للتسجيل
أنت الزائر رقم

إحصائيات الموقع

الدول المشاركة
عدد الكتَّاب
عدد النصوص
عدد الكتب
عدد التعليقات
عدد القراءات
عدد التوقيعات
عدد المشتركين
كتَّاب في الانتظار
نصوص في الانتظار
 
عتبة الحرية 
التاريخ:  القراءات:(1934) قراءة  التعليقات:(5) تعليقات  إهداء لصديق طباعة التعليقات أضف للمفضلة

  قصة ، من : باسكال عسّاف  
- "إذا خرجتَ الآن، لن أسمح لكَ بالعودة مطلقاً.."

يده القابضة على مسكة الباب تحجّرت، شفتاه مطبقتان كليلٍ في واد، تخدّرت أصابعه، تقوّس ظهره في شبه انحناءة، أمّا قدمه اليمنى فكانت ترتجف. عبثاً حاول السيطرة عليها.

كلماتها غُرزت في ظهره كالسهام، توقف عن الحركة، استشعر بالسم يزحف إلى باقي أنحاء جسده.

- "سأطاردك أينما حللت، إن تجرأت وفتحت باب الغرفة، وعندما أجدك سأدوسك كفأر علق في زاوية".

عبارتها الثانية، قالتها بلهجة مطمئنة أكثر من المرة السابقة، لوهلة شعرت بالخوف عندما رأت يده ممسكة بقبضة الباب، وعندما لم يرحل كما هدد، عندما انتظرها لتكمل وعيدها، اطمأنت أنه لن يجرؤ على الخروج عن طاعتها.

ابتسمت، بانت أسنانها البيضاء، أصبعها الممدود باتجاه الرجل ازدان بخاتم يتخلله حجر ماسيّ برّاق. مستلقية على السرير، كملكة، لم تستطع أن ترى ابتسامة الرجل الجامدة كسيف معلّق على حائط.

- "تعال"

بدّلت هذه المرة أيضاً في وتيرة صوتها فأتى رقيقاً، ناعماً.

تراخت أصابعه بهدوء، أعاد نصف استدارة المقبض إلى مكانه، اتبعها بحركة بطيئة لنصف جسده الأعلى، ورمقها بعينين تتوهجان حنقاً. تجاهلت نظراته، فتحت يدها مشيرة له أن يأتي إليها.

في المسافة الفاصلة بين الرجل والمرأة، سار ككلب اكتشف أن حريته مقيدة بسلسلة لن يقدر أن يقطعها أبداً، وأن أبعد حدود يستطيع أن يصلها هي عتبة الباب الخشبي الفاخر للغرفة.

تلاشت الابتسامة عن محيّاه، عصر شفته السفلى، صغرت عيناه حتى كادتا أن تختفيان تحت الجفنين.

انتصب أمام السرير، صامتاً، شرع بفك أزرار قميصه المخطط.

"أسرِعْ" قالت، نزعت الملاءة عن جسدها العاري ورمتها أرضاً. في تلك اللحظة كان الرجل قد أصبح عارياً أيضاً من كل ثيابه.

"أثرتني" قالت وأغمضت عينيها، أحنت رأسها إلى الوراء، وبان عنقها طويلاً كسنبلة. جلس إلى حافة السرير، تأمل جيدها، حاول أن لا يرى التجاعيد المختبئة تحت المساحيق الباهظة، ورمق بكره العقد الذهبي الأبيض العريض.

أرسى يده برقّة على بطنها، حرك أنامله ببطء على الجسد، توقف قليلاً في البقعة التي تفصل بين نهديها، رسم دائرتين بتأنّ حولهما، وأكمل ترحال أصابعه صعوداً على وقع تأوهات المرأة المستسلمة إلى لذّة رجل يصغرها بعشرة أعوام.

تحركت يده اليمنى المتكئة على فخذه، حلّقت إلى جبينها العريض، وتوقفت عند شعرها يداعبه كزبد يتفتّت على شاطئ.

تراءت لها كل لحظات المتعة السابقة. ارتعش جسدها، وتساقطت عنه السنوات الفاصلة بينهما. تقوّس ظهرها، شمخ صدرها وتحول جسم المرأة إلى صحراء تتضرّع إلى المطر.

"لا تتوقف" همست بصوت مخنوق.

بحركة سريعة وثب عن حافة السرير وألقى بظلّه فوقها. حاوطها مثل عاصفة تحتلّ طريقاً مهجوراً. أحنى رأسه صوب شفتيها، شعرت بأنفاسه تلفح وجهها مثل ريح تعبر شرفة.

استراحت يده اليسرى عند طرف عنق المرأة، تماماً فوق العقد وانتظرت توأمها أن تمر عائدةً من فوق جبين المرأة، بين عينيها المغمضتين، الأنف الدقيق المصطنع، الشفتان المرخيتان قليلاً، وأخيراً لتصل في نهاية الرحلة إلى بداية العنق. تماماً فوق العقد الذهبي، وفي مواجهة اليد الأخرى، التي انبسطت فجأة، قبضت الأصابع الأربعة على أسفل العنق. وبحركة مشابهة من اليد الثانية، انغرز الإبهامان في الحلق.

بكل قوته، مضيفاً ثقل جسده الذي أصبح معظمه فوق استسلام المرأة شد على خناقها. فتحت عينيها، رمقته بنظرة حاقدة، تفاوتت أصوات الحشرجة المنبعثة من أعماقها. مسّ جسدها جنون الخوف من الموت، استماتت لتصرخ، لتهدده، لتذكره أنه مجرد أجير عندها، يخدم رغبات سيّدته لقاء ما تدفعه له عند نهاية كل شهر. لم تقدر أن تتفوه، بقي هو على صمته، على إصراره، تحولت يداه إلى منجلين عانقا سنبلة تعيش آخر لحظاتها.

رغم أن جسدها كان قد همد منذ أكثر من خمس دقائق، إلا أنه لم يتوقف للحظة عن شد الخناق، وكأنه لا يثق بها حتى في مماتها...

شعر بالدموع تترقرق في مقلتيه، قاوم رغبته في البكاء، لا يريد أن يبكي أمامها...

يده القابضة على مسكة الباب تراخت، التفت ناحية المرأة المستلقية على السرير، على وجهه ارتسمت ابتسامة خنوع صفراء، قال "آسف" وشرع يفك أزرار قميصه المخطط، ثم أردف شبه ضاحك:

- "هل ظننت فعلاً أنني أجرؤ على الرحيل عنك يا حبيبتي؟"

ألقت الملاءة أرضاً وأجابت "طبعاً لا...."

w w w .    A    r    a    b    i    c    S    t    o    r    y    . n e t

جميع الحقوق محفوظة لشبكة القصة العربية 2001-2007