[ أهلاً بالضيف الكريم ] 
للتسجيل
أنت الزائر رقم

إحصائيات الموقع

الدول المشاركة
عدد الكتَّاب
عدد النصوص
عدد الكتب
عدد التعليقات
عدد القراءات
عدد التوقيعات
عدد المشتركين
كتَّاب في الانتظار
نصوص في الانتظار
 
أصداء وأحلام 
التاريخ:  القراءات:(1953) قراءة  التعليقات:(2) تعليقان  إهداء لصديق طباعة التعليقات أضف للمفضلة

  قصة ، من : أيمن مصطفى الأسمر  

عرفته فور أن رأيته من نظرات عينيه التى أسهب الكثيرون فى وصف جاذبيتهما وقوة تأثيرهما ، ومن بنية جسده القوية التى لم تنل السنوات الطوال من اعتدالها واستقامتها ، حتى ملامح وجهه كانت هى هى كما رأيتها فى صوره أو فيما يعرض أحيانا من أفلام تسجيلية عن حياته ، لم أتوقف كثيرا عند فرضية وجوده التى تخالف الواقع وتبدو منافية بالكامل لكل منطق مقبول أو غير مقبول ، فحضوره الطاغى الذى أفاض الكثيرون فى التحدث عنه كان قاطعا ولا يدع مجالا للشك ، من المفترض إذن أنه قد تجاوز التسعين ، تقدم هو مادا يده نحوى فى خطوات نشيطة لا تتناسب مع عمره المفترض ، تخلصت من انبهارى اللحظى  برؤيته والتعرف على شخصيته فاندفعت أنا أيضا نحوه لتلتقى يدانا فى سلام حار ، تركت يدى مستكينة فى يده متحرجا أن أتركها قبل أن يفعل هو ذلك ، فلما تركها ووضعها على كتفى قائلا بصوته المميز الذى ألهب خيال وحماس الكثيرين دون حتى أن يروه:

ـ كيف أنتم يا بنى؟

كان صوته محملا بشجن وأبوة لا سبيل إلى مقاومتها فدارت رأسى واهتزت الأرض من تحت قدماى ، ملكتنى لحظتها رغبة عارمة وحنين جارف فى أن أبكى بعنف ، تتساقط دموعى وتتجمع فتصبح شلالات تغسل همى وحسرتى ، ثم القى بعدها بنفسى فى حضنه وأضع رأسى فوق كتفه ، أحكى له عن كل ما ضاع ويضيع ، عن الفرقة والتشرذم اللذان أصبحا قدرا مسلطا فوق رقابنا ، عن هواننا على أنفسنا وهواننا على الناس ، عن العدو الذى حاربناه لنخرجه من ساحتنا فإذا به الآن له الحق فى دخول بيتنا والمبيت فى أى غرفه شاء ، عمن أعماهم الجشع ونخر فيهم الفساد فحلبوا البقرة حتى أدموها ، امتلكوا الأراضى والعقارات بأبخس ثمن ، كنزوا الذهب والفضة وتاجروا بأى شيء وفى كل شيء ، تسلطوا على رقاب الناس وتحكموا فى قوت يومهم فأفسدوهم ، عن الكثير والكثير مما حل بالوطن والأمة فجعلها فى ذيل الأمم لا تملك من أمرها شيئا ، وقبل أن أفعلها وأرتمى فى حضنه تذكرت حينها أن لى عتابا شديدا عليه ، فهو لا شك يتحمل قدرا من المسئولية عما حدث ، تذكرت أنه اختار الطريق الأسوأ للسير بنا فيه ، وبرغم كل النوايا الطيبة إلا أن الطريق الذى اختاره لم يكن يوصل لغير ما نحن فيه ، لحظتها نظر فى عينىّ ثم أحنى رأسه قليلا وقال بصوت يملأه الشجن:

ـ أعرف ما تفكر فيه يا بنى ، ولك الحق.

صمت قليلا ثم تابع:

ـ لقد بذلت أقصى ما لدى من جهد وتحملت الكثير ، أصبت وأخطأت .. نجحت وفشلت ، لكننى لست نادما على ما فعلت.

لم أعلق على كلامه فقد ظلت مشاعرى على حالها من الاختلاط بين الحنين والعتاب ، سبقنى هو مرة أخرى إلى الكلام:

ـ لا أطلب منك أن تصفح عنى أو تتقبل كل ما فعلته ، لكن حالكم الآن بأيديكم أنتم ، مهما كنت أتحمل من مسئولية لا أنكرها فأنتم وحدكم القادرون على تغيير ما أنتم فيه.

حملت عبارته الأخيرة قدرا كبيرا من الصواب ، فنحن بالفعل نتحمل عبء ما نحن فيه ، إن لم نخلص نحن أنفسنا ونغير قدرنا فمن سيفعل لنا ذلك؟ لم يعد الزمن يسمح لنا بالحنين أو العتاب ، لم يعد يسمح بالحسرة والمرارة واجترار الأحزان ، لم يعد يسمح بالفرقة والتشرذم ولا الطمع أو الفساد ، لم يعد يسمح بغير العمل المخلص الدءوب لإصلاح أحوال الوطن والأمة ، أغمضت عينىّ وتخيلت أحوالنا ساعتها .. كانت الصورة مشرقة براقة تستحق أن تعاش وتصبح واقعا حيا لا مجرد حلم مستحيل ، فتحت عينىّ وهممت أن أعده بتحقيق هذا الحلم المراوغ لكنه لدهشتى لم يكن موجودا ، تلفتت حولى فتأكد لى أنه رحل بلا عودة ، كانت حرارة يديه لا تزال تبث فى جسدى الدفء ، وصدى صوته يؤكد لى صحة ما انتويته ، مضيت عازما على تنفيذ الحلم مهما كلفنى الأمر من جهد أو قابلنى من صعاب ، أحاول ولا أيأس حتى لو كنت وحدى ، فإن مت دون أن أحققه فعلى الأقل أكون قد عبدت الطريق وقطعت خطوات يسير على هديها من يجيء بعدى ، فتصعد حينها روحى مطمئنة يملؤها الأمل وتحفها السكينة.

 

أكتوبر 2010

w w w .    A    r    a    b    i    c    S    t    o    r    y    . n e t

جميع الحقوق محفوظة لشبكة القصة العربية 2001-2007