[ أهلاً بالضيف الكريم ] 
للتسجيل
أنت الزائر رقم

إحصائيات الموقع

الدول المشاركة
عدد الكتَّاب
عدد النصوص
عدد الكتب
عدد التعليقات
عدد القراءات
عدد التوقيعات
عدد المشتركين
كتَّاب في الانتظار
نصوص في الانتظار
 
السجادة 
التاريخ:الاثنين 30 يوليو 2001  القراءات:(2268) قراءة  التعليقات:(1) تعليق واحد  إهداء لصديق طباعة التعليقات أضف للمفضلة

  قصة ، من : منذر أبو حلتم  
ضجيج الصباح المعتاد يتسلل من الجدران وشقوق النافذه ، وبائع الحليب المتجول يصيح بصوته المميز الممطوط : - حليب .. حل ....يب ..!

يفتح الشيخ مصطفى عينيه بتثاقل ، في ذهنه بقايا حلم غامض .. تقع عيناه على عنكبوت كبير .. يتدلى من السقف .. اللعنة .. إنه ما زال هنا !

يقوم من فراشه متعثراً ..وهو يشعر بحرقة في معدته ومغص شديد يستقبل به صباحه كل يوم .. آه .. لم يكن ينقصني سوى القرحة !.. يسير إلى جرة الفخار في طرف الغرفة .. يشرب ويغسل وجهه .. ثم يجلس على طرف السرير الحديدي العتيق ..

ها قد بدأ يوم آخر يا مصطفى .. ترى كم الساعة الآن ؟ الضجيج يدل أنها تجاوزت التاسعة ..

يرتدي ملابسه .. سيأتي يوم وتستبدل هذه الأسمال القذرة بملابس حقيقية..! تمتم وهو يثبت قبعته الصوفية على رأسه .. ثم فتح باب غرفته الوحيدة .. ليجد نفسه في الزقاق ..

الزقاق يمتد بين صفين من المنازل الصغيرة والمحلات ، سار واضعاً يديه خلف ظهره كعادته .. ها هو فرن (ابراهيم الحلو ) .. رائحة الخبز الساخن لا تقاوم

- السلام عليكم ..

.. يرد الفران التحية وهو يمسح العرق المتصبب من وجهه . ثم هاهو أبو لطفي في دكانه ( بقالة الوحده ) ، يزن الخضار لاحدى السيدات وصوت حديثه يصل الى آخر الزقاق ..

- صباح الخير يا أبو لطفي ! لكن أبا لطفي لم يسمع .. يتمتم : سمعك يزداد ضعفاً يوماً بعد يوم يا أبا لطفي .. يتابع سيره البطيء .. ها هو صالون (شباب اليوم ) .. يشعر بالانقباض فهو لا يحب فايز الحلاق بنظراته الخبيثة ولسانه السليط ووصفاته الغريبة ! كان فايز يرش الماء أمام الصالون ..

يتظاهر بأنه لم يشاهده ، لكن فايز يصيح متهكماً :

- نظره يا شيخ .. نظرة لله !

يتمتم منزعجاً : - أعوذ بالله .. ويسرع في سيره .. هاهو (مقهى الشعب ) .. أمام المقهى جلس عدد من العاطلين عن العمل يراقبون الزقاق والمارة بعيونهم الكليلة فيما جلس كبار السن منهم يلعبون الزهر بملل واضح .

وأخيراً ها هو المسجد .. حيث يعمل خادماً ومؤذناً .. يفتح الباب ويدخل .. المسجد عبارة عن غرفة واحدة مستطيلة تحد الزقاق من الجهة الغربية ، وفيها نافذتان .. أحداهما صغيرة وتطل على الزقاق ، والأخرى كبيرة نسبياً وتطل على ساحة ترابية مظللة بشجرة توت ضخمة . أرضية المسجد مغطاة بحصر مختلفة الألوان ، وجلود خراف تناثرت هنا وهناك ..وعلى الجدار بالقرب من المحراب ساعة قديمة يتأرجح بندولها يميناً ويساراً .. وبالقرب من المنبر الخشبي القصير سجادة صوفية حمراء مزخرفة ..

طوى الحصر والسجادة بعد أن نفضهما من الغبار .. و فتح النافذة المطلة على الساحة الترابية ليتجدد الهواء .. ثم جلس في إحدى الزوايا متعباً .. أصوات الزقاق تصل إليه متداخلة مشوشة فلا يكاد يفهم منها شيئاً ..

وماذا بعد يا مصطفى ؟ إلى متى ستستمر هذه الحياة ؟ .. الرزق بيد الله .. ولكنك لا تطلب الكثير ..

أنت بحاجة للعلاج من ألم المفاصل وقرحة المعدة اللعينة .. ثم إنك جائع .. ولولا هذا العمل الذي وفره لك أمام المسجد لمت في غرفتك دون أن يدري بك أحد ..! نعم يا مصطفى أنت مقطوع من شجرة .. وأغصان الشجرة الباقية لا تتعرف على الأوراق الضعيفة اليابسة .. وأنت ورقة يابسة يا مصطفى..!

استلقى على جنبه .. ووضع يده تحت رأسه .. ونظر إلى بندول الساعة في حركته الرتيبة المستمرة ، وشيئاً فشيئاً .. غابت أصوات الزقاق واستغرق في النوم . لم يدر كم نام ، لكنه استيقظ فجأة على صوت غريب يأتي من جهة النافذة المفتوحة .. رفع رأسه قليلاً .. يا إلهي .. ما هذا ؟ كان رجل يتسلل داخلاً من النافذة بحذر شديد ..لم يلاحظ الرجل أنه مستيقظ فتابع دخوله الحذر حتى وصل إلى السجادة المزخرفة ومد يده إليها ..

- قف عندك أيها الشيطان !!

صرخ وهو يتأهب للوقوف ، كانت المفاجأة شديدة على الرجل .. فتشنج واقفاً دون حراك .

هجم عليه وهو يصرخ : - اتسرق بيت الله أيها اللعين ؟!

وأخذ يوسعه ركلاً وصفعاً وقد نسي ألم مفاصله .. لكن الرجل تمالك نفسه ودفعه بعيداً ثم هرب من النافذة ..

جلس غاضباً حائراً .. يا له من زمن قبيح .. هل وصل الناس إلى هذه الدرجة ؟! .. أذن فلست الوحيد الذي يعاني يا مصطفى ..ثم التفت إلى السجادة ، إنها ثمينة .. من الصوف الأصلي ومزينة بالزخارف .. ترى كم تساوي هذه السجادة ؟ ..

انتبه إلى ما انتهى إليه تفكيره فانتفض مستعيذاً بالله من الشيطان الرجيم .. ولكن .. ماذا لو بعتها واستفدت من ثمنها ؟ وستحضر واحدة بدلاً منها عندما يفتح الله عليك .. إنها ملقاة هنا بلا فائده ، فالإمام يستطيع أن يصلي على إحدى الحصر .. لكنها كفيلة بسد حاجاتك لفترة طويلة . ستشتري معطفاً للشتاء الذي أصبح على الأبواب وحذاء جديداً .. وستدفع أجرة الغرفة المتراكمة .. وتعالج أمراضك المزمنة .. نعم ، ماذا لو أخذتها ؟ ليس سرقة .. استغفر الله .. بل استعارة .. ديناً ..!

طرق خفيف على باب المسجد .. يجفل الشيخ ويمسح العرق البارد عن جبينه ، يفتح الباب .. كان ابن إمام المسجد حاملاً طعام الغداء ..

مرت ساعات النهار رتيبة طويلة .. وبعد صلاة الظهر عاد إلى غرفته .. في الشارع أطفال يلعبون بكرة قماشية .. فايز الحلاق يقف في الصالون أمام المرآة يقص شاربيه .. إبراهيم الحلو يجلس على كرسي من القش أمام الفرن ويشرب كوباً من الشاي .. والجو حار .. حارجداً ..والسجادة تسيطر على تفكيرك يا مصطفى .. السجادة .!

في المساء وبعد صلاة العشاء أطفأ المصابيح الكهربائية القليلة ووقف مفكراً .. ها قد حانت الساعة .. هل ستمضي في فكرتك المجنونة ؟ أم تعود إلى غرفتك وتندس في فراشك طاوياً جوعك ومرضك وعمرك الكئيب ؟

لكنه يقترب من السجادة بحركات آلية .. كان ضوء خافت يتسلل من زجاج النافذة ويقع على طرف السجاده الحمراء .. يمد يده المرتعشة ويطويها ، يضعها تحت إبطه وقلبه يخفق بشدة .. حتىخيل إليه أن صوت خفقات قلبه سيوقظ أهل الزقاق .. أطل برأسه من باب المسجد ، المحلات أغلقت أبوابها .. والمقهى شبه خالٍ .. أغلق الباب وسار مسرعاً يكاد يركض ..

اللعنة .. ما هذا ؟ إنه فايز ...

w w w .    A    r    a    b    i    c    S    t    o    r    y    . n e t

جميع الحقوق محفوظة لشبكة القصة العربية 2001-2007